رَغْم أنَّ الهجرةَ عن القراءة غَدَت من مَعَالم إنْ لمْ نقُل من ركائزالعصر العربي في أرْدَى أزمنته، إلا أنَّ كَوْكَبة من الأقلام أصرَّت على أنْ تَمْخَر عُباب هذا البحر المسجور، وإذا بمجموعة من إصدارات قيِّمة ومُتنوعة تُفاجئ المثقَّف العُماني في غير أوان القطف، تُزِيد ألقَ الحراك المعرفي، وتُؤجِّج أواره، بأسماء جديدة، كان لابد من وقفة لنا مع تلك الأقلام نسألها أولا عن مضمون سَكْب مَحَابرها ماذا كان، وما الذي حَدَا بها إلى ذلك في زمن الجدب المعرفي ثانيا؟! وثالثا: نتأمل في وجهات النظر حول هذا ضعف الإقبال العام على القراءة، وإلى ماذا تعزوه تلك الأقلام المثابرة؟.. وأخيرا عن الرؤى التي دفعتْ بهؤلاء الكتاب إلى اختيار دور النشر التي صدرت عنها أعمالهم.

—————————————————-

 استطلاع: شرق غرب – خاص

—————————————————-

book-cover

مصطفى مختار علي اللواتي

ماجستير في العلاقات الدولية، ورئيس مجلس إدارة شركة “كابلات عُمان” لمدة 23 عاما، وله ديوان يصدر قريبا في الشعر الفصيح.

هل بالإمكان تسليط الضوء على إصداركم ومضمونه ورسالته؟

– الكتابُ هو رحلة مع الزمن الماضي والمعاصر، وأقصد بالزمن زمني أنا الذي عِشْته، فهو بعضٌ من رحلتي طيَّ الحياة منذ بداية تشكل ذاكرتي وحتى كتابة مخطوطه؛ فتراه يبدأ من ولاية مطرح وسور اللواتيَّة، وينتهي إليها بعد سبعين عامًا من التنقل والرحيل والسفر والغياب، إلى أنْ يرسُو هُناك بجوار المسجد الكبير -مسجد الرسول الأعظم (ص)- ولقد حرصتُ وأنا أدوِّن تلك الرحلة أنْ لا تكون شخصية، أو مذكراتٍ، رغم أنَّ هذا مُكوِّن رئيس للكتاب، ولكن حاولتُ قدرَ المستطاع الاتجاه نحو المحيط العام الذي عشتُ فيه، وانعكاسه على مسيرتي في الحياة.

تكبَّدتم مشقة التأليف في زمن لم يعُد الإقبال فيه على القراءة كثيراً، ما الذي دفعكم إلى ذلك؟

– إذا كُنت تقصد أنَّ الفضائيات ووسائل الاتصال “الميديا” قد نالت من الكتاب المطبوع ومعدلات القراءة، فأنا هنا أتفق معك نسبيًّا، ولكن يبقى الكتاب المطبوع واحداً من أهم وأخطر الصناعات التاريخية؛ ففي الكتابة توثيق لمئات التفاصيل، واستنباط للعبر، وفي الكتابة التقليدية (الكلاسيكية) تدفقٌ مُختلف عن التدوين الإلكتروني المختصر؛ فالكتابة تعني التدقيق والرجوع للمصادر، وهو جهد مؤلم وكبير لا استغناء عنه؛ لذا فما اجتُهِد عليه يبقى، هذا عن الكتابة كفكرة، أما طباعتها في كتابٍ له غلاف فهذا أمر حيوي لارتباطه بالتأريخ؛ بمعنى أنَّ الكتاب -لو فرضنا- لم يُصادفه الحظ للانتشار، وبقي بالمكتبة مهجوراً، فلا بأس عليه؛ لأن عُمره فيه لمئات السنين، فمن المؤكد أن باحثا في زمن قادم سيعثُر عليه ليعرف منه أحوال البلاد والعباد، وليست قصة كتاب السيدة سالمة بنت سعيد البوسعيدية عنك ببعيد، هكذا احتفينا بالمخطوطات القديمة، ولو فكر كُتابها في وقتها بعدم جدواها ما تناقلنا كل تلك المعارف وذلك التاريخ.

بنظركم، إلى ماذا يعزو ضعف الإقبال على الكتابة، وكيف بالإمكان جبره؟

أنتَ قرَّرت أنَّ هناك ضعفًا على الإقبال، وتبني أسئلتك على ذلك، وعليه أقول بأنَّ اتفاقي مع فكرة الضعف اتفاق نسبي لا يُمكن تعميمه؛ فمازالت القراءة هي حصن من يُريد تأسيس نفسه فكريًّا، وإلا بماذا تفسر آلاف الكتب التي تصدُر يوميًّا على مستوى العالم، وكذلك دوران كل تلك المطابع سواء لإنتاج صحف أو مجلات أو كتب؟ لربما تقصد بفكرتك الانتشار الجزئي للمطالعة السريعة على شبكة المعارف الإلكترونية “الإنترنت”، وهنا أقول لك إنَّ ذلك الانتشار حاله حال مطاعم الوجبات السريعة؛ فرغم كثرتها إلا أنها لا تُغني أبدا عن مطبخ البيت العائلي بأصوله وفنونه ودوره الاجتماعي والتربوي. وأما جبره، ففي رأيي أنَّ حله ثُنائي الجذر؛ وهما: البيت والمدرسة؛ فلو أدى كل منهما دوره تجاه الطفل في باكورة عمره لأثمر لنا ذلك جيلا من المفكرين والأدباء.

وما الذي حدا بكم لاختيار الدار التي طبعت كتابكم فيها دون غيره؟

– مُؤسسة “الرُّؤيا” يقودها رجل مُثقف، له تاريخ معروف في الإبداع السينمائي والصحفي والبحثي والعمل الاجتماعي، وأقصد هنا المكرَّم حاتم الطائي؛ لذلك لم أتجه نحو أي مطبعةٍ تجارية أخرى لإنجاز الكتاب؛ لأنني اخترت من يتوافق مع ما أصبو إليه من رصانة وعُمق.

