د سيف 1

د. سيف بن ناصر المعمري
كان الإيمان بقيمة التعليم العامل الرئيسي في نهضة هذا الوطن خلال العقود الماضية، هذا الإيمان عبَّر عنه صاحب الجلالة السلطان المعظَّم بكلمات فيها تحدي كبير حين قال في خطابه بمناسبة العيد الوطني الثاني عام 1972م: «فالمهم هو التعليم حتى تحت ظل الشجر»، هذه العبارة البليغة لم تكن فقط تركيز على التعليم فقط، إنما تركيز على الغاية أكثر من الوسيلة، تركيز على الهدف بدلًا من التركيز على المكان الذي يتم فيه التعلم، التركيز على الدافعية للتعلُّم أكثر من التركيز على نوعية الحقيقة واتساع المكان، إننا نعود إلى هذه الحقبة المهمة نستلهم فيها كيف كانت الدافعية للتعليم في ذلك الوقت لمن حُرِم منه، حيث وصف جلالته ذلك الإقبال أيضًا وصفًا بليغًا في نفس الخطاب حين قال بأنه أشبه بـ: «تهافت الظمآن على الماء»، كان الجميع مؤمنون أن التعليم سبيلهم في الخلاص من قيود الجهل، وسبيلهم لنشر النور في القُرى العمانية التي كان الظلام يعم معظمها، ولذا كانت الأشجار والخيام والدعون والمباني التي تبنى من سعف النخيل هي المدارس التي بدأت في استقبال الطلبة الذين كانوا يمشون إليها عشرات الكيلومترات، نستحضر اليوم هذا الإيمان الذي لم يتزعزع لدى جلالته حول أهمية التعليم، وضرورة نشره من أجل عمان قوية متقدمة مستعيدة لحضاراتها ودورها الإنساني المؤثر: «لقد كان التعليم أهم ما يشغل بالي وأنا أراقب تدهور الأمور من داخل بيتي الصغير في صَلالة ورأيت أنه لا بد من توجيه الجهود في الدرجة الأولى إلى نشر التعليم، فلما أذن الله بالخلاص من سياسة (الباب المغلق) كان لنا جهاد وكان لنا في ميدان التعليم حملة بدأت للوهلة الأولى وكأنها تهافت الظمآن على الماء. إنها فعلا كانت كذلك. ونحن بدورنا أفسحنا المجال لوزارة المعارف وزودناها بما فيه إمكانياتنا لتحطيم قيود الجهل، وكانت المدارس تفتح دون أي حساب للمتطلبات. فالمهم هو التعليم حتى تحت ظل الشجر، ولم يغب عن بالنا تعليم الفتاة، وهي نصف المجتمع فكان أن خرجت الفتاة العمانية المتعطشة إلى العلم تحمل حقيبتها وتيمم شطر المدرسة، مدارس في كل جزء من أجزاء السلطنة للبنين والبنات. فالعلم ضرورة لازمة، ولابد أن يتعلم الجميع ليسعد بهم الوطن، ولكن هل كان بوسعنا أن نفعل المستحيل؟» خطاب جلالته في العيد الوطني الثاني.

