Khalid Said

د. خالد سعيد

((جميل أن نحاول معرفة الآخر، لكن الأجمل أن نعرف كيف يدركنا الآخر!))

مَا أحْوَج العالميْن العربي الإسلامي، إلى استقراء كتب دراسات أبحاث تستخلص نتائج نظيرتها المُترجَمة عن اللغة العبرية، تُناقش رؤية الآخر.. كيف يُفكر؟ كيف يدرك الشعوب العربية الإسلامية؟ لعل هناك أنجع من رؤية إسرائيل للثورة المصرية: تداعياتها على الداخل الإسرائيلي، على الوضعين: الإقليمي والدولي.

وقد صَدَر كتابٌ تحت عنان «إسرائيل الثورة الشعبية المصرية.. تحدٍّ وجودي جديد»، للدكتور أحمد عبداللطيف حمَّاد أستاذ اللغة العبرية بكلية الآداب-جامعة عين شمس المصرية، الذي يُناقش الدراسات والتقارير المنشورة باللغة العبرية، التي رصدتْ ردود الأفعال الإسرائيلية على الثورة المصرية، بكل مُعطياتها وتداعياتها، ليس على الصعيد الداخلي فحسب، بل على كافة الأصعدة: الإقليمية الدولية.

استهلَّ الدكتور حمَّاد فصل الكتاب الأربعة بالكلمات التالية: «جميل أنْ نحاول معرفة الآخر، لكنَّ الأجمل أن نعرف كيف يدركنا الآخر! فمن بين الأسلحة -غير التقليدية- لمواجهة إسرائيل، سلاح الغوص في أعماق الآخر، وسبر أغواره، والوقوف على طريقة تفكيره، وتوقع ردود أفعاله إزاء مواقف معينة، لا يتأتى هذا إلا من خلال الوقوف الكامل على عقلية هذا الآخر».

ثمة تناغم في عنواني الكتاب؛ فالعنوان الرئيسي «إسرائيل والثورة الشعبية المصرية»، يتكامل مع العنوان الفرعي «تحدٍّ وجودي جديد»، على اعتبار أنَّ الثورة المصرية تمثِّل هذا التحدي الجديد! وقد كتب حمَّاد مُعلقاً على عشرات الدراسات والأبحاث الصادرة عن كبرى مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ومؤكداً على أن الثورة المصرية، بالفعل، تمثل تحديًا وجوديا جديدا على إسرائيل!

اتَّبع المؤلِّف في كتابه المهم -الذي جاء في 302 صفحة من القطع المتوسط- منهج «تحليل المضمون»؛ لأنَّه أنسب المناهج للتعامل مع التحليلات الصحفية والإخبارية، والذي يهدفُ إلى التعرُّف على الاتجاهات والآراء؛ فقد قارن الدكتور حمَّاد بين وسائل الإعلام الإسرائيلية -المتباينة المشارب والاتجاهات- خلال تحليلاته للدراسات والأبحاث، بحُكم اطلاعه على كافة الرؤى الإعلامية المختلفة.

ناقش حمَّاد -في مقدمة كتابه- مصطلح «الربيع العربي»، والذي جاء في إطار السياسة التضليلية للعالميْن: العربي والإسلامي؛ إذ فيها تشبيه بالثورات الأوروبية المعاصرة (أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن التاسع عشر)، التي منيت أغلبها بالفشل، وكأنَّه يرى الغربَ وهو يُريد إفشال مخططات الثورات العرب، وإجهاض أحلامهم في التغيير والإصلاح، ونشر الحرية والديمقراطية، والقضاء على الفساد؛ لذلك تناول المؤلف في كتابه: كيف فشلت الثورات الأوروبية؟ حيث طرح سؤالاً مهمًّا في هذا الإطار، يتعلق بمدى تخطيط الغرب لهذه الثورات وتداعياتها، التي تسير على نهج الثورات الأوروبية الفاشلة، في أغلبها!

وامتدت مقدِّمة المؤلف إلى ما يزيد على 56 صفحة كاملة، وهي مُقدِّمة طويلة جدًّا، قياساً بعدد صفحات بعض فصول الكتاب نفسه، لكنها من جهة أخرى مهمة؛ لأنها تضمَّنت الكثيرَ من المضامين والمفاهيم الضرورية لمعرفة كيف يفكر الآخر (الإسرائيلي)؟ وكيف يدركنا من جهة أخرى؟ كما أنَّ حمَّاد قد تطرق في مقدمته تلك إلى التأكيد على أنَّ السياسة الأمريكية هي سياسة نفعية ذاتية، ولا يُرجى منها أي خير للأنظمة العربية والإسلامية الجديدة! فيما طرح المؤلف في هذه المقدمة العديد من الأسئلة البحثية المهمة، في محاولة جادة للإجابة عنها، وقد كان.