—————————————————-

Saud Zadjali

الدكتور سعود الزدجالي

“دراسات تداولية في أصول الفقه”

يتضمَّن الكتاب دراسات تداولية في أصول الفقه؛ بدأت بمقدِّمة حول المنهج والمدونة، ومشكلة الدراسة وأبعادها ومحدداتها، وتمهيد حول الحقول الثلاثة: التداوليات (Pragmatics)، وعلم أصول الفقه، وباب العموم والخصوص في أصول الفقه وأهميته؛ لأنه يُشكِّل المدونة أو عينة الفحص والتحليل.

أمَّا الدراسات الأساسية الخمس في الكتاب، فإنها تبدأ بالمظاهر التداولية في أصول الفقه لباب العموم والخصوص؛ لمحاولة اكتشاف منطق العلاقات بين “كلام النفس” و”الخطاب” و”الإرادة” و”المتلقي”، والطبيعة المعرفية لها في المدونات الأصولية، وكانت الدراسة الثانية تتناول بشيء من التركيز أهم القضايا التداولية عندهم؛ مثل: ظاهرة “المخاطب في حيز النداء”، و”التراكيب المستعملة في مقام التلفظ”، وأخذت الدراسة الثالثة مسألةَ “القصد” من الذات المتكلِّمة الغائبة إلى “الخطاب وفعل التأويل”، وكيفية التحول في العمليات الأصولية عند العلماء المسلمين من “العنصر الغائب” إلى العنصر “التجريبي الحاضر” والعكس، وميَّزت الدراسةُ بين مُصطلحين؛ هما: “القصد” و”المقاصد”، مُوظِّفة بعض المعطيات المنهجية عند الفيلسوف بول ريكور في كتابه “الذات عينها كآخر”؛ بينما توجَّهت الدراسة الرابعة لتوظيف نظرية المناسبة (Relevance Theory) في دراسة الجهد والنتيجة في التأويل الأصولي؛ استثمارا للتقاليد العلمية عند كلٍّ من الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جيري فودور، وفيلسوف اللغة بول جرايس ونظريته، وما قدمه دان سبربر، وديردر ولسون. والدراسة الأخيرة انصبَّت حول العلاقة بين العموم والخصوص، والتكليف؛ متمثلا بنظرية أفعال الكلام عند أوستين وسيرل.

ويُعدُّ هذا الإصدار من الدراسات اللسانية الحديثة، في درس الخطاب الأصولي عند المسلمين، وهو في أصله جزءٌ من أطروحة دكتوراه بجامعة السلطان قابوس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وأتوقَّع أنْ يصدُر الجزء الأكبر في السيميائيات (semiotics) نهاية العام الجاري؛ ليكون في معرض مسقط الدولي للكتاب 2017، إنْ سنحت الظروف، وقد استغرقتْ هذه الدراسات مدة تزيد على أربع سنوات.

كان ضعفُ الإقبال مُتوقَّعا؛ كونها دراسات علمية لسانية وفلسفية ذات طبيعة تخصُّصية مُعقَّدة؛ بَيْد أنَّ الضعف عام في الإقبال على القراءة لعوامل كثيرة؛ فالضعف سمة غالبة في البيئات العربية.

تزيدُ المشكلة حِدَّة في هذا النوع من الإصدارات ذات الصبغة الأكاديمية، حيث يؤدي إلى تحمُّل الباحثين العبء الأكبر في نشر إصداراتهم؛ كما أنَّ الدعمَ الحكوميَّ في السلطنة لمثل هذه الدراسات ضعيف؛ حيث يتركَّز دائمًا كما هو ملاحظ على صنف مُحدَّد من المؤلفات أو الأعمال الأدبية.

اخترتُ دار “الفارابي” في بيروت لعِدَّة أسباب؛ من بينها: أنَّ هذا الإصدار هو الثالث لي في هذه الدار؛ ولأنها مرموقة ولها سمعتها في صناعة الكتاب نشرا وتوزيعا وإخراجا؛ بَيْد أنني أرجو أن تكون للجهات الرسمية المختصة دَوْر في نشر الكتب العلمية العُمانية ودعم كتابها؛ ليكون الكتاب بين أيدي المهتمين وبأسعار مناسبة؛ تنشيطا للحركة النقدية والثقافية لأهميتها في البلاد.

—————————————————-

img-20160901-wa0000

علي الدوحاني

“تعويذة حياة”

إصداري هو عبارة عن خُلاصة ما مررت به من تجارب في هذه الحياة، والذي يحمل عنوان “تعويذة حياة”، وقد يتساءل القارئ من الوهلة الأولى عن ماهية التعويذة وما هو تعريفها المناسب، ولكنني لم أقُم بتعريفها لعدم رغبتي في حكر القارئ في قوقعة صغيرة تكون من صُنع أفكاري أنا، بل على العكس تماماً، هذه التعويذة أوجدتُّها لتُوجِد الرغبة دون الاكتراث لِما تكون ولِتُوقِد شُعلة الأمل دُون الاهتمام لِما يُجسِّده فعلا على أرض الواقع، ولكي تُحدِث ردة فعل وتُساعد على الحراك دون أن أكترث حقاً لما سيكون عليه ذلك الحراك؛ لأنني أثق في أنَّ مُصطلح “تعويذة” سيبعث فيك كقارئ شعوراً يدفعك لإحداث تغيير يُرضيك. وفي مُجمل القول، أستطيع أن أقول: إنَّ التعويذة هي الوصفة والفلسفة التي يوجدها الإنسان بنفسه ولنفسه؛ من أجل أن يُجابه بها هذه الحياة بناءً على تجاربه وعقليته وقناعاته فيها ونظرته لها.