نعم ما جرى في السنوات الأولى من النهضة هو فعل للمستحيل، فالواقع كان أصعب من الطموحات والآمال، ولكن كانت إرادة جلالته وإيمانه لا يمكن أن يقف في وجهنا أي مستحيل، وفي ظل الإمكانات المحدود حظي التعليم بدعم كبير جدًّا، ووضعت له مبادئ سامية ترجمة على الأرض، لو تمكن القائمون على التعليم من المضي، وفقها لما عانى التعليم لدينا من كل هذه الإشكاليات التي نتحاور حولها في السنوات الأخيرة ولا أفق يلوح للتغلب عليها، فهذه المبادئ مثلت المفتاح الذي يجب أن نستعين به لإنعاش التعليم، وجعله مصدر سعادة وطنية، فالوطن لا يعلم أبناءه ليشقى بهم لاحقًا عندما ينتهون من فترة المدرسة، وهذه قاعدة مهمة وضعها جلالته منذ السنوات الأولى للتعليم، وهي يمكن أن تفسَّر بأكثر من اتجاه أولها: ضرورة تجويد التعليم، وجعله ذا معنى للطلبة حتى يتمكنون من توظيفهم في واقع حياتهم، وهذا ما تركز عليه اليوم النظريات التربوية الحديثة مثل النظرية البنائية (Constructivism theory) والتي ترفض التلقين الذي يعيق نمو شخصية قادرة على جعل التعليم أداة للحياة، كما أن نظرة جلالته للتعليم كمصدر سعادة تقتضي ربطه بسوق العمل وما يحتاجه المجتمع ويتوقع من الأفراد، لأنه من يعلمهم الوطن ويساعد على تحررهم ويعمل على تقويتهم، هم أيضًا يجدر بهم أن يعملوا على تقوية الوطن في أي مجال يكونون به، من خلال الإخلاص والانتماء وتحمُّل المسؤولية في أداء المهام المنوطة بهم.
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن التعليم كان -ولا يزال- مفتاحًا لأي نهضة حقيقية، وعندما يحرم مجتمع من المجتمعات من التعليم يفقد قدرته على الوعي، ويصاب بالوهن، ويصبح أسير كثير من العادات والتقاليد المقيدة، ولا يستطيع أن ينال أسباب التقدُّم لعدم قدرة أبنائه على تحمل أعباء تنميته لافتقادهم للمهارات المختلفة التي تتطلبها النهضة الاقتصادية والإدارة الحكيمة، ولذا كان صاحب الجلالة السلطان المعظم يدرك أن النهضة العمانية تبدأ من المدرسة، وأن البرنامج التنموي، والفكر الإصلاحي الذي جاء به لا يمكن أن يثمر بدون تعليم المجتمع، لأن التعليم هو وسيلة تحرير من الاتكالية والاعتماد على الآخر، ولقد عبَّر صاحب الجلالة عن الحاجة إلى التعليم حين قال في خطاب ألقاه في التاسع من أغسطس من عام 1970م بقوله: «وحيث إن بلادنا قد حرمت لفترة طويلة جدًّا من التعليم الذي هو أساس الكفاءة الإدارية والفنية يتوجب علينا في المدى القريب الاستمرار في سد النقص في الإدارة بموظفين أجانب، الذين يجب أن تتوفر فيهم الكفاءة والإخلاص، ذلك لتدريب وإعداد شعبنا لمسؤولياته في المستقبل ومن هنا تنشأ الحقيقة بأن تعليم شعبنا وتدريبه يجب أن يكون بأسرع وقت ممكن لكي يصبح في الإمكان في المدى الأبعد، حكم البلاد بالعمانيين للعمانيين».
إذن حددت الغاية من التعليم في سلطنة عمان في هذا الخطاب وقبل أن تعد فلسفة تربوية عمانية صدرت في عام 1978م، هذا الغاية هي «تمكين» الشعب العماني أن يحكم نفسه، ويقصد بالحكم هنا هو القدرة على بناء البلد، والاعتماد على تسيير مختلف القطاعات المختلفة، ولذا كانت هذه الغاية هي المحرك لإعلان صاحب الجلالة السلطان المعظم شعار فيه تحد كبير، ومضمونه يعبر عن إيمان عميق بأهمية التعليم حين قال جلالته: «سنعلِّم أبناءنا حتى لو تحت ظل الشجر»، ولذا ترجم هذا الشعار خلال العقود الأربعة من خلال العديد من المظاهر حيث بدأ تعداد المدارس يتزايد مع تزايد عدد الطلبة فيها، وفي الواقع التأمُّل في رُؤى صاحب الجلالة في التعليم هو تأمل في جوهر النهضة العمانية، وتأمل في رؤية تقدمية عبر عنها كثير من المفكرين التربويين من أمثال المُربِّي الأمريكي جون ديوي، والفيلسوف البرازيلي باولو فيريري، حيث تلتقي أفكار هذين المربيين التربوية مع رؤية صاحب الجلالة حول وجود تعليم يرقى بالإنسان ويكسبه القدرة على ممارسة المواطنة المسؤولة من خلال الاعتماد على الذات في كسب لُقمة العيش، أما المربِّي الثاني فركز على دور التعليم في تحرير الإنسان من خلال إكسابه مهارات التفكير الناقد التي يتمكن من خلالها من فهم العالم بواسطة اختبار الآراء والحقائق. تعليم أراده جلالته أن يساعد كما جاء في المادة من النظام الأساسي على بناء جيل.