وفي الفصل الأول -الذي جاء تحت عنوان «الثورة الشعبية المصرية والثورة الرقمية»- ناقش حمَّاد كيفية ربط الكثير من المحللين بين الثورات العربية والتطورات العلمية الحديثة؛ المتمثلة في: ثورة المعلومات والثورة الرقمية، وما أحدثته من أثر في سرعة انتشار التعليمات والتوجيهات التي يُرسلها الثوار لبعضهم، عبر هذه القنوات؛ حيث استفاض في الحديث عن الثورة الرقمية، مُعتبراً أنَّ شبكة المعلومات الدولية لعبت في مصر دور «منتدى جماهيري»؛ فقد كانت بمثابة سلاح الإشارة لتلك الثورات!

استهلَّ الكاتبُ هذا الفصل بالتعريف بحزمة من المفاهيم والمصطلحات، ووجوب التصدي لسياسة ومنهج إسرائيل في «تضليل المفاهيم»؛ بدعوى أنها مفاهيم ومصطلحات مملاة من الغرب، على العالميْن: العربي والإسلامي، وتتبعها وسائل الإعلام العربية والإسلامية، دون علم ودراية، وتنجرفُ وراءها، بشكل غير مسبوق!

واتبع حمَّاد في الفصل الثاني «الرصد الإسرائيلي للثورة المصرية» أسلوبَ الرصد اليومي ليوميات الثورة، مع تحليل مُقدِّمات الثورة ومسبباتها، لكنَّ الأجمل في هذا الفصل كان الربط بين حالات التمرد التي وقعت للمصريين في القرن التاسع عشر، بحالة الشاب السكندري خالد سعيد، الذي اعتُبر رمزاً للثورة المصرية، وأيقونتها؛ من حيث كيفية تعامل النظام القضائي مع كل حالة على حدة، وكذلك الضمير الإنساني؛ سواء في حالات القرن التاسع عشر، أو الأيام التي سبقت ثورة يناير!

واستعرض المؤلف في هذا الفصل كيف تحوَّلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى التحدِّي الأكبر لإسرائيل، ومدى الاستعدادات الإسرائيلية لمواجهة تيار الإسلام السياسي في مصر، وصعود هذه التيارات على حساب التيارات الليبرالية والعلمانية، وتطرَّق إلى الثورة المضادة، واختطاف الثورة المصرية، ومدى رؤية وسائل الإعلام الإسرائيلية لنظام مبارك، أثناء الشهور التي تلت الثورة!

وعرض حمَّاد الكثير من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول الثورة المصرية، حينما أجمعوا على أنَّ مصر كانت الحليف الإستراتيجي لبلادهم طيلة أيام مبارك، وأنَّ القاهرة لم تفكر -قط- في تهديد تل أبيب، حتى عندما اجتاحت الأخيرة لبنان مرتين، واندلاع انتفاضتين فلسطينيتين، وحرب أخيرة على قطاع غزة، لم يفكر فيها مبارك تهديد إسرائيل، وإنما اكتفى بإلقاء اللوم والتنديد فحسب.

«الاهتمام الإسرائيلي بالثورة المصرية وتداعياتها».. هو عُنوان الفصل الثالث للكتاب، الذي تضمَّن محوراً مهمًّا خاصًّا بمدى فشل المخابرات الإسرائيلية في توقع الثورات العربية، خاصة المصرية، وغلب على تحليلات هذا المحور إلقاء اللوم على سُدَّة الحكم في تل أبيب، من عدم الاهتمام بتقارير وصلت إليهم في عامي 2003 و2004، وتحديداً بعد الحرب الأمريكية على العراق، والتي توقعت توسيع الهوَّة بين الغرب والعالميْن: العربي والإسلامي، وأنها بمثابة بداية لزلزال كبير سيجتاح الشرق الأوسط.

وناقش المؤلف في الفصل الثالث مَدَى تخوُّف إسرائيل من الديمقراطية المصرية، التي أفرزتْ حركات وتيارات الإسلام السياسي، وصعود جماعة الإخوان المسلمين، مُسترشداً بمجموعة من الدراسات والأبحاث الإسرائيلية، التي تستشعر مدى خطورة الجماعة على تل أبيب.