إنَّ الكتابات في هذا الإصدار لم تأخُذ شكلاً واحداً، بل جاءت بأشكالٍ مُتعددة، فهناك النثر والشعر والإسهاب والإيجاز والوضوح والغموض، وهذا يُعتبر جزءًا من التعويذة التي لم تأتِ إلا لمُواكبة تعدُّد الحالات التي تمرُّ بها الذات البشرية، واللغة هُنا هي المِعول الذي تُحرث به الأرض الصالحة للصمود. وإنَّني أسْعَى عبر هذا الكتاب إلى إيصال رسالة مفادها أنَّ هذه الحياة بحاجة إلى تعويذة، وكل شخص فيها عليه أن يَسْعَى لإيجادها بنفسه ولنفسه، وكما كانتْ لي العديد من التجارب والأشخاص والأشياء المُلهمة التي أدَّى جميعها إلى مُساعدتي لإيجاد هذه التعويذة، أسعى أنا وأتمنى أن تكون هذه التعويذة مُلهِمَة بما فيه الكفاية ليجد الآخرون عن طريقها تعاويذهم.

أنا على يقينٍ تام بأنَّه من السَّهل أن تكتب، ولكن من الصُّعوبة بمكان أن تُصبح كاتباً، ولكنني رغم ذلك تولَّدتْ بداخلي رغبة التأليف عن طريق شغفي وولعي بالكتابة التي لا أعتبرها مجرد هواية أراودها عن نفسي في الفراغ، بل هي نمط حياة وفلسفة فكرية وأسلوب أعيشُ به، وأرى الأشياء من خلاله، وقد تطرَّقتُ إلى ذكر هذه الأشياء في كتابي هذا، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّني عن طريق هذا الكتاب أسعى لإيصال رسالة أُخرى لم أتطرق إلى ذكرها؛ مفادها: “أنَّ ممارسة الإنسان لأشياء يُحبها تجعل منه شخصاً مُتصالحاً مع نفسه ومع العالم من حوله، وإنني أسعى لتجسيد ذلك من خلال تأليفي لهذا الكتاب؛ فهو إعلان لصفقة تصالح مع نفسي أولاً رغم كل شيء، ومع هذا الواقع قبل وبعد أي شيء، وما نَشْرُ هذه الصفقة إلا تِبيان لذلك؛ لأنَّه ليس هنالك أجمل من هكذا تصالح. وختاماً: إنَّ جميع ما قُمت بذكره يحتاج إلى توثيق وتخليد، ولا يستطيع شيء أن يقوم بهذا كالكتابةِ والكتاب”.

– بسبب كثرة المُلهيات التي تحُوْل بين الإنسان والكتاب، نتيجة التطوُّر السريع والتغيُّر الرهيب الذي حدث في هذه الحياة وشمل جميع جوانبها؛ الأمر الذي جعل من الإقبال على الكتابة والكتاب شيئاً صعباً للغاية، وإنْ كان هنالك طريقة من شأنها أن تجعل هذا الأمر سهلاً وتتغلب على تلك الصعوبة، فإنني لا أرى سوى أن يُقام بإدخال القراءة والكتابة في المناهج الدراسية في المدارس منذُ مراحلها الأولى؛ حتى يقوم الطلاب باعتناقهما كديانة يُكمِلُون بها بقية حياتهم من تلقاء أنفسهم رغبةً لا إكراها.

دار الورَّاق تُعتبر من دُور النشر الحديثة التي تهدف لمساعدة الشباب ومنحهم الفرصة لطباعة ونشر إبداعاتهم، وجعلها مُتوفِّرة للقارئ مهما اختلف وجوده المكاني؛ من خلال تسهيل وتيسير ذلك، على عكس دُور النشر التي تعاملت معها داخل السلطنة وخارجها، والتي شعرتُ بأنها تسعى لربحها المادي لا لجودة مخرجاتها وما تقوم بطباعته، ولا تقوم بمراعاة الكاتب، ولا تهدف لصناعته على عكس هذه الدار التي تحمل شعاراً جميلاً هو “معاً لنصنع عُمان مُفكرة”. وإضافة إلى ذلك، فإنَّني لمستُ من مديرة الدار زينب الغريبية، ومن طاقم العمل معها، كلَّ الاحترام والحرص على إظهار كتابي بالشكل الذي أُريده ويريدونه، وفق الضوابط التي تمَّ وَضْعها من قبلهم، وهذا ما يتمناه أي كاتب يقوم بشق خطواته الأولى نحو ما يُريد.

رسالتي هنا ستكون عن الحراك الثقافي العام في السلطنة، وللمسؤولين عنه: “نحنُ نفتقر للبيئة الخصبة المُعينة على الإبداع، والمُشجِّعة على ارتشاف المعرفة والبحث عنها وتقصيها، وما ضعف الحراك الثقافي والإقبال على الكتاب إلا بسبب ذلك؛ إذ هنالك العديد من المبدعين في مُختلف المجالات الثقافية، والكثير من الموهوبين الذين هم بحاجة إلى من يُمسك بيدهم ويحتضن إبداعاتهم ويُسهل من عملية تحقيقهم لأهدافهم. وهُنا؛ أتحدث بوجه خاص عن الكُتابِ والكتابة، ووجود جمعية للكتاب والأدباء في عُمان غير كافٍ ليكون بمثابة المحتضن والممثل للكتاب في عُمان، بل إنَّ الأمرَ بحاجة إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فعلى سبيل المثال -وكما ذكرتُ سابقاً- نحنُ بحاجة إلى أن تُدرج القراءة والكتابة في المناهج، أو أن تكون لها جهة مُختصة تُعين وتساعد وتصقل الموهوبين فيها من الألف إلى الياء، إضافة إلى إنشاء معاهد وجماعات مُختصَّة بهذا الشأن تنشط فيها المسابقات ويترأسها الكُتاب الذين وصلوا بعيداً في هذا المجال وخاضوا غمار تجاربه.. وهكذا في سائر المجالات”.

—————————————————-

ck3rmbmwsaamjn2-jpg-large

الكاتبة سلوى سليمان العامري

أشكُر مجلة “شرق غرب” الثقافية على إتاحة فرصة التواصل بين الكُتَّاب والقراء في نقل الفكر، وإظهار فئة الشباب الطامح في مجال الكتابة؛ تحفيزا له على الاستمرار وعدم الركود بمواهبه؛ حيث إنَّ التواصل الإعلامي ينشِّط الهمم بالمبادرة والتجديد في العمل الأدبي…وغيره؛ ليكون دافعاً مُشجِّعاً يُنمِّي لدى المبدعين في مجال الكتابة أن يجدوا لكتاباتهم قُرَّاء ونقادًا يتذوقون الفكر بمعانيه الواسعة وبلغته الضادية المُعْجِزة بسحرها وبلاغتها وجمالها.

