محمد الشيخ

أخشى ما يمكن أن يخشاه مهتم عربي بالفلسفة اليوم، أمام التحولات العميقة التي يشهدها حال الفلسفة من تجديد شديد، أن يشبه حاله حال يمليخا، في قصة أهل الكهف، الذي بعد أن نام نومته العميقة حد الذهول عن تحولات العالم في ما حاوله، أراد أن يشتري لأصدقائه من نيام الكهف المستيقظين لتوِّهم، ما يقتاتون به بنقود قديمة ما عادت متداولة؛ فكذلك قد يكتشف المهتم بالفلسفة في العالم العربي اليوم أنه يريد أن يحاور أهل الفلسفة، في العالم الذي ينتج الفلسفة ولا يكتفي باستهلاكها بله بتحريمها، بمفاهيم ما عادت مستعملة اليوم ولا متداولة. وفضلا عن انقطاعه عن تراثه الفلسفي الإسلامي القديم الذي ما عاد يسعفه في التفلسف الآن، يكاد ينقطع أيضا عن الفكر الفلسفي الغربي المعاصر، بفعل ندرة الترجمات الجديدة، وحتى في حال وجود بعضها، ضعف بعضه أو رطانته التي ما عادت تحتمل. فإذا ما عَنَّ له أن يلقي بنظره عما يحدث في مجال الفلسفة اليوم، ذهل نظره أمام ما يقفو أثره. والحال أن ثمة سمات عدة أمست تميز الفلسفة اليوم، أهمها ثلاث: نزوعها نحو التعولم، وسعيها نحو التأنث، وتزعها إلى التعدد.

نحو التعولم

لأمد امتد على ما يقارب القرن ونيف كان ثمة تياران أساسيان استبدا بالفلسفة: التيار الفلسفي القاري (نسبة إلى داخل القارة الأوربية) والتيار الأنجلوسكسوني (نسبة إلى اللسان الإنجليزي). لكن ما عاد هذا الغربي المركزي مقبولا اليوم. وذلك لأسباب عدة؛ منها:

أولا؛ من جهة الفلسفة الأنجلوسكسونية، فإن ما دأب بعض الفلاسفة على تسميته “الفلسفة العلاجية باللسان الطبيعي”[1] ـ صار أمرا قليلا ما يمارس، وأمست هذه الفلسفة تضم تيارات فلسفية متنوعة بل ومتعارضة أحيانا. وإن من شأن التذكير بالصراع الذي خاضه الفلاسفة الأمريكيون في ما بينهم ـ وفيهم أنصار اللاهوت ودعاة الفينومينولوجيا وأتباع التأويليات وما بعد الحداثيين وأنصار النزعة النسائية الجذرية … ـ  من أجل الاستفراد بالجمعية الفلسفية الأمريكية ـ أن يقنعنا بأن زمن الممارسة الفلسفية الواحدة قد ولى بلا رجعة، وأنه لا مرحبا بالتنميط من ضيف.

وفوق هذا وذاك، منذ ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن صار مؤرخو الفلسفة الأنجلوسكسونية والمهتمون بها يتحدثون عن حقبة “ما بعد الفلسفة التحليلية”[2]. وذلك مثلما كان بدأ الحديث عن “ما بعد الفلسفة القارية” وعن “تجسير الهوة” بين التقليدين. فلا الفلسفة التحليلية بقيت على ما كان يفترض أنها هي، على الرغم من أن الصورة أشد اختلافا، ولا الفلسفة القارية بقيت بمنأى عن “المنعطف اللساني” (الخمسينيات من القرن الماضي) ـ جوهر الفلسفة التحليلية، فضلا عن “التحليل المنطقي” ـ [3]. وهكذا، مثلا، فإنه بعد أن كان تحدث بعض المهتمين بالشأن الفلسفي المعاصر عما شبهه بييت منقسم على نفسه[4] تضم غرفة منه الفلسفة القارية وتختلي الفلسفة التحليلية بالغرفة الأخرى، وبينهما نزاع دائم، وبعد أن كان تحدث جون باسمور عن “جدار برلين ذهني” بين التقليدين[5]، وبعد أن كان لاحظ الفيلسوف داميت بأن ثمة “هوة سحيقة فتحت على نحو غير معقول بين الفلسفة “الأنجلو أمريكية” والفلسفة “القارية”، وذلك بحيث آل الأمر إلى أن: “بلغنا نقطة صرنا معها كما لو أننا نشتغل على موضوعات مختلفة”[6]، ها نحن صرنا نشهد على التقارب بين الأخوين الغريمين أو بلغة ابن رشد “الأخوين من الرضاعة”.

