IMG_1003

أمامة مصطفى اللواتيَّة

بدتْ السينما الأمريكية في السنوات الأخيرة شديدة الشَّغف بطرق إنتاج العنف وتبريره في عدد من الأفلام التي تنتجها؛ وذلك على حِسَاب قوة الفكرة والمضمون.. فالشخصيات العنيفة ذات الرغبة التدميرية تظهر في نهاية المطاف كشخصيات استثنائية تستحقُّ الاحترام، لتَمكّنها من البقاء على قيد الحياة حتى النهاية، وتغلبها على الشخصيات الأخرى المشابهة لها أو المعاكسة لها على حدٍّ سواء. ملامح هذا العنف تتمثَّل في عدم الشفقة بالأعداء، وقتلهم بأبشع الطرق الممكنة، وعدم الاكتراث بالأبرياء الذين يعترضون مهمات هذه الشخصية الجاسوسية والمخابراتية الخارقة، بل ويمكن من أجل إتمام هذه المهمة -التي تصرُّ القصة على إظهار أهميتها لصالح للبشرية- مقارعة الشر بعنف مبالغ قد يتسبَّب في مقتل المئات من أجل الحفاظ على حياة شخص واحد في أغلب الأحيان.

فما إنْ يضغط البطل الزناد حتى يتحوَّل الجميع إلى جثث هامدة، ويبدو أن أفلام هوليوود تتَّجه نحو تحويل ألعاب الفيديو الخيالية -بما تحويه من مواجهات عنيفة وخالية- من المشاعر والأحاسيس البشرية إلى واقع السينما التقليدية. ويُظهر هذا القتل العجيب مدى الاستخفاف بالحياة وبالكرامة الإنسانية؛ فرغم إدراكنا أن هذه المشاهد نتاج تكنولوجيا وأستديوهات عالية التأهيل، إلا أنها ترسخ فكرة النظر إلى من حولك كأعداء يجب التخلص منهم، ولا تقترح طريقة أخرى للحفاظ على حياة الآخرين عند أقل مُواجهه وصراع إلا بالقتل. هـذه السينما تقول لك ببساطة إنَّ الإنسان لا قيمة لحياته، بل هو مجرد كومبارس لا أهمية له في مسرح الوجود، ولكنه يؤدي فقط دور الجندي الذي يتساقط مع عشرات -بل ومئات- الجنود الآخرين، ويقتلون من أجل أفراد أكثر قوة ًوذكاءً وأهميةً. نعم هو تأسيسٌ لفكرة أن لحياة بعض البشر أهمية أكبر من حياة البعض الآخر، وأنه يحقُّ لمن يملك عناصر القوة أن يحدد هذا القطاع المهم من البشر.

وقريب الصلة بمحاولات تكثيف العنف في السينما الأمريكية، ارتباطها بنظرية الغرس الثقافي، وهي إحدى النظريات الإعلامية الشائعة عن تأثير التلفاز بالذات في التنشئة الاجتماعية. وقد نشأت هذه النظرية أساساً لـ «دراسة تأثير التليفزيون التراكمي والشامل بشأن الطريقة التي نرى بها العالم الذي نعيش فيه»؛ فالتعرض المكثف أو المتكرر لمشاهد ووقائع محددة، يؤثر بلا شك على ثقافتنا ورؤيتنا للواقع، بل وتحديد أنماط حياتنا أيضا. ومن اللافت حقا أنَّ ثلاثة من أشهر الأفلام وأعلاها من حيث الإيرادات في العام 2013 هي: (Iron Man3)، و(Man of steel)، و(Fast&Furious6)، وهي أفلامٌ مليئة بمشاهد العنف والدمار رغم أنها مُوجَّهة لفئة PG-13، أي أنها مصنفة لتكون مناسبة لمن هم 13 سنة بوجود إرشاد عائلي، ولا مبرر لوجودها أساسا لجميع الفئات، فضلاً عن استهدافها لهذه الفئات العمرية بالذات. وفي دراسة مقلقة نشر عنها موقع رويترز عام 2013 تبيَّن أنَّ كمية مشاهد العنف المسلح في الأفلام المصنفة PG-13 زادت بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقدين الماضيين. وهذه نتائج مخيفة بالفعل إذا ما علمنا أن هذه النوعية من الأفلام تتوجه إلى أعمار فتية تتميز بخصائص سلوكية معينة.