لقد كان لي حظٌّ وافرٌ في الانتهاء من كتابة إصداريْن؛ الأول بعنوان: “ثرثراتي مع جهينة”؛ وهو عبارة عن رسائل وخواطر تُحاكي المشاعر والتقلبات التي تطرأ على مجريات الحياة، وتبوح بلغتها عمَّا شعرت به، فتحدَّثت في مضمونه بأريحية الحديث الشفاف الذي من الممكن أنْ يتلقاه القارئ دون غموض؛ لبساطة اللغة والأسلوب كما أظن وأعتقد.

أمَّا الاصدار الثاني، فبعنوان “لن يساعدني إلا أنا”؛ والذي يحوي عبارات كتبتها بمثابة عقاقير يستعيد منها القارئ جلادته لتجديد كرياته الدموية بحماس وقناعة ورضا.

إنَّ حُبِّي للكتابة لا يُعد مشقَّة، بل هو الملاذ الذي ألجأ إليه كي أنعزل بروحانيتي عن العالم، وأخطُّ في تلك اللحظات أصدق ما يمرُّ في أعماق فكري وأحاسيسي، والتي كانت تمرُّ كتجارب لامست من الواقع حظا كبيرا.

وما دَفَعَني للكتابة والنشر أنَّ هُناك فئة من القراء ذوي شغف بالقراءة والبحث عن ضالتهم في المكتبات، وكان لي الأمل في أن تقع كتاباتي بين أيدي هؤلاء الباحثين عن الجديد من الكتب التي هي قُوْتَ عقولهم وغذاء ومتنفس يمدهم بالطاقة.

إنَّ وُجُود قلة من القراء في مُجتمعنا قد يكُوْن سببه الأسرة؛ حيث إنَّ الأبناء ينشأون في أسر لا تهتم بالقراءة، كما أنَّ التلفاز أيضًا لا يُروِّج أو يُعلن عن إصدارات جديدة تُثير فضولَ المُشاهِد في امتلاك الكتب المعلن عنها، إضافة إلى أنَّ المدارس لا تُعلن عن مسابقات للطلاب تُشجِّعهم على القراءة أو التلخيص أو الانتقاد لأي كتب بجوائز تشجيعية مغرية.

إنَّ دارَ “الورَّاق” هو دَعْم حقيقي للكاتب؛ حيث يَسْهُل على الشباب العُمانيين نشر كتاباتهم بطرق مُيسَّرة وسريعة ومُتقنة؛ فقد تأجل حلمي كثيرا في نشر كتاباتي إلى أن أكرمني الله بأن يُعرَض عليَّ النشر في دار “الورَّاق”، والذي كان العصا السحرية التي جعلتْ الحلم حقيقة، وها أنا أنطلق لمزيد من الإصدارات التي آمل أن تصل بمصداقيتها إلى فئة كبيرة من القراء لتلامس بلغتها كل فكر وإحساس.

أتوجَّه بالشكر إلى مجلة “شرق غرب” لاهتمامها بالكُتَّاب، خاصة الناشئين، وإظهارهم للساحة الأدبية ليزهر مُجتمعنا بوجود طبقة عظيمة من المثقفين والكتاب المتعطشين للتألق والإبداع. كما أشكر دار “الورَّاق” لتبنيها أعمالنا الكتابية، وتسهيل النشر، ورقي التعامل الذي يُثلج الصدور شكرا وامتنانا.

—————————————————-

item_xl_10872425_14701822

د. حسن بن أحمد بن جواد اللواتي

أتى كتاب “المصمم الأعظم” كمحاولة جادة لملء فراغ في المكتبة العربية في موضوع مهم جدًّا؛ فمع أنَّ المكتبات العربية والأجنبية لا تنقصها الكتب العلمية المكتوبة لغير المتخصصين، ومع أنَّ هناك وفرة في تغطية ومناقشة مسألة الخلق والتكوين وبداية الكون، إلا أنَّ معظم ما كُتِب في هذا المجال يتناول البحثَ من زاوية واحدة فقط، وهي زاوية وجهة نظر العلوم الطبيعية بالمنظور الضيق جدًّا، وبدون الاستعانة بالبحث الفلسفي العقلي في موضوع لا يكفيه أن تبحث فيه من الناحية الطبيعية المادية فقط، ولعلَّ ما زادَ الأزمة أنَّ كاتبا مشهورا مثل البروفيسور ستيفن هوكنج بدأ كتابه الجديد “التصميم العظيم” بعبارة أعلن فيها بصريح العبارة أن “الفلسفة ماتت”، وأنَّ العلوم الطبيعية حلَّت محلَّ الفلسفة لإيجاد الإجابات المطلوبة في هذا المضمار.

وهنا.. رأينا أنَّنا أمام مشكلتين تتطلبان حلًّا أو على الأقل محاولة حل؛ الأولى هي نفس الادعاء بأنَّ “الفلسفة ماتت” وأنها أداة غير مناسبة لإنتاج الإجابات وبالتالي ينبغي التخلي عنها، والمثير للابتسامة هو أنَّ هوكنج بعد إعلانه “موت الفلسفة” انبرى يملأ كتابه بفلسفة خاصة، ويدفع نحو تبنِّي منهج مُحدَّد من التفكير الفلسفي العلموي الرافض لأي بحث عقلي من الدخول إلى حرم العلوم الطبيعية، وحيث إنَّ قناعتنا الراسخة هي أنَّ إنتاج المعرفة لا يتم إلا من خلال تضافر العلوم الطبيعية مع العلوم الفلسفية العقلية، وحيث إنَّنا أيضا شخَّصنا أنَّ ما يُحاول هوكنج إلصاقه بالفلسفة من أساطير القرون السابقة وحكايات الشعوب البدائية، وصبغها بلون غير لائق لها بحيث تبدو الفلسفة كمنهج عشوائي جاهل وغير قادر على إنتاج المعرفة، فإننا وجدنا ضرورة قصوى للتصدِّي لتصحيح ما جعله هوكنج وغيره مُشوَّها، وإعادة الاعتبار لما أهانه هوكنج بوصفه الساذج للفلسفة.

