د. حيدر أحمد اللواتي 

لَيْس الهدف من هذا المقال المرور على تاريخ العلوم الطبيعية بصورة مُفصَّلة، وإنما الوقوف على بعض المحطَّات المهمة؛ بهدف مُناقشتها، واستلهام بعض الدروس المهمة منها، ولعلَّ أول هذه المحطات التي يجدُر الوقوفُ عندها هي بدايات العلوم الطبيعية لدى اليونانيين؛ إذ إنَّ عددا من المفكرين والمهتمين يُرجعون الفضل إلى الحضارة اليونانية في محاولة تفسير الظواهر الطبيعية، وإرجاع أسبابها إلى العوامل الطبيعية، وهذا ما يُمكن للباحث في مجال تاريخ العلوم الطبيعية أن يُلاحظه بصورةٍ واضحةٍ وجليةٍ، بينما لا نجد هذا النوع من التوجه سائدًا في الحضارات التي سبقتْ الحضارة اليونانية؛ حيث إنَّ تلك الحضارات كانتْ تستخدم العلم بصورةٍ أساسيةٍ كوسيلةٍ لتطوير وسائل العيش، وكانت عادةً ما تفسر الظواهر الطبيعية وترجع أسبابها إلى أسباب ميتافيزيقية، أو إلى أساطير توارثتها، ولم تكن تحاول معرفة الأسباب الطبيعية للظاهرة.

ويبدو أنَّ لجوءَ الإنسان إلى الغيب والخرافة عند جهله بأمرٍ ما عادة قديمة ما زالت تسري في عقولنا وللأسف الشديد؛ فنُلاحظ أنَّ عددا من العلماء الموحدين الذين يؤمنون بوجود إله مدبِّر للكون يستغلون الظواهر العلمية، والتي لا يزال العلم لم يصل إلى تفسير علمي واضح لها، ويستخدمونها كأدلة تشير إلى وجود إله مُوجِد كتفسير للظاهرة العلمية، ونحن لا ننفي القدرة الإلهية التي تدبِّر الكون كله، ولكن هذا لا يعني عدم وجود تفسير علمي وأسباب طبيعية للظاهرة العلمية، بل لابد من وجودها، وعلينا السعي للكشف عن هذه الأسباب الطبيعية، إننا نرى أنَّ استخدام “الجهل” وعدم المعرفة دليلًا على وجود المدبِّر الحكيم، أمرٌ فيه مغالطة، وضرره بليغ؛ لأنَّ العلم في حالة تطور مستمر، وسيصل عاجلا أم آجلا إلى الأسباب الطبيعية لأغلب الظواهر.. إننا نعتقد أن علينا أن نستخدم العلم كوسيلة لإثبات القدرة الإلهية اللامتناهية؛ فالعلم -وليس الجهل- يدعو للإيمان. لذا؛ فإنَّ علينا بذل الجهد والسعي للكشف عن القوانين والسنن الإلهية التي تحكم هذا الكون البديع؛ إذ إنَّ الكشف عن القوانين العلمية يدل على وجود حكيم قدير وراء هذه الظواهر تماما، كما أنَّ دقة الساعة الأوتاماتيكية تدل على صانع ماهر.

لقد استطاعَ اليونانيون التصدي لهذه التفسيرات الغيبية، والأساطير الموروثة، بشكل رائع، نقلت البشرية إلى عهد جديد، وفتحت لها آفاقا رحبة، وينسب إلى العالم اليوناني طاليس عادة السبق والفضل في محاولة اللجوء للأسباب الطبيعية لتفسير الظواهر الكونية المختلفة؛ حيث أرجع أصل جميع المواد الطبيعية لمادة واحدة وهي الماء، والسبب الذي دفع طاليس إلى البحث عن إجابة لهكذا سؤال؛ هو سبب فلسفي بحت؛ فلقد أراد الإجابة عن سؤال شغل بال الفلاسفة وهو: ما السبب وراء هذه الكثرة التي نلاحظها في هذا الكون؟!

وجاء بعده آخرون؛ فمنهم من أرجع أصل المادة إلى الهواء، وآخر إلى النار، وثالث لمواد أربع؛ هي: الماء والهواء والنار والتراب، وجاء بعدهم ديمقريطس وقال بأن المادة تتكون من ذرات.