ذلك أنه منذ ما ينيف عن أربعين سنة والمحاولات جارية على قدم وساق لرتق الفتق بين التقليدين، أو ما كان سماه الفيلسوف الألماني المعاصر أكسيل هونيث (1949-       )  ذات حوار “تعارف التقليدين” أو “التخصيبات المتقاطعة”، وذلك بحيث أن: “تقليدين ظلا لزمن طويل معزولين ومنفصلين، انتهيا إلى أن يشرع الواحد منهما في التعامل مع الآخر إفادة واستفادة”، ضاربا المثال ببول ريكور الذي صارت فلسفته تتعذى من إسهامات الفلسفة التحليلية، وببرنارد وليامس ـ في الضفة الأخرى ـ الذي صار يفيد من الفلسفة القارية ـ  وذلك بإجراء تحاور وتوليف بينهما. 

والشاهد على ذلك، تلك الإفادة العظيمة للفلاسفة الألمان المعاصرين ـ شأن يورغن هابرماس (1929-          ) وإرنست توغندات ( 1830 ـ         ) وكارل أوتو آبيل (1922-         ) وأكسل هونيث (1849-           ) مما سمي “المنعطف اللساني” الذي كان طبع الفكر الأنجلوسكسوني بدمغة ليست تمحى أبد الدهر ـ وبالمقابل إفادة الفلاسفة الأمريكيين المعاصرين ـ أنظار ريتشرد رورتي (1931-2007) وجون. د. كابيتو (1940-        ) وستانلي كافيل (1926-         ) وغيرهم كثير ـ من فتوحات ما سمي “النظرية الفرنسية” French Theory (وهي مزيج عجيب من الأدب والنقد والفلسفة روادها مفكرون فرنسيون مشهورون: فوكو ودولوز ودريدا وليوتار ونانسي ولاكو لابارث وغيرهم، لقيت رواجا بكليات الآداب الأجنبية وقسم الدراسات الثقافية بأمريكا، وغالبا ما تجوهلت في شعب الفلسفة) ومن كشوفات النظرية النقدية الألمانية. هذا فضلا عن أن رواد الفلسفة التحليلية نفسها ـ أنظار فريجه وفيتجنشتين وحلقة فيينا ـ إنما كانوا ينحدرون من أصول جرمانية.

لكن الأمر ما وقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى الانفتاح اليوم على فلسفات غير أوربية، شأن الفلسفة الأمريكية اللاتينية والفلسفات الآسيوية والفلسفة الإفريقية وغيرها من فلسفات وحكم الشعوب. وقد صار التأليف فيها نشيطا ومتنوعا.  

نحو التأنث

عادة ما بقيت الفلسفة حكر نزعة ذكورية خالصة. ولعل أقسى الأقوال في المرأة هي تلك التي تنسب إلى فلاسفة. لكن الأمر سائر اليوم إلى تغير مهم. يمكن اتخاذ عنوان كتابين رمزا لهذه السورة التي يشهدها التأليف في الفلسفة النسائية: الكتاب الأول لصاحبته جنوفياف لويد وعنوانه: “رجل العقل: “الذكر” و”الأنثى في الفلسفة الغربية” (1984 و1993). وفيه نقد جذري لذكورية العقل الغربي ممثلا في تصورات فلاسفة الغرب الكبار. والكتاب الثاني كتبته كارين غرين تحت عنوان “امرأة العقل” أعادت فيه الاعتبار للنزعة النسائية في تاريخ الفكر السياسي الغربي. بعد مضي عقد ونيف من الزمن عن تأليف الكتاب الأول (1995).

والحال أن هذين الكتابين يقدمان لنا صورة عما صار يعتمل في حقل ما صار يعرف اليوم ـ وهذه سمة بارزة من سمات الفلسفة المعاصرة ـ “الفلسفة النسائية”.