المشكلة الثانية التي تطلَّبتْ الحلَّ هي فقر المكتبة -خصوصا العربية منها- في مجال البحوث التي تدمج بين العلوم الطبيعية والبحوث العقلية، ويكون لها نكهة العلوم مع رائحة الفلسفة، وهو ما بدأنا به في كتابنا “المصمم الأعظم”، ونحاول استكمال المهمة من خلال مقالاتنا المتفرِّقة في مجلة “شرق غرب”، والتي نأمل أن نُوفَّق لاحقا بجمعها وتنظيمها في كتاب آخر في نفس طريق كتاب “المصمم الأعظم”.

لا نملك إحصائيات واضحة في هذا المجال، ولكنَّ انطباعنا العام أنَّ عدد القراء للكتب المعرفية فعلا في تناقص مُستمر، مع منافسة شرسة من وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تستهلك أوقاتا كبيرة من الأفراد، ومنافسة أخرى مع تقنيات الفيديو التي يستسهلها الجيل الجديد في تحصيل العلوم كبديل عن القراءة، ولكن مع كلِّ ذلك يبقى للكتاب أهمية وقدسية البحث العلمي الجاد والتحصيل الأكاديمي والمعرفي؛ فالكتاب ليس فقط للأفراد الذين يعيشون في زمننا الحالي، بل هو هديتنا لمن سيأتي في أزمنة لاحقة؛ فكما أنَّنا استفدنا من جهود من سبقنا، فإننا نتركُ شيئا لمن يلينا. والمكتبة الورقية ستظلُّ -بالرغم من كل شيء- رمزًا ومَعْلَما مهمًّا للمعرفة والعلم، ويجب رفدها في كلِّ حين بما تتطلبه رفوفها. ومن ناحية أخرى، فإنَّنا نُؤمن بأنَّ التحدي كامن بطريقة الكتابة والتأليف؛ حيث يُمكن للكاتب المتمكِّن أن يختطف القرَّاء بالرغم من كلِّ ما يُعيق القراءة وينافسها، وهو أمر إيجابي يدفع بمستوى الكتاب إلى الأعلى، ويزيد من جودته؛ لأنه لا يتمكَّن أي كتاب من البقاء طويلا على الرفوف ما لم يكن فيه ما يجعله قيِّماً وجاذباً بما يكفي لذلك.

أشَرْنَا فيما سَبَق إلى المنافسة الشَّرسة من قبل وسائل التواصل الاجتماعي التي تستنفد الوقت المتوفِّر لدى الفرد، وكذلك للبرمجيات التي توفِّر مقاطعَ الفيديو الوثائقية؛ مثل: “اليوتيوب”، والذي يُفضِّله الجيل الجديد كمصدر للمعرفة لسهولة متابعته وجودة تقديمه للمادة المقدَّمة، إضافة إلى بُرُوز منافس جديد يتمثل بالكتاب الصوتي والكتاب الإلكتروني؛ فالكتاب الصوتي يوفِّر لك إمكانية الاستماع له في أوقات لم تكن لتناسب القراءة في الكتاب الورقي؛ مثل: وقت التنقل من مكان لآخر أو وقت ركوب السيارة، أو في قاعات الانتظار، وبمجهود أقل من مجهود القراءة، كما أنَّ الكتاب الإلكتروني له ميزة إمكانية حمل مكتبة ضخمة في جهاز لوحي صغير أو في الهاتف، وكذلك رخص سعره لمقارنة بالكتاب الورقي، ولكن مع كل هذه الميزات في الوسائل الأخرى لتحصيل المعرفة، فإنَّ الكتاب الورقي له ميزاته الخاصة التي يُفضِّلها نوع آخر من القرَّاء ولا يرغبون باستبداله.

تختلفُ دُوْر النشر من ناحية الخدمات التي تُقدِّمها في: تصميم الكتاب، وتصميم الغلاف، وتكلفة الطباعة، واتساع رقعة النشر بين الجمهور المستهدف…وما إلى ذلك، وقد وقع اختيارنا على الدار من خلال المعطيات التي توفرت لنا في حينه.

– المعرفة ليستْ مُهمِّة فقط للحصول على شهادة وتأمين وظيفة وضمان مستوى مالي مُحدَّد في الحياة، فالمعرفة ليست مجرَّد جسر نعبره لتحقيق مستوى اجتماعي وثقافي معين، بل المعرفة هي حاجة تكاملية لروح الإنسان؛ حيث يرتقي الإنسان مراتب الكمال الوجودي بارتقاء درجات المعرفة والعلم.. فهي تُؤسِّس للإنسان رؤيته الكونية: من أراد التكامل والرقي فلا بديل له عن المعرفة. وفي خضم زحام الحياة، ليس كثيرا أن نُخصِّص بعضَ وقتنا للقراءة والمعرفة، وكلمتي للجميع هي: “اقرأ ولو صفحة”.

—————————————————-

yhye0fov

فاطمة بنت إحسان بن صادق اللواتية

“سكة مطر”

“سكة مطر”.. مجموعة نصوص شعرية، تدور حول موضوعات إنسانية كالاغتراب والحنين، وتحوم في فضاء التأملات الحائرة بين رِقَّة الجمال ودهشة الألم. أما رسالة هذا العمل الأدبي، فتتمثل في وصول التجربة الإنسانية -التي تُترجمها- إلى قارئ يتقاطع معها بتجربته أو بشعوره، وإلى قارئ آخر يكتشف في ظلها تجربة مغايرة تحفِّز ذائقته على الإبحار في مساحات لم يعهدها.