وقد سِيْقت أدلة مختلفة لإثبات المدعى؛ فمثلا يُقال إنَّ طاليس الذي ادّعى أن أصل المواد من الماء بنى اعتقاده على ما لاحظه من خواص للماء؛ فليس للماء لون ولا شكل، وهو في تغير وحركة دائمين، وجريانه يتم وفق نسق معين في دورة ثابتة لا يطالها التغيير (٢)، وقيل إن السبب هو اعتقاد طاليس بأنَّ التغذية لكل الكائنات الحية تعود للرطوبة، والتي يعد الماء مصدرا لها (3).

أمَّا ديمقريطس، فقد قيل إنه استخدم دليلا من نوع آخر؛ حيث قال عندما ننظر للشاطئ الرملي من بعيد، فإننا نراه قطعة سجاد صفراء اللون، وعندما نقترب منه كثيرا سنجد أنه يتكون من حبيبات صغيرة؛ فكذلك المواد الموجودة في الطبيعة تتكون من ذرات غير قابلة للقِسمة.

والملاحَظ في أقوال هؤلاء أنهم اتجهوا في إثبات مقولاتهم للتأملات والاستحسانات العقلية، وأحيانا إلى بعض الشواهد من الحياة اليومية، ولم يهتموا كثيرا بالتجربة العملية، وهذا يوحي للباحث بأنَّ منهجية البحث التي اعتمدها هؤلاء لم تكن واضحة ومحددة، وكانت هذه أحد الأخطاء البارزة التي وقعوا بها؛ فوضوح المنهج وملاءمته لموضوع البحث أمر في غاية الأهمية.

وهذا النوع من الأخطاء ما زلنا نُعَاني منه؛ فالنجاح الكبير الذي حققه المنهج التجريبي جعل البعض ينادي بأن كل دراسة لا تعتمد على المنهج التجريبي، هي دراسة لا تعتمد على منهج علمي، ولم يقيم المنهج المتبع بناء على موضوع الدراسة وطبيعتها؛ فنجد أنَّ الكثيرَ من علماء الطبيعة يطرحون أسئلة ميتافيزيقية، ويلجأون الى المنهج التجريبي للإجابة عن هذه الأسئلة، وهو خطأ منهجي كبير؛ لأن المواضيع الغيبية لها منهج دراسي معين؛ فطبيعة الموضوع لا تخضع للمنهج التجريبي، ولعل كتاب “التصميم العظيم” من أبرز الكتب التي طرحت أسئلة عن الغيب، ثم استخدمت المنهج التجريبي لنفي وجودها؛ وبالتالي فإنَّ النتائج التي توصل إليها الكاتب يُشكل عليها من أساسها بغض النظر عن تفاصيل الدراسة ودقة البحث العلمي لخطأ المنهجية المستخدمة في الاجابة عن الأسئلة أصلا.

… إنَّ لجوء فلاسفة وعلماء اليونان إلى الأسباب والعوامل الطبيعية لتفسير ظواهر الطبيعة يعدُّ الإنجاز الأهم والأبرز لهذه الحضارة، إلا أن اعتمادَ علماء اليونان على التفكير العقلي والتأملات والاستحسانات وابتعادهم عن المنهج التجريبي، جعلت الحضارة اليونانية العالم دون أن يتغيِّر كثـيـرا عمـَّا كـان عـلـيـه فـي الحـضـارات الـسـابـقـة مـن حـيـث الإنجـازات التقنية، على الرغم من حجم الإنجازات الضخمة على مستوى الفكر البشري؛ فقد هزُّوا عقل الإنسان هزًّا عنيفًا، وأيقظوا فيه التطلع لمعرفة القوانين والأسس النظرية التي بُني عليها هذا الكون، لكنهم لم ينجحوا في الجمع بين النظرية والتطبيق “فكان لهم بذلك علم قادر على تغيير عقل الإنسان، دون أن يكون قادرا على تغيير العالم” (4).

——————————-

(1) برونوفيسكي.ج: “ارتقاء الإنسان”، سلسلة عالم المعرفة ٣٩.

(2) غصيب، هشام: “المغزى الحضاري التاريخي للعلم”، ١٩٨٦.

(3) ستيس ولتر: “تاريخ الحضارة اليونانية”، ١٩٨٤.

(4) زكريا فؤاد: “التفكير العلمي”، سلسلة عالم المعرفة ٣.

691 total views, 2 views today