وطرح الكاتب في الفصل الرابع والأخير -والذي جاء تحت عنوان «مستقبل المنطقة بعد الثورات العربية»- تأثير سقوط نظاميْ مصر وتونس على العالم العربي والداخل الإسرائيلي، ومدى تداعيات الثورة المصرية على القضية الفلسطينية، فضلاً عن مدى تأثر الإسرائيليين بالثورة المصرية، من كيفية انتقال عدوى الثورة إلى الداخل الإسرائيلي، وتظاهُر الإسرائيليين ضد ارتفاع الأسعار، والمطالبة بالإصلاحات الاقتصادية، وتحسين الأحوال الاجتماعية.

وأنهى المؤلف كتابه بخاتمة لما توصَّل إليه من نتائج مهمة، والتي تخطت الـ45 نتيجة، وهي نتائج جيدة في مُجملها، وعميقة في معانيها ومغزاها، وتكفي قراءتها وحدها معرفة مضامين الكتاب المهمة؛ فهي مُختصرة ومُوجزة، ومكتوبة بلغة سهلة وبسيطة، وهي لغة الكتاب ككل؛ حيث أسلوب حمَّاد بالبساطة في نقل المعلومة، والسهولة في توصيلها للقارئ العادي.

لكنْ علينا أن نتوقَّف عند بعض نتائج وتوصيات ما خرج به الكتاب، خاصة نتيجة من الأهمية بمكان ذكرها وهي المذكورة في صفحة 295 من الكتاب رقم (44)، والتي قال فيها حمَّاد: «بدلاً من البكاء على الثروة الإستراتيجية (مبارك)، التي تُوضع محلَّ استفهام، يُفضل أن يعمل الزعماء الإسرائيليون على مواءمة سياساتهم مع الشرق الأوسط الجديد، ليس شرق أوسط جورج بوش، وإنما شرق أوسط ميدان التحرير».

كان من المهم في هذا الكتاب تخصيص فصول كاملة للحديث عن صعود الإسلام السياسي في مصر، وكذا فصل آخر للحديث عن التأثير العسكري والاقتصادي للثورة المصرية على إسرائيل، ناهيك عن فصل ثالث لمبارك! هذا رغم تضمين ذلك كله داخل الكتاب، ولكنها مُوزَّعة بشكل أضاع عليها تسليط الأضواء، بشكل واضح ومباشر!

… إنَّ تعليق وتحليل الدكتور حمَّاد اختلط -في بعض الأحيان- بترجمته لكثير من الأبحاث والدراسات الإسرائيلية، وكان من الضروري على المؤلف أن يضع فروقاً واضحاً بينهما في الكتابة، ببنط أكبر أو أصغر لأحدهما على حساب الآخر! بَيْد أن حرفية وانسيابية كلمات المؤلف، وحُسن ترجمته، قد أذابت هذه الفروق في كثير من الأحيان، كما أنَّ ثمة كلمات ذكرت مرة واحدة ولم تتكرر؛ مثل: مصطلح «الطاغية»، الذي ذُكر في مستهل الكتاب، ولم يُذكر مرة أخرى؛ تعليقاً على شخص مبارك، وكذا مصطلح «الكيان الصهيوني».

بَيْد أنَّه من الضروري الاعتراف بأهمية ما خرج به حمَّاد في كتابه من توصيات ونتائج، يجب أن تُنقل إلى صُناع القرار في مصر؛ نظراً لأهميتها القصوى؛ فالكتاب -بوجه عام- يُعدُّ من أهم الكتب الصادرة للعام 2012، ناهيك عن اتباع الدكتور حمَّاد لأسلوب السهل الممتنع في كتابته، بتحليلاته الجيدة، ولغته الرصينة، وأسلوبه المشوق. لذا؛ فمن الصعب على المتابعين والمحللين والخبراء في الشؤون الإسرائيلية إصدار كتاب آخر يناقش الثورة المصرية برؤية وتحليل إسرائيليين؛ فالدكتور أحمد حمَّاد لم يترك شاردة ولا واردة إلا وكتبها، أو حللها في كتابه، أو على الأقل ألقى عليها الضوء، ولو من بعيد! ومن ثمَّ، فإنَّ الكتاب يلزم كل قارئ ومتابع للصراع العربي-الإسرائيلي.

2,149 total views, 8 views today