على أن لهذه الفلسفة النسائية وجهين: وجه العودة إلى تاريخ الفلسفة عودة نقدية وبيان مدى ذكورية العقل الفلسفي عبر تاريخه. وهكذا صارت الكتب في هذا الأمر بالعشرات إما مقومة للفكر الفلسفي برمته، على نحو ما نجده في هذه الأمثلة ـ تكفي السنبلة من البيدر: كتاب “الفلسفة القارية من منظور نسائي” (كورنيليا كلينغر وهرتا ناغل دوسيغال)[7] (2000) واستكشاف الفلسفة النسائية: المعرفة والأخلاق والسياسة لصاحبته روبين ماي شكوت (2003)[8]، وتأملات نسائية في الفلسفة النسائية لصاحبتيه ليلي ألانين وشارلوت ويت (2004)[9]، وكتاب “النزعة النسائية والفلسفة الحديثة: مدخل” لصاحبته أنريا ناي (2004)[10]… ووجه تقويم فكر فيلسوف بعينه من أقدم الفلاسفة إلى أحدثهم؛ من أشدهم عداء للمرأة إلى أخفهم عدائية. حيث يشير ما يلي إلى أهم هذه القراءات النسائية: من أقدم الفلاسفة إلى أحدثهم، ومن رجال فلاسفتهم إلى نسائهم، ومن معادي النساء منهم إلى مؤيديهن، ما تركت القراءات النسائية شيئا:

وهكذا وجدت قراءة نسائية لأفلاطون ولأرسطو وللقديس أوغسطينوس ولماكيفلي ولديكارت ولهوبز  ولسبينوزا ولجون لوك ولدافيد هيوم ولروسو ولكانط ولكيركجارد ولنيتشه ولألكسيس دو توكفيل ولجون ديوي ولهايدجر ولجادامير ولسارتر ولميرلو-بونتي ولأدورنو وللوفيناس ولكواين ولرورتي ولهابرماس … بل صير حتى إلى قراءات تأويلات نسائية لفيلسوفات ولنسائيات، شأن حنة آرندت وآين راند وسيمون دو بوفوار وإيما غولدمان وجين آدامز وماري ديلي …

وعرفت من فيلسوفات النزعة النسائية المعاصرة فيلسوفات كبيرات؛ شأن المفكرة الفرنسية لوس إريغاراي Luce Irigaray (1930-    ) صاحبة كتاب عن “الوجه الآخر للمرأة” (1974) و”أخلاقيات الاختلاف الجنسي” (1984) والفيلسوفة الأمريكية يوديث باثلر Judith Butler (1956-       ) صاحبة كتاب “اضطراب في النوع” (1990). 

كما صار للفلسفة النسائية سلسلة نشرها، ومعاجمها الخاصة، ومظانها الأساسية، ومرجعياتها المعتمدة، ومتونها المخصوصة، ومجلاتها المفردة (سلسلة دراسات في الفلسفة النسائية التي تصدرها مطابع جامعة أكسفورد وتشرف عليها ثلة من المختصات في الفلسفة النسائية بجامعات عريقة وتوزع في مجموعة من الدول وقد أصدرت لحد الآن ما يناهز ثلاثين عنوانا) .. ومن أهم مظان الفلسفة النسائية الجامعة : “النزعة النسائية والفلسفة: قراءات أساسية …” لنانسيتوانا ورزماري تونغ (1995)[11]والفلسفة النسائية: من ألفها إلى يائها لكاترين فيلانييفا غاردنر (2009)[12] والمعجم التاريخي للفلسفة النسائية للمؤلفة عينها(2006) [13] والفلسفة بصوت نسائي لجانيت كوراني (1998)[14] ودليل بلاكويل للفلسفة النسائية لإيفا فيدر كيتاي وليندا مارتن ألكوف (2006)[15] .

وبالجملة، أضحت للمرأة مكانة متميزة في الفلسفة، سواء بالعمل خارج إطار أي نزوع فلسفي جنسي، على نحو ما تجد هؤلاء يشتغلن في الفلسفة السياسية أو الفلسفة الأخلاقية (إريس ماريون يونغ، ناسبوم …)  أو في فلسفة اللغة أو في فلسفة العلم … وهكذا ففي مجال الفلسفة الاجتماعية والسياسية، تميزت العديد من الفيلسوفات أنظار نانسي فريزر (1947-     ) التي اهتمت على الخصوص بمسألة العدالة الاجتماعية، وعمدت، في كتبها العديدة عن هذا الموضوع، إلى المزاوجة بين نظرية العدالة الاجتماعية ـ ذات النفحة الماركسية ـ ونظرية الإعتراف ـ ذات النفحة الثقافية ـ الأولى كانت تختزل أمر العدالة الاجتماعية إلى ما هو اقتصادي [الطبقية]، والثانية إلى ما هو رمزي [الهوية والاختلاف]، أما هي فقد ألفت بينهما تأليفا، بحيث تعبر عن موقفها في جوامع الكلم: “لا اعتراف من غير توزيع”. كما أنها من جهة أخرى تعارض نموذج الاعتراف القائم على الجمود على الهوية بنموذج أرحب هو الاعتراف بالمقام أو المنزلة وليس الاعتراف بالهوية. وإذ تنبهت إلى أن العدالة والاعتراف وحدهما ليسا يكفيان، وإذ استلهمت نموذج فيبر في التراتبية ـ الطبقة، المنزلة، الحزب ـ فقد صار “التوزيع” يوافق الطبقة، و”الاعتراف” المنزلة، وكان لا بد من العبد السياسي (التمثيل السياسي). ولفهم لِمَ البعد السياسي مهم، تدعونا نانسي فريزر إلى إجراء تجربة ذهنية: هب أننا استطعنا إقصاء كل أشكال اللاعدالة المرتبطة بتوزيع الثروات، وتوصلنا إلى تجاوز كل أشكال الظلم المرتبط الإعتراف، فهلا تكون آنها بقيت من مظالم؟ أجل، لما يكون النظام السياسي يرفض أن يكون للبعض إسهام في التمثيل السياسي لبعض الجماعات.  

وفي مجال الأخلاقيات تميز عمل العشرات من الفيلسوفات التي لا يتسع هذا المجال لذكرهن، يكفي أن نشير إلى واحدة منهن هي الفرنسية مونيك كانتو سبيربر (1954-      ) مثلا التي صارت تلتمس طريقا ثالثا بين طريق”النسبية الأخلاقية”، التي تقول بأن على كل ثقافة أن تحدد معاييرها الخاصة بها وقواعدها المخصوصة وما تقبلهمن سلوك وما لا تقبله، وطريق “الكونية القسرية” التي تقول بأن ثمة أخلاقا واحدة على وجه كوكب الأرض لا بد من القبول بها. وقد تمثل هذا الموقف في ما تسميه “كونية موضوعية سياقية”. إذ ثمة “نواة صلبة” للقيم الإنسانية تعبر عن نفسها تعبيرات متعددة حسب مختلف الثقافات.

على أن المجال الفلسفي الذي ظل لردح من الزمن حكرا على الرجال، إنما كان هو مجال فلسفة العلوم والمنطق. والحال أننا صرنا نجد فيه عشرات الأسماء النسائية اليوم تقتحمنه بلا مركب نقص. وهكذا ما عادت الفيلسوفات تنكببن ـ نرجسيا ـ على مقاربة موضوع النوع، على الرغم من أهميته وخطورته، وإنما  صرن تبحثن عن آفاق أرحب. ومن هذا المنطلق، نعثر مثلا على الفيلسوفة ماري براندي هيس (1924 ـ      ) التي تخصصت في فلسفة المنطق وعلم المناهج وإبستمولوجيا العلوم الطبيعية والاجتماعية، وكانت عضوا نشيطا في الأكاديمية البريطانية، كما انتخبت رئيسة لجمعية فلسفة العلوم عام 1979. وممن حققت النقلة من الاهتمام بقضايا المرأة إلى الاهتمام بفلسفة العلوم أيضا أيفلين فوكس كيلر (1936-         ) التي انتقلت من النظر في مسألة ذكورية العلم (مسألة النوع في العلم) إلى النظر في فلسفة البيولوجيا بعامة، طارحة قضايا أسرار الحياة وأسرار الموت (1992) واستعارات بيولوجيا القرن العشرين (1995) …


نحو التنوع

لطالما كانت الفلسفة عبر تاريخها متنوعة، بل الفلسفة التنوع، حتى لا نكاد نجد ناظما ينتظم أمر مدارسها المتنوعة، لا من حيث المباحث، ولا من حيث المواضيع. يكفي أن ننظر إلى الأرض التي شهدت ميلاد الفلسفة بمعناها المعروف المتداول، وهي أرض اليونان، فأنت واجد أن تأصيل مباحث الفلسفة في المباحث الأساسية الثلاثة: علم الوجود، وعلم المعرفة، وعلم القيم بتفاريعه الثلاثة من علم منطق وعلم جمال وعلم أخلاق (وسياسة) إنما جاء متأخرا . ذلك أنه كان بَدَأَ التفكير الفلسفي عفويا، وذلك بحيث ما انتظم قط في مباحثه التي صارت متداولة معروفة إلا بعد أن كان قد مضى على ظهور الفلسفة أمد. أما الفلاسفة الأوائل، فقد كانوا يتسمون إما “حكماء” أو “طبيعيين” ـ وكلا الإسمين اسم مجمل لا يفيد تخصصهما في مباحث معينة على نحو ما صرنا نسمعه اليوم عن “فلاسفة القيم” أو “الفلاسفة الإبستولوجيين” أو “الفلاسفة الأنطلوجيين” أو “فلاسفة الأخلاق” أو “فلاسفة المنطق” أو “فلاسفة الجمال” “أو فلاسفة الاجتماع” أو “فلاسفة الدين” أو غيرهم … وإنما كنت تجد الواحد من قدماء الفلاسفة يكتب في الطبيعة وفي المبادئ وفي الفضيلة وفي العشق وفي الجمال وفي الزهد وفي الحياة المدنية وفي غيرها من المواضيع هاجسه السؤال العقلي الشكي النقدي وليس المبحث. ثم إن مباحث الفلسفة إذ كانت تنحصر في كل زمن من أزمنتها في عدد معين، فإن الزمن اللاحق سرعان ما كان يضيق به الطوق عن حصرية هذه المباحث، فيضيف إليها مباحث جديدة. وهكذا، ما فتئت تتسع مباحث الفلسفة اتساعا مطردا: من مبحثين أوليين (مبحث الطبيعة ومبحث الأخلاق) إلى عشرات المباحث، وذلك حتى صرنا اليوم نتحدث عن مباحث جديدة حديثة طارئة شأن “الأنطلوجيا الاجتماعية” و”الفلسفة البيئية” و”فلسفة التكنولوجيا” و”فلسفة التواصل” و”الفلسفات الأخلاقية” و”الجماليات”، وحيث لوحظ أيضا أنه صار لمبحث “الأخلاقيات” نفوذ شديد، فلم نعد نتحدث عن “مبحث الأخلاق” وإنما عن “مبحث الأخلاقيات”، وقد صار لكل مجال من مجالات النشاط البشري “أخلاقياته”، حتى أضحينا نتحدث عن “أخلاقيات الأعمال” و”أخلاقيات الإيمان” و”أخلاقيات الدين” و”أخلاقيات التفاوض” … وكان من نتائج ذلك أن القارئ غير المتخصص، إذ يريد الإستئناس بالفلسفة وبقضاياها التي عليها مدارها اليوم، وأن تحدث بينه وبينها ألفة لا نفرة، يجد نفسه أشبه ما يكون بالمقبل على اجتياز مفازة أو الولوج إلى متاهة. ويمكن أن نستدل على هذا التنوع بمجال الفلسفة الأخلاقية.

أولا؛ طويل هو تاريخ الفلسفة الأخلاقية يمتد على مدى ما يناهز 25 قرنا من الزمن. وهي تعالج جملة المسائل الدائرة على “الخير” وعلى “الفعل البشري” وعلى “ضوابط الحياة المشتركة” بين الكائنات البشرية. وما كانت الفلسفة الأخلاقية أبدا موضع نقاش ثر غني مثلما صارته اليوم، إذ كان القدماء يعدون الأخلاق مضمار “الأوامر والنواهي”، واليوم ـ وكما لاحظ ذلك بحق أحد أكبر فلاسفة الأخلاق في زماننا الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامس (1929-2003) ـ صير إلى التشكيك في هذه الأوامر والنواهي، واستبدت نزعة ريبية بمجمل النظريات الأخلاقية؛ ومن ثمة صرنا إلى ما سماه فيلسوفنا هذا توسيما للفلسفة الأخلاقية المعاصرة: “البعد التراجيدي” للنظر الأخلاقي في الفلسفة المعاصرة.

وفضلا عن هذا، فإنه بالبدل من تأسيس نظريات أخلاقية “عليا”، صار معاصرونا ينزعون نحو القول بنظريات أخلاقية “دنيا”. وذلك مثلا على شاكلة الفيلسوف الأخلاقي الفرنسي المعاصر روين أوجيين Ruwen Ogien الذي يسعى إلى تأسيس ما يسميه “أخلاقيات دنيا” تقوم على الحيادية اتجاه التصورات الجوهرية عن “الخير”، وعلى المبدأ السلبي (تفادي التسبب للغير بالإضرار ما أمكن)، وعلى المبدأ الإيجابي (الذي يدعونا إلى أن نعطي نفس القيمة إلى مصالح كل فرد فرد). فهذه المبادئ الثلاثة تشكل المعايير الأخلاقية التي من شأنها، عنده، أن توجه الحكم والفعل الأخلاقيين، لكن بدلالة مخالفة تماما لدلالة تصور جوهراني عن “الخير”؛ أي بدلالة أكثر تواضعا.

على أن ثمة سمة أخرى غير هذه “الريبية” التي استبدت بالنظر الأخلاقي المعاصر، وهي سمة “التعددية” ـ ولا غرابة في التعالق بين السمتين لنهلهما معا من النزعة النسبية. بحيث أمست “التعددية” سمة النظر الأخلاقي في العديد من البلدان التي تزدهر بها  الأخلاقيات: ثمة من الفلاسفة من يولي الأولوية للأمر العادل (أو للمعايير)، وثمة من يسندها للخير (أو للقيم)، ومن الفلاسفة من يلح على عدم التحيز، ومنهم من يصر على فضائل الوفاء، ومنهم من يسعى إلى تأسيس نظريات أخلاقية نسقية، ومنهم من يرى في هذه البناءات إفسادا للنظر الأخلاقي الحر: ثمة إذن نسبانيون وكونيون وذاتيون وموضوعيون … وللتذكير، فإنه منذ راولز، فإن التفكير الأخلاقي المعياري النسقي؛ أي محاولة إعطاء شكل، قد يقل فيه الإتساق أو يشتد، للمعتقدات الأخلاقية العادية المتعلقة بموضوع معين (العدالة، المساواة، الحرب، الموت، استغلال المصادر الطبيعية …)، صار ثابتا من ثوابت الفلسفة الأخلاقية ذات الهوى “التحليلي”. واليوم، يسعى بعض الفلاسفة إلى استبعاد هذه البناءات بتعلة أنها بناءات غير معقولة ومتهافتة ومتداعية …

وتعددت جهات أنظار الأخلاقيات المعاصرة تعددا. إذ أمست تنبت إلى جانب القضايا الكلاسيكية أعلاق نفيسة من القضايا. وهكذا صرنا، مثلا، نجد إلى جانب أخلاق العقل اهتماما متزايدا بالأهواء والعواطف (أنظر مثلا أعمال الفيلسوفة الأمريكية ناسبوم (1947-         ) وشأن الفيلسوف الفرنسي بيير ليفي (1945-       )  وكتابه عن “العواطف والعقلانية الأخلاقية” (2002)) . وإلى جانب مسألة الأمر العادل وقد فهم على الطريقة الكلاسيكية ألفينا أنفسنا أمام النظر في أمر “سياسات” و”أخلاقيات العناية”.

وقد رافق هذا التعدد تعدد في مباحث الأخلاقيات نفسها، إذ ما عادت على مبحث واحد، وإنما أمست مباحث. منها مثلا “الأنطولجيا الأخلاقية” و”الإبستمولوجيا الأخلاقية” ـ التي صارت تدرس أمورا شأن “الإعتقادات” و”الإدعاءات” الأخلاقية، وشأن “إثبات” و”إبطال” هذه المعتقدات الأخلاقية …  هذا فضلا عن “الميتاـ أخلاق” ـ ونسبتها إلى النظرية الأخلاقية بمثل نسبة “ما وراء الفلسفة” إلى “الفلسفة”.

وكثيرا ما سمعنا أن “الأخلاقيات” هي المبحث الجديد الذي أنقذ الفلسفة من موت وشيك، والحال أن هذا القول وأمثاله لا شك أن فيه قدرا غير يسير من المبالغة، لكنه لا يخلو من انطوائه على قدر من الحقيقة. وبالفعل، فقد شهد الفكر الإثيقي، في العقود الثلاثة الماضية، طفرة نوعية كبيرة.

وبالضد من هذا، عادة ما تردد القول ـ في الآونة الأخيرة ـ بأن الأخلاق هي أحد الموضوعات التي كادت أن تصير نسية منسية، في الفلسفة القارية، منذ زمان. وأن الزمن الذي كان يعتبر فيه الفيلسوف الفرنسي لوفيناس: “إن الأخلاق هي الفلسفة الأولى”؛ بما يعني ـ من ضمن ما يعنيه ـ أن الفلسفة إما أن تكون فلسفة في الأخلاق أو لا تكون بالمرة، أو على الأقل أن لا فلسفة يمكنها أن تستغني عن الأخلاق [بمعنى الإتيقا]، قد ولى ومضى. والحال أن في هذا القول أيضا قدر من المبالغة، لكن فيه أيضا نسبة من الصحة. ذلك أنه ما فتئ الفرنسيون أنفسهم يشتكون من بعض ضمور أصاب الفكر الأخلاقي عندهم لعقود، فصاروا يقبلون أيما إقبال على ترجمة الفكر الأخلاقي الأنكلوسكسوني ـ بحيث لم تتم ترجمة أحد أهم مصدرين في الفكر الأخلاقي الحديث “طرائق الأخلاق” (1876) للفيلسوف الإنجليزي سيدغويك (1838-1900) و”مبادئ الأخلاق” (1903) لمواطنه جورج إدوارد مور (1873-1958) إلى الفرنسية إلا في عام 1998.

والحال أن سوق الأخلاق في العالم الأنجلوسكسوني نافقة، حد أن أحد رواده الكبار ـ الفيلسوف الأمريكي المعاصر شارل لارمور Charles Larmore (1950) ـ كتب ملاحظا يقول: “من المعلوم أن في زماننا هذا شهدت الفلسفة الأخلاقية ازدهارا كبيرا بالبلدان الناطقة باللسان الإنجليزي أكثر من غيرها من البلدان”، ثم ما فتئ أن عقب على ملاحظته بإبداء التساؤل: “فهلَّا استحالت بهذا الأخلاق مبحثا أنجلوسكسونيا بامتياز؟” وبعد هذا وذاك، لربما ما كان فات أصحاب هذا الإدعاء، أن النظر الأخلاقي ما عاد هو هو، وأنه طرأت على الاعتبار الأخلاقي تبدلات وتحولات، فصرنا ـ من الفينومينولوجيا حتى نظرية الفعل التواصلي ـ  عوض النظر الكلاسيكي في الأخلاق، أمام نظر جديد بموضوعات جديدة.

وإذا ما نحن تصفحنا الكتب الفلسفية التي تخرج في الأخلاقيات اليوم لوجدنا ما يلي:

الملاحظ، أولا، أنه أمسى لا يكاد يخلو مجال من مجالات الفعل البشري إلا وصارت له “أخلاقياته” تختص به. وهكذا انبلجت مباحث جديدة/قديمة فصارت الكتب تصدر بالعشرات في “أخلاقيات الدين” و”أخلاقيات الإيمان” وغيرها من “الأخلاقيات” المستحدثة تعد بالعشرات.

والملاحظ، ثانيا، أن ثمة موضوعات جديدة ـ قديمة جدد فيها القول الأخلاقي نفسه: موضوع “الذاكرة” وموضوع “العفو والمغفرة” وموضوع “النسيان” وموضوع “الشهادة” كما هو باد، مثلا، في التوجه الذي سار عليه في أواخر مسارهما  كل من الفيلسوفين القاريين بول ريكور (1913-2005) وجاك دريدا (1930-2004) … وهكذا، على سبيل المثال، صارت تحضر عند بول ريكور أكثر فأكثر مواضيع أخلاقيات تتعلق بما يمكن أن نسميه “أخلاقيات التذكر”: الذاكرة والنسيان والغفران والشهادة والمخيلة والثقة. كما صارت تحضر عند دريدا مواضيع: الضيافة والعدالة والمسؤولية والغفران … أضيفت إليها مواضيع أخرى شأن الأخلاق والسياسة وحقوق المرأة والكذب والذاكرة المضطهدة والدَّين التاريخي والنزعة النكارية والبيوإتيقا والتعدد الثقافي … بحيث صارت الكتب التي تخرج إلى الناس في الفلسفة العملية والأخلاقية حافلة بمثل هذه الموضوعات وجنيستها، بل صار لكل موضوع من هذه الموضوعات على حدة مؤلفات تختص به.