ولم يقترض جلالته على تحديد الغايات الرئيسية للتعليم في خطاباته المختلفة، إنما ركز أيضًا على الجانب المتعلق بطرق تنفيذ المنهج، وترجمة أهداف التعليم (الجانب البيداغوجي)، ومن المُلفِت أن جلالته وضع في المقام الأول «القدوة الحسنة» كأحد أهم الطُّرق لتحقيق أهداف التعليم، وهو في هذا جمع بين وظيفتي المدرسة اللتين لا يزال الجميع يجد صعوبة في الجمع بينهما وهما: التربية والتعليم، فالمدرسة أساس عملها تشكيل شخصية الإنسان، ومساعدته ليكون إنسانًا، وبعد ذلك تأتي مهمة تعليمه، ولذا يقول جلالته في خطاب العيد الوطني الثاني: «أهم ما يهمني أن ألفت إليه انتباه القائمين بالتعليم هو أن يكونوا هم القدوة والمثال الطيب لتلاميذهم وأن يغرسوا في نفوس النشء تعاليم الدين الحنيف، ويربوهم على الأخلاق الفاضلة ويوقظوا في نفوسهم الروح الوطنية ليكونوا أجيالًا من الشباب قادرين على الاضطلاع بمسؤولياتهم فإذا حملوا المشعل كانوا تواقين دومًا إلى الأفضل سبَّاقين إلى المبادرة والإنتاج في العمل».
ونعود نسأل بعد أربعة عقود، ماذا نريد من التعليم؟ وكيف السبيل إلى جعله تعليمًا مرتبطًا فاعلًا؟ ونضع وثائق كثيرة نحاول فيها أن نحدد الغايات الرئيسية، ولو كان لدينا دراسة حقيقية لنهضتنا، وللأساس المتين الذي بني عليه التعليم لما أضعنا كل هذا الوقت في البحث، ونحن لدينا مثل هذه الفقرة التي يجب أن نستعيد معانيها، وأن نضعها عند مدخل كل مدرسة عمانية، وعند مدخل كل كلية للتربية، فهي تضع لنا المسار الذي يجب أن نمضي فيه، وهو مسار أساسه «الأخلاق الفاضلة»، فلا يمكن أن يزدهر مجتمعنا وغيره من المجتمعات الإنسانية اليوم بدون بناء إنسان متشبع بالأخلاق، لو نجحت المدرسة في تحقيق ذلك ستقلِّل من تداعينا إلى إصدار القوانين وتعديلها؛ لأنها لا يجب أن تكون هي الضابط الوحيد لسلوك الإنسان، متى ما قدر على التحايل عليها نجح في الإساءة إلى هذا الوطن، وأثر في مصادر سعادته، لو نجحت المدرسة في ترجمة ما جاء في هذه الفقرة من «إيقاظ للروح الوطنية» في نفوس الطلبة سنكون أكثر قوة، نعم التعليم اليوم يحتاج إلى إيقاظ الروح الوطنية النائمة لدى كثير من أبناء هذا المجتمع، لأن استمرار هذا السُّبَات هو السبيل لقدرتنا لأن نكون بقدر آمالنا وتوقعاتنا، فمسؤولية بناء وطن هي مسؤولية جماعية، ومؤسسات التعليم اليوم تحتاج إلى مراجعة عميقة حتى تعيد بناء نفسها من أجل تحقيق هذه الغايات السامية للتعليم، فلا معنى أن يقتصر الدور اليوم على تعليم الكل يشتكي من مخرجاته وهم الذين عاجلًا أما آجلًا سيحملون «المشعل … تواقين دومًا إلى الأفضل سبَّاقين إلى المبادرة والإنتاج في العمل».