أعتقد أنَّ حاجةَ الإنسان للقراءة والاطلاع هي حاجة وجودية مُتأصلة، وإنَّ طَمْسَها لدى البعض ما هو سوى انغماس في قشور الحياة ومجاراة الإيقاع السريع لأحداثها اليومية ومطالبها التي لا تكف عن التزايد، وليس على ذلك دليل أصدق من استمرار الإنسان في البحث حول علاقته بالعالم والأشياء عبر الفلسفة والعلم والفن منذ فجر الحضارات وحتى اليوم؛ فوجود القراءة نتيجة حتمية لوجود الأسئلة الكبرى والصغيرة على حدٍّ سواء، ووجود من يطرحها في كتاباته إمعاناً في الاستفهام أو سعياً للإجابة.

وبالنسبة لي، كانتْ الكتابة سابقةً على النية في النشر؛ إذ لطالما كنت في تلك المسافة بين الحياتيْن الواقعية والمتخيلة، أردم الهُوَّة بينهما بالكتابة، كما لو كُنت أجعل من تجربتي الضئيلة نصف إجابة عن سؤال كبير. أما عند التفكير بالنشر، فقد كُنت أتصوَّر قارئاً يُشبهني، يبحث عن تأويلٍ حميمٍ لحياةٍ لا تتكشف أسرارها إلا على صفحات الكتب.

أرى أنَّ ضعف إقبال البعض على القراءة مردُّه إلى وجود مصادر أخرى للاطلاع وقضاء الوقت؛ كشبكات التواصل الاجتماعي مثلاً، هذه الشبكات التي تتفنَّن في ابتكار وسائط وحيل جذابة تغري مستخدميها في قضاء وقتٍ أطول في استخدامها، وتوفِّر مساحةً ضخمة لتداول المعلومات والآراء تجعل البعض يزهد في قضاء وقتٍ طويل في قراءة كتابٍ كاملٍ في موضوع مُحدَّد، في حين ينشغل آخرون عن القراءة لمجرد أنَّها ليست من أولوياتهم، ولا يملكون شغفاً يجعلها تتخلل جدول أعمالهم اليومية، وهي مسألة يُمكن حلها بإيجاد الكتاب الملائم؛ ففي أغلب البشر -إنْ لم يكن كلهم- بذور صغيرة لقُرَّاء حقيقيين، لا يُمكن لها أنْ تنمو إلا بالعثور على ميدان فضولهم وشغفهم والقراءة فيه.

لقد أوكلتْ موضوع اختيار دار النشر للمنتدى الأدبي؛ فهو الأكثر خبرة في هذا المجال.

أتمنَّى أن يتجاوز المشهد الثقافي اليوم مسألة في غاية الأهمية؛ وهي: بقعة الضوء المسلطة على شخص الكاتب لا على كتابته.. فما أراه هو أنَّ تفاوتَ فرص الكاتب في الوصول لقرَّائه تتعلَّق بمهاراته الاجتماعية أكثر من ارتباطها بجودة كتابته، وهو ما ينجُم عنه تكريس أسماء معينة وتغييب أخرى رغم جدارتها بالظهور والبقاء. على سبيل المثال: إصدارات الكُتَّاب الشباب أحوج إلى النقد من إصدارات أخرى تَحْظَى بوابل من المقالات المطولة والمستعرضة لأسباب لا علاقة لها بجودة العمل أو أهميته. وعلى صعيد آخر، آمل أنْ يُعيد الكاتبُ العُمانيُّ النظرَ في علاقته بالإرث الشفهي وبملامح البيئة الطبيعية، وأنْ يتجاوز هاجسَ توثيقها أو توظيفها في كتاباته بطريقة أو بأخرى لمجرد التوثيق وإثبات الهوية؛ فتلك مسؤولية المؤسسات المعنية بتوثيق التراث وليست مسؤوليته، كما آمل أنْ نشهدَ تنوُّعاً أكبر في التجارب الفكرية والأدبية لنشهد حراكاً ثقافيًّا يُعوَّل عليه.

—————————————————-

ahmed-badi

الدكتور أحمد البادي

“التربية العلمية وتدريس العلوم”

كتاب “التربية العلمية وتدريس العلوم (النظرية والتطبيق)”، هو كتاب يَسْعَى في رسالته لتطوير المنظومة التعليمية والتربوية وأدواتها المختلفة؛ بما يتلاءم من الأساليب الحديثة للتعليم والمستحدثات العالمية، كما يَسْعَى الكتاب في رسالته إلى فتح آفاق واسعة للمهتمين بتطوير التعليم بشكل عام، ومناهج العلوم بشكل خاص، في كيفية تطوير مناهج العلوم الحديثة في ضوء التربية العلمية؛ فيسعَى المؤلف في فصول الكتاب الخمسة والتطبيقات العملية المصاحبة، إلى تحقيق رسالة علمية أساسية؛ وهي: بيان الخطوات العلمية اللازمة لتحقيق نقلة نوعية في مستوى تطوير مناهج العلوم الحديثة وأساليب تدريسها في ضوء أهداف التربية العلمية؛ فالكتاب في رسالته يَسْعَى لتحقيق فلسفة تربوية حديثة في تطوير مناهج العلوم؛ من خلال تأصيل مفهوم التربية العلمية لدى المتعلمين، والتركيز على الأبعاد المختلفة للتربية العلمية، وكيف تتفاعل وتتكامل مع بعضها البعض؛ وصولاً لمفهوم الثقافة العلمية.

ويركِّز الكتاب في مضمونه على تطوير مناهج العلوم وأساليب تدريسيها في ضوء التربية العلمية؛ من خلال تطوير أهداف هذه المناهج، وتطوير مستوى المحتوى المعرفي والمفاهيمي والقضايا العلمية لهذه المناهج، وتطوير الإستراتيجيات التدريسية والمهارات العلمية ومهارات الاستقصاء التفكير العلمي بهذه المناهج، وتطوير التقنيات والوسائل التعليمية بهذه المناهج بما يتناسب مع أهداف التربية العلمية. وأخيراً: تطوير أساليب التقويم بهذه المناهج لتواكب الأساليب العالمية الحديثة؛ لتقييم مستويات الطلاب وقدراتهم. كما ركَّز الكتاب على بعض التطبيقات العلمية كنماذج لتطوير مناهج العلوم وطرق تدريسها، وركَّز كذلك على بيان ضرورة تحقيق المناهج في المفاهيم التي تُعالجها للتكامل بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع والبيئة؛ لما له من أثر إيجابي على رفع مستوى الثقافة العلمية للمتعلمين من خلال تقديم تصور وبرنامج مقترح نموذج لكيفيفة تطوير المناهج العلمية في ضوء التربية العلمية.

