Ahmed F

أحمد بن سالم الفلاحي

تُنجز المرأة على امتداد تاريخها الإنساني إنتاجًا نوعيًّا وكميًّا مُقدَّرا من المكاسب والتحقُّق، وهي مكاسب حقَّقت لها التوازن النفسي “المعنوي” عبر مساحة اشتغالاتها الممنوحة لها في الخارطة الإنسانية، وهذا المنجز يُفترض له أن يكون موضعَ تقدير من أخيها الرجل، الذي لا يزال ينازلها النتاج، والمساحة، والفرص المتاحة؛ لذلك تعود المرأة بين كل فترة وأخرى إلى مربعها الأول، تلملم أسبالها من هنا وهناك باحثة عن موطئ قدم جديد، وانطلاقة خطوة جديدة. وهنا؛ أستحضر المشهد في عموميته؛ ولا أسقطه على حالة معينة، ولا أحصر وقائعه في مساحة جغرافية معينة. ويأتي الرجل في المقابل فيغريها بـ”الزبد” الذي يذهب هباء، وما “ينفعها” ليس له مكوث في الأرض إلا الفتات، وهذا ما يؤسف له حقا، خاصة اليوم، والعالم يعيش هذه الثورة الاتصالية من ناحية، والعولمة من ناحية أخرى، والقرية الكونية من ناحية ثالثة، إلا أن حالة المرأة وعلاقتها بالرجل لا تزال تراوح مكانها؛ لذلك تتواصل الندوات والمؤتمرات وحلقات العمل؛ وكلها تبحث في حقوق المرأة، وترفع التوصيات إلى الرجل الذي لا يزال يبحث قضايا المرأة في هذه المؤتمرات والندوات، وكل ما استطاع الرجل أن يقدمه للمرأة هو أن يسخرها خدمة لأهدافه التجارية البحتة، ولإرواء غريزته الجنسية عبر وسائل عديدة وبفنون مختلفة، مُتناسيا -في الوقت نفسه- أن المرأة هي من يعتمد عليها في إدارة شؤون بيته، وفي تربية أولاده، وفي المحافظة على مملكته الاجتماعية وسط مجتمع تتقاطع مصالح أفراده، وتتصادم مختلف رؤاه واجتهاداته، وهي المنظمة لجوانب مهمة في حياته المدنية الأخرى، وفوق ذلك يعمد الرجل -في المساحة الضيقة جدا التي يتيحها للمرأة- إلى محاككتها ومحاصرتها بمجموعة من الأوامر والنواهي والمحدِّدات. وفي المقابل، لن تجرؤ المرأة على أن تقابل هذا الرجل المزهو “بذكوريته” بمثل ذلك، والصورة أكثر وضوحًا في المجتمعات التقليدية والحديثة على حدٍّ سواء، إلا في وجود استثناءات محدودة جدًّا في المجتمعات الغربية، كما يتضح من بعض الممارسات. ولعلَّ القانون المنظم للعلاقة بين الطرفين هو الفاعل أكثر من إعطاء المرأة شيئًا من استنشاق نفسٍ ما إلى حدٍّ ما، ومع ذلك لا تزال الإسقاطات واردة في هذه العلاقة غير السوية بين الطرفين.

تقول الكاتبة سناء محمود في مقال لها بعنوان “صورة المرأة على الشاشة”، منشور في مجلة البيت العربي في العدد (6) ملحق مجلة العربي-العدد 642- مايو 2012م: “لم تتحول النساء بقرار منهن، ولكنَّ وسائل الإعلام والإعلان لعبت دورا كبيرا في التأثير على تكوين صورة المرأة الجميلة؛ من خلال فيضان مُتكرِّر من الصور النمطية للأنثى في التليفزيون، والإعلانات المطبوعة، والأفلام، والإعلانات التجارية واللوحات الإعلانية…وما إلى ذلك؛ ليقبل المجتمع هذه الصورة كما لو كانت هي القاعدة ثم يستنسخها، أو يحاول في حياته الخاصة” انتهى قولها. وممَّا يُؤسف له حقا أنَّ الوسائل الإعلامية قوَّضت الصورة الإنسانية للمرأة، وحوَّلتها إلى بهيمة نزقة تبحث عن إطفاء غريزتها؛ حيث وظَّف الرجل هذا الضعف عند المرأة إلى درجة الإسفاف بالمستوى الإنساني الجميل الذي تتميَّز به المرأة، وحوَّلها إلى لعبة نرد تتقاذفها الأيدي، واستخدم الإعلام لكونه “أداة كونية للسيطرة على الجماهير”.

تفرض بعض الأسئلة قوَّتها وسُلطتها عند الحديث عن العلاقة بين المرأة والرجل، ومن يَرقُب هذه العلاقة وتفاعلاتