Ali

علي سليمان الرَّواحي

 

رُبَّما السؤال الذي لا يقلُّ أهمية عن تعريف الفلسفة والحديث عن تاريخ فلسفي واضح ومحدَّد هو مَدَى الحاجة لها، وهل هناك إمكانية للاستزراع الفلسفي على غِرار استزراع الكثير من المحاصيل الزراعية والمفاهيم الفكرية؟

تغدُو الحاجة للفلسفة غير واضحة المعالم في هذه الظروف التاريخية، وربما يعودُ السبب من جملة أسبابٍ كثيرة هو عدم وجودها وتجذرها في الثقافة العربية الإسلامية، بل جاءت كفعل نابت، وهامشي، وغير مرغوب فيه في كثير من الأحيان؛ الأمر الذي جعلها لا تجد جمهوراً كبيراً من القراء والمتلقين.

غَيْر أنَّ الاستزراع الفلسفي يعني في هذا السياق إدخالَ هذا الفن القولي والتفكري ضمن نطاق الحياة والمعرفة الضروريتين للإنسان، بالرغم من وجود منافسين كُثر، بل وفي ازديادٍ مُستمر، وهو ما يجعلنا نتحدَّث عن التقنية باعتبارها المنافس الأكبر للفلسفة من جهة، وإحدى الطرق الممكنة للترويج لها من الجهة الأخرى؛ حيث نجد أنَّها أصبحت أساسية في حياة الإنسان، ولا يمكنه الاستغناء عنها في الحياة الطبيعية وبعيداً عن الظروف الاستثنائية. وهو ما ينطبقُ إلى حدٍّ كبير على الكثير من المعارف؛ ومن ضمنها: الفلسفة والتحليل النفسي…وغيرها الكثير من العلوم والمعارف، التي أصبحنا ننظر إليها على أنها ثانوية، ولا تمثل أهمية تذكر، في حين أنها لو سمحت الظروف التاريخية بتدريسها، واعتبارها موازية في أهميتها للعلوم الدينية والفقهية في السياق العربي-الإسلامي، لكان الوضع الفلسفي -وبالتالي الوضع المعرفي والمعيشي بشكلٍ عام- مغايراً لحدٍّ كبير عن الوضع الحالي. يختلفُ بذلك مفهوم الاستزراع عن مفهوم الاستيراد؛ ذلك أنَّ المفهوم الأخير يشير إلى جلب مفهوم، أو محصول زراعي، أو آلة صناعية، من سياق معين لسياقٍ آخر دون خلق بيئة تناسبه، تلك التي تجعله من الممكن أن ينمو وينشأ وينغرس فيها ليُصبح بعد ذلك جزءاً من البيئة الجديدة؛ الأمر الذي يعني تأقلمه مع المعطيات البيئية الجديدة، وتفاعله معها.

ومن الممكن أن نجدَ الكثير من الأمثلة العينية التي تدل على الاستزراع في السياقات الإنسانية والمحلية على حدٍّ سواء؛ ذلك أنَّ الحضارات والثقافات الإنسانية بشكلٍ عام، ليست نقية، أو منغلقة على ذاتها، بل تقوم في جزءٍ كبير منها على التفاعل مع الآخرين، هذا التفاعل الذي لا يقتصر على مجالٍ مُعيَّن دون بقية المجالات، بل يمتد ليشمل كلَّ شيء، دونما استثناء. وفي الكثير من الحالات، تصبح المواضيع المستزرعة لا واعية؛ أي أنها من فرط تجذُّرها في البيئة الجديدة، وتأقلمها مع المعطيات المختلفة، لم تعد تثير الكثير من الاستغراب والتساؤلات، بل أصبح يُنظر لها على أنها ابنة السياق ونتيجة من نتائجه.

يُثير الاستزراع الفلسفي الكثيرَ من التساؤلات حول مواضيع هذا الاستزراع، ومفاهيمه واتجاهاته، غير أنَّ هذه التساؤلات ما تلبث أن تتضاءل إذا أخذنا في الحسبان أنَّ المواضيع الفلسفية هي مواضيع إنسانية في المقام الأول، ووجودية في المقام الثاني؛الأمر الذي يعني أنَّها من الممكن اعتبارها عابرة للثقافات ومُخترقة للحضارات، باختلافها وتعددها؛ فالإنسان لم يتوقَّف منذ قديم الزمان عن بَثِّ تساؤلاته الوجودية، بطرق مختلفة، وأساليب متنوعة، لا حصر لها، وهو في ذلك قد قام باختراع الكثير من السرديَّات المختلفة التي تمنحه بعض الإجابات، التي ربما لم تكن ذات طابع فلسفي، بل تعدَّدت هذه الصيغ واختلفت بشكلٍ طبيعي؛ مما جعلنا أمام إجابات مختلفة، غير أنَّه -ومع مرور الوقت، وبفضل التقدم العلمي المتزايد في جميع المجالات، وبفضل التساؤلات ذات الطابع الفلسفي- أصبح العلم يقود قاطرة التقدم العام.

… يمنحُنا الاستزراع بهذا المعنى مساحة كافية، وضرورية؛ للمقارنة بين التخصصات العلمية (الفيزياء كمثال)، والتقنية (علوم الحساب الآلي كمثال) المستحدثة لدينا في الجامعات العمومية والخاصة على حدٍّ سواء، وإمكانية استزراعها في هذه البيئة الجديدة، دون استعمالها وتوظيفها المستمر في الكثير من المجالات الحياتية؛ فهي بلا شك سوف تخفت وتتلاشى أهميتها ليتساوى لاحقاً وجودها مع عدمه.

وختاماً.. إننا في حاجة ماسة وعاجلة لإعادة النظر في التخصصات العلمية والتقنية المتوفرة لدينا من جهة، وفي تلك التخصُّصات التي تم تهميشها ونبذها من الخارطة المعرفية والثقافية لدينا.

2,836 total views, 2 views today