كما ركَّز الكتاب في مضمونه أيضا على أهمية تطوير مناهج العلوم وأساليب تدريسها؛ بما يتناسب ورؤية وفلسفة التربية العلمية الحديثة وأبعادها المختلفة؛ بحيث يشمل هذا التطوير جميعَ عناصر المنهج، مع التركيز على الانتقال الحقيقي من التعليم النظري إلى التطبيقات العملية التي تربط تطبيقات العلم بحياة المتعلمين، وتشكل جزءًا أساسيًّا من ثقافتهم العلمية. كما ركَّز على القضايا العلمية العالمية التي يجب دراستها ومعالجتها من خلال مناهج العلوم، إضافة إلى تنمية وعي المتعلمين بمختلف هذه القضايا وتوفير الرعاية العلمية اللازمة.

وذكر المؤلف في الكتاب آراءً عديدة لكثير من المؤلفين والباحثين حول أساليب تحقيق التربية العلمية وتدريس العلوم؛ لبيان المفاهيم وفقاً لرؤى ومدارس علمية مختلفة.. وأخيراً: هذا الكتاب بما قدمه من رؤية حول التربية العلمية وتدريس العلوم والثقافة العلمية سيُضيف للمؤسسات التعليمية والتربويين مرجعاً يُيسِّر لهم فَهْم الأطر العامة للتربية العلمية، وأهميتها في تطوير مناهج العلوم.. ونسأل الله أن يكون هذا الكتاب عَوْنًا لكل المهتمين في المجال التربوي، ومُيسِّرًا ومُوجِّهاً لهم في تطوير البرامج التعليمية، أو أي مناهج علمية في ضوء رؤية التربية العلمية بتدريس العلوم.

لقد كان الدافع الأساسي وراء تأليف هذا العمل العلمي هو المشاركة في تطوير المنظومة التعليمية بالسلطنة؛ من خلال توضيح الاتجاهات العالمية الحديثة في بناء وتطوير مناهج العلوم وأساليب تدريسها، كما كان الدافع أيضا نقل فلسفة التربية العلمية الحديثة وأدواتها المختلفة إلى المجتمع التربوي المحلي والإقليمي، مع تقديم نماذج وقضايا وتطبيقات مختلفة حتى تُعدُّ نموذجًا لتطوير أي منهج علمي حديث بعناصره المختلفة، والانتقال بالعملية التعليمية من الجانب النظري إلى الجانب التكاملي التطبيقي الذى يُحقِّق التنوير العلمي للمتعلمين؛ من خلال التكامل بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع والبيئة.

رغم انتشار الكتب ومعارض الكتاب والمكتبات التي جعلت عملية الحصول على الكتاب عملية سهلة، إلا أنَّ عملية الإقبال على الكتاب أصبحت فعلاً قليلة جدًّا، إلا من المتخصِّصين في بعض المجالات. وأرى أنَّ السببَ الرئيسيَّ والمباشر في ضعف الإقبال على الكتاب يكمُن في بعض القصور في بعض الأنظمة التعليمية التى لم تعمل على غرس ثقافة التعلم الذاتي لدى المتعلمين منذ المراحل التعليمية الأولى؛ من خلال تدريبهم على القراءة الحرة، وبيان أهميتها في تشكيل هويتهم الثقافية، كما أثَّرتْ التقنية وشبكة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي في مستوى الإقبال على الكتاب والمكتبات، وأصبح الأفراد يميلون للوصول السهل للمعلومة من خلال التقنية، حتى ولو لم تكن المعلومة على درجة عالية من الموثقية. وفي بعض المجتمعات، يضعف الإقبال على القراءة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وبالتأكيد نستطيع زيادة إقبال الشباب والمتعلمين على القراءة؛ من خلال وضع إستراتيجيات رئيسية ضمن النظام التعليمي لتنمية مهارات القراءة الذاتية والحرة للمتعلمين ضمن المناهج الدراسية، كما يمكن التحفيز على القراءة من خلال إقامة البرامج والمسابقات بين مختلف فئات المتعلمين لتطوير مهاراتهم في القراءة وتعززيها، كما يجب رفع مستوى إدراك الأفراد لأهمية القراءة في حياه الفرد والمجتمع، وتشجيع الأفراد على إنشاء المكتبات المنزلية الصغيرة حتى تكون حاضنة أساسية لتنشئة جيل مُرتبط بالكتاب والقراءة؛ وبالتالي فإن واحداً من العناصر الأساسية لزيادة الإقبال على الكتاب: رفع مستوى دافعية الأفراد للقراءة، وتشويق الصغار للقراءة، وتشجيع الكبار، وجعل القراءة عادة إيجابية يومية، لكي ترتقي بالفرد والمجتمع.

اخترتُ دار “الورَّاق” العُمانية لطباعة الكتاب نظراً للجهود الكبيرة والمميَّزة التي تبذلها هذه الدار في دعم الكُتَّاب العُمانيين وظهورهم على الساحة الثقافية، ودعماً منا لرسالة الدار في نشر الكتاب وتنشيط الحركة الثقافية بالسلطنة.

نتمنَّى من المهتمين والباحثين والتربويين والقرَّاء الاستفادة من كتابنا الجديد “التربية العلمية وتدريس العلوم في تطوير المناهج التعليمية وطرق تدريسها”. كما نتمنَّى من الحراك الثقافي في السلطنة توسيع مجالاته ليشمل جميع المجالات العلمية والثقافية وفقاً لرؤى وخطط مدروسة، تُسهم في إثراء الحركة الثقافية بمختلف المحافظات بالسلطنة.