وفي الوقت الذي كانت فيه رُؤى جلالته – حول التعليم- تركز على وضع الأسس والأهداف والغايات وتحقيق إتاحته للجميع، ركزت خُطبه في العقد الخامس من النهضة على تقييم التعليم ومراجعة سياساته، وربما يكون تطوير التعليم ضرورة مستمرة لا يمكن لأحد أن ينكرها، لكن يبدو أن القائمين على شؤون التعليم لم يتمكنوا أن تكون لديهم إرادة يبثونها في مختلف السياسات التطويرية كتلك التي امتلكها صاحب الجلالة عندما كان التعليم تحت ظل الشجر، وأصبح التطوير الذي يجب أن تقوم هذه المؤسسات يحتاج إلى تطوير وإلى رؤية وإرادة حتى يحقق الأهداف التي دعا إليها صاحب الجلالة في العديد من الخطابات الأخيرة منها خطابه بمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عمان في عام 2011م: «لما كان التعليم هو الركيزة الأساسية للتقدم والتطور ولإيجاد جيل يتحلَّى بالوعي والمسؤولية ويتمتع بالخبرة والمهارة ويتطلع الى مستوى معرفي أرقى وأرفع فإنه لابد من إجراء تقييم شامل للمسيرة التعليمية؛ من أجل تحقيق تلك التطلعات والاستفادة من فرص العمل المتاحة في القطاعين العام والخاص». وعاد جلالته وأكد هذه الحاجة الملحة في خطاب العام التالي لانعقاد مجلس عمان (2012): «لا يخفى أن التعليم أساس التنمية ففي مراحله المتعددة ومن خلال مناهجه المتنوعة تعد القوى العاملة الوطنية اللازمة لإدارة عجلة التنمية وتنفيذ برامجها في شتى الميادين لذلك كان لابد لنجاح خطط التنمية وبرامجها التنفيذية على النحو المبتغى، والمستوى المطلوب من ضمان جودة مخرجات التعليم والنهوض بمختلف أنواعه ومراحله وفقًا للسياسة العامة للدولة، وبما يؤدي الى بلوغ الأهداف التي نسعى جميعا الى تحقيقها. وخلال الفترة المنصرمة طُبِّقت في عمان أنظمة ومناهج تعليمية متنوعة وبرامج تدريبية وتأهيلية متعددة إلا أن الأمر يتطلب إيلاء عناية أكبر للربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. لذلك فإنه من أولويات المرحلة التي نمر بها والمرحلة القادمة التي نستشرفها مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات التي يشهدها الوطن والمتطلبات التي يفرضها التقدم العلمي والتطور الحضاري وصولا إلى بناء جيل مسلح بالوعي والمعرفة والقدرات المطلوبة للعمل المفيد».

إن أهم عامل في نجاح أي تطوير للتعليم هو أن نعود إلى الرؤى التي وضعها صاحب الجلالة في خطاباته المختلفة حول التعليم، والتي لم يحدد فيها الغايات التي يجب على التعليم أن يحققها، إنما أيقظ فيها الروح الوطنية حول حقيقة مهمة، وهي لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدَّم ويكون قويًّا إلا بالتعليم الحقيقي، وأنا أرى أننا نحتاج اليوم أن نوقظ الروح في المسؤولين القائمين على مؤسسات التعليم ولجان تطويره، وفي المعلمين والطلبة، إذا لم توقظ الروح لن يحدث أي تطوير في التعليم.

8,268 total views, 5 views today