الملاحظ، ثالثا، شيوع ضرب مما يمكن أن ندعوه “الحكمة الأخلاقية” وانتشار التأليف فيه والإقبال عليه، وذلك أمر باد في إحياء تراث المصنفات الأخلاقية ـ الرواقية والأبيقورية بالخصوص ـ نظير مواضيع “السعادة” و”الصحة” و”العزلة” و”السلامة” وغيرها من الموضوعات العملية الدائرة على حسن إيالة المرء نفسه وحسن انهمامه بذاته وبغيره. وهكذا غزت الرسائل والبسائط والوجائز في الحكمة الخلقية واجهات المكتبات الغربية، وصار، على سبيل المثال، أشهر فلاسفة فرنسا اليوم من يؤلف في مثل هذه المواضيع على الطريقة الرواقية أو الأبيقورية، شأن أندري كونت سبونفيل (الموجز في كبرى الفضائل (1995)، وطعم العيش (2010)” …)  ولوك فيري (التفلسف في الثامنة عشر من العمر (1999) وما الحياة الناجحة (2002) والتغلب على المخاوف: الفلسفة بوسمها محبة الحكمة (2006) وثورة الحب (2012)) وغيرهما من الذين انتذبوا أنفسهم واسطة بين كبار الفلاسفة وجمهور تواق إلى قراءة الأعمال الفلسفية، وسائر ممن يرومون، بحسب عبارة جيل دولوز الشهيرة، أن يسوقوا الفلسفة في التلفزة.

الملاحظ، رابعا، أن تقدم العديد من العلوم والتكنولوجيات صار يطرح العديد من المشاكل الأخلاقية. وهكذا، فإن الطفرة التي شهدتها علوم الإحياء صارت تطرح مشاكل أخلاقية على الإنسان شأن القتل الرحيم والإجهاض والإنتحار وغيرها من الموضوعات ذات الصلة. كما أن التهديد الذي أمسى يخيم على البيئة الحديثة صار بدوره يطرح مشاكل ذات طبيعة أخلاقية؛ وقس على ذلك الحروب المعاصرة وما صارت تطرحه من مشاكل متعلقة بأخلاقيات العدالة وبمسألة الحرب العادلة وبأخلاقيات العلاقات الدولية …

وأخيرا، إذا ما نحن قصرنا كلامنا على ما صار يعرف اليوم تحت مسمى “الأخلاقيات التطبيقية”، ألفينا أن المواضيع التي صار يتم تناولها اليوم هي: الإجهاض، والتمييز الإيجابي (بين القائلين به والرافضين له)، ومسألة الحيوانات (حقوق الحيوان والاستعمال الطبي لها)، وعقوبة الإعدام (بين المدافعين عنها والمنادين بإلغائها)، والاستنساخ، والقتل الرحيم، والهجرة، والإباحية، والخصوصية والمجتمع المدني، والقيم في الطبيعة، والمجاعة في العالم[16]

[1] John Passmore «Contemporary Concepts of Philosophy » , In Guttorm Fløistad (Editor), Philosophical problems today, Volume 2: Language, Meaning, Interpretation, Kluwer Academic Publishers,  2004, p. 18.

[2] See, for example, ed John Raichman and Cornel West, Post-Analytic Philosophy, Columbia University Press, 1985.

[3] See, for example, Postanalytic and metacontinental: crossing philosophical divides, Jack Reynolds, Ed Mares, James, (Continuum Studies in Philosophy), 2010.

[4] Prado, C. G. (ed.), A House Divided: Comparing Analytic and Continental Philosophy, Humanity ooks, 2003.

[5] John Passmore «Contemporary Concepts of Philosophy » , p. 18.

[6] Michael Dummet, Origins of Analytical Philosophy, Harvard University Press, Cambridge, Massachussetts, 1993, p. 193.

[7] Continental Philosophy in Feminist Perspective: Re-Reading the Canon in German, Cornelia Klinger (Author, Editor), Herta Nagl-Docekal (Editor) ;2000

[8] Discovering Feminist Philosophy: Knowledge Ethics Politics [Hardcover] ,Robin May Schott (Author)

[9] Feminist Reflections on the History of Philosophy, Series: The New Synthese Historical Library, Vol. 55,Alanen, Lilli; Witt, Charlotte (Eds.)

[10] Andrea Nye, Feminism and Modern Philosophy (Understanding Feminist Philosophy)

[11] Nancy Tuana, Rosemarie Tong, Feminism and Philosophy : Essential Readings in Theory….1995.

[12] Catherine Villanueva Gardner, The A to Z of Feminist Philosophy, 2009.

[13] Catherine Villanueva Gardner, Historical Dictionary of Feminist Philosophy, 2006.

[14] Janet Kourany, Philosophy in a feminist voice, 1998.

[15] Eva Feder Kittay, Linda Martin Alcoff, The Blackwell Guide to Feminist philosophy, 2006.

[16] Contemporary debates in applied ethics / edited by Andrew I. Cohen and Christopher Heath Wellman. First published 2005 by Blackwell Publishing Ltd