—————————————————-

Salma

سلمى اللواتية

“رؤى في سطور”

عنوان إصداري كان “رؤى في سطور”، مجموعة مقالات كُتِبت في مواضيع إنسانية واجتماعية وتربوية ووطنية…وغيرها، هو عبارة عن رُؤى وتأملات في القضايا والمواضيع التي تناولها.. الرسالة التي أرجو أنْ يوصلها الإصدار هي الرؤى التي كان يحملها بين جنبيه، والتي في مُجملها ترسم خارطة ذهنية للكثير من قضايانا المجتمعية؛ ومن أهمها: حُسن المواطنة، والحث على تأطير مفهوم السكينة العامة بيننا.

مع أنَّني لا أستطيع أن أنكر لحظات الإحباط التي كُنت -وما زلت- أمرُّ بها خلال الكتابة، إلا أنَّ الواجب الإنساني والديني والوطني يفرض نفسه؛ ليتحوَّل الإحباط إلى جذوة عطاء، نعم نحن في زمن نَدُر فيه الإقبال على القراءة، ومن أجل ذلك نتحيَّن أن نتوافق وميل قارئ هذا الزمان، كما أنَّ هناك إيمانا راسخا يُحرِّك القلم نحو الكتابة بأن القلة الواعية التي تقرأ ستكون النخبة التي تنتصر للكثرة الغارقة في مُلهيات الحياة، رغما عنها أو بإرادتها، لكنها حتمًا تحتاج لمن يكون يدها ولسانها وضميرها.. فعن الرسول الأكرم (ص): “لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس”، وهذه هي البركة التي تحفز على الكتابة. والحقيقة أنَّ القدرة على أيِّ عطاء هي نعمة من الله -جلَّ وعلا- ولابد للمرء أن يبذل نِعَم الله في خدمة عباد الله، ومنه تعالى نرجو الأجر والثواب.

ضَعْف الإقبال على القراءة، ذاك موضوع يحتاج فعلا إلى دراسة كافية، وحتى في العجالة فهو بحاجة إلى تفصيل يتناسب وحجم الظاهرة! غير أنَّني سأوجز رأيي في نقاط عامة، وأرجو أن تكون ذات فائدة:

* الطفرة الهائلة في التكنولوجيا والتي تصرف الناس عن الكتاب.

* عالم المال والأموال والرأسمالية الذي حوَّل المجتمعات إلى استهلاكية تهتم بالمظاهر، وابتعدت بها عن حقيقة بناء الروح والوجدان؛ لأجل تحقيق مصالحها الخاصة فحسب.

* غياب المؤسسات العاملة التي تسدُّ الفجوة بين الكاتب وما يكتبه، وبين ما يريده المجتمع.

أمَّا كيف نتجاوز هذا التحدي؛ فهو بجَبْر هذا الكسر العميق الذي في الحقيقة يفقد الجيل ثقته بموروثه الثقافي والحضاري، ويصرفه عن التجديد فيه بما يتلاءم والعصر، وهي مشكلة كبيرة في ظلِّ التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية القائمة في وقتنا الحاضر والمستقبل كذلك؛ والحلُّ في نظري هو أن تعمل الجهات المعنية على نقل الثقافة والمعرفة أو الانتقال بها إلى المؤسسات التربوية كالمدارس والجامعات، وفق برامج دورية مُرتَّبة، وضمن أهداف ورؤى واضحة، هذا الانتقال يُحقِّق الهدفَ من ناحيتيْن؛ فهو يرفع من ناحية الوعي والمستوى المعرفي لدى الطالب؛ كونه يُخاطِب ويستمع بشكل مُنتظم لمن يمتلك خبرة ودراية أكبر. ومن ناحية أخرى، يُقرِّب الجيل السابق لاحتياجات ومستوى جيل اليوم واحتياجاته، وهذا يقلل الفجوة بلاشك، والمقترحات كثيرة وعديدة، ولكن أكتفي بما تسع به المساحة هنا.

مؤسسة “الرُّؤيا” تُمثِّل أرضية مثالية لكثير من الإنتاج الثقافي والفكري، وهذا ما أسهم في أنْ أتخذ قراري باختيار “الرُّؤيا” لتكون الدار التي أطبع فيها كتابي؛ لما تمثله من انتشار واسع، وبكوني كاتبة لعمود في صحيفة “الرُّؤية” الصادرة عن المؤسسة، كذلك ما حفَّزني للطباعة لدى “الرُّؤيا” هو نشاطها ومبادراتها الاجتماعية، والتي تنقل المعرفة لمختلف الأطياف المجتمعية، وهو هدف الثقافة الأساسي؛ فمكتبة السندباد المتنقلة للأطفال وجائزة الرُّؤية لمبادرات الشباب، وجائزة الرُّؤية الاقتصادية… وغيرها، هو ما يجعلها معروفة عند هذه الفئات المجتمعية المهمة.

رسالتي للقراء هي أنْ أقول لهم ما قاله المتنبي منذ قرون خلت: “وخير جليس في الزمان كتاب”، ولا يعني هذا عدم استثمار التقنية للازدياد من المعرفة، ولكن لا ينبغي إهمال الكتاب الذي هو الباب الأثبت لكل المعارف. وفيما يخص الحراك الثقافي، أوجِّه رسالة لكافة المشتغلين بالثقافة -مسؤولا كان، أو كاتبا- بأنْ نسعى جميعا لرفع مستوى الفهم إلى الوعي لدى المجتمع، ولن يتأتى ذلك إلا إذا الحراك الثقافي ذاته تخطى مرحلة الفهم والوعي إلى مرحلة الإدراك؛ حتى يكون مؤثرا في مسيرة نمو الحراك الثقافي المنضبط بالمبادئ والقيم الإسلامية الإنسانية بالطبع، ثم الأصالة العُمانية، كما ومن خلال تجربتي في التواصل مع جهات أو أفراد معنيين، أقول إنَّ الوعيَ المكتسبَ والعائدَ الثريَّ منه أغلى وأثمن بكثير من الربح المادي؛ فلنخفِّف الوطء، ولنأتِ بأفكارٍ أكثر إبداعا تحقِّق لنا نتائج ذات مدى بعيد وعُمق أكبر.

4,423 total views, 4 views today