وبدلاً من أن يعمل الإنسان على تأكيد مبدأ الحفاظ على النفس البشرية وتقدير قيمتها وكرامتها؛ كونها أساس المدنية والحياة والتعايش بسلام واطمئنان عبر أشكال الإبداع الشفهي والمرئي والفنون الجميلة، نجده يخترع مَعَاني قاتلة للإبداع بتحويل الإنسان إلى آلةٍ مُدرَّبة للقتل فقط، ويتم تصوير مهنة القاتل المحترف كمهنة محترمة لها قواعدها وأصولها. ويُمكن ملاحظة ذلك بوضوح في أحد الأفلام الأمريكية الحديثة (Agent 47: Hitman)، والذي لقي أيضا انتقادات سلبية من قبل النقاد، ولا مُبالغة إذا قلنا إنه من أسوأ أفلام العام المنصرم من حيث هشاشة الحبكة القصصية واستخفافه بالقيم الإنسانية، ولا يفوقه في ذلك إلا فيلمٌ آخر أنتج أيضا خلال العام الماضي بعنوان (Kingsmen)، وقد تطرقتُ في مقالٍ سابق إلى كيف أنَّ هذا الفيلم يُمثل مرحلة مُتقدمة في فنِّ الموت؛ حيث يصور القتل والموت كلوحةٍ فنية بالغة الإبداع، بل وكارتونية ومضحكة في أحيان أخرى. فكل مهام الإنقاذ النبيلة -سواء كانت لرئيس دولة، أو حبيبة، أو شخصية علمية مهمة- لابد أنْ تعبر دروب الموت والقتل والدمار والتضحية بالمئات.

وقد سبق للسينما الأمريكية وأنْ قدَّمتْ شخصية القاتل المحبوب الذي أثار إعجابا طاغيا لا يزال مستمرا حتى اليوم، تمثلت في الأداء الاستثنائي للمثل أنتوني هوبكنز في شخصية هانيبال، الطبيب النفسي الذي أصبح قاتلا وآكلا للحوم البشر. ونشاهد كيف أنَّ هذه الشخصية الخيالية تتمتع بذوق فني وموسيقي عالٍ، يجعل البطل يتفنن في أكل ضحاياه وهم على قيد الحياة على أنغام موسيقى راقية، ولكنه يُشعرك أيضا بالاشمئزاز والرعب وأنت تشاهد هذا القاتل المهووس، وهو يُقدِّم لنفسه وجبة شهية من رأس أحد ضحاياه، إلا أن الجديد في فيلم (Kingsmen) هو أنه يحبب إليك فكرة الموت في أغلب مشاهده، ويجعلك تراه كفكرةٍ إبداعية جديرة بالتطوير الفني والجمالي، خاصة في المشاهد التي يقوم فيها بطل الفيلم بقصف رؤوس نخبة القوم بكل بساطةٍ وأدنى قدرٍ ممكن من المقاومة، وفي مشهد بالغ السوريالية؛ حيث لم تظهر فيه قطرة دم واحدة. وقد تمَّ تصوير منظر قصف الرؤوس وكأنها ألعاب نارية مبهجة بألوانها وتشكيلاتها الفنية ترافقها خلفية موسيقية مشوقة للغاية. ومع هذا المشهد الحداثي، يسبقك مشهدٌ دموي آخر حين يحدث قتال عنيف بين مجموعة من المصلين في أحد الكنائس، وهو مشهدٌ فوضوي مُتقن قد يؤدي بالمُشاهد إلى التقيؤ، حين يقوم كل شخص بقتل الآخر بعنف ووحشية لا مُبرِّر لها، وكأنَّ الفنان الإيطالي مايكل أنجلو يقوم بإعادة رسم جداريته المشهورة عن مشاهد الجحيم التي اعتمد في رسمها على الكوميديا الإلهية لدانتي، ولكن هذه المرة بجحيم أرضي تجري وقائعه في كنيسة قروية هادئة، وبأكثر الوسائل البدائية وكأنها مسرحية استعراضية عن فن الاحتضار.

وعِوَضاً عن استحداث أفكار جديدة غير دموية لمواجهة العدو، والتأكيد على أنَّ للحياة الإنسانية قيمة عالية لا يُمكن إهدارها، يتم تأصيل فكرة العنف كخيار أمثل وتحييد المشاعر الإنسانية تجاه قتل النفس الأخرى، والسينما الأمريكية هنا غاية في الذكاء في تمرير رسائل معينة، فقد انتهجت سابقا أسلوبا مشابها حين نجحت في تحييد عواطف وأفكار جمهور واسع تجاه قضايا محددة كقضية المثليين الجنسيين وتقديم اللصوص وقطَّاع الطرق والقراصنة كشخصيات بطولية تتميز بالقوة والذكاء وتستحق التقدير والإعجاب.

2,150 total views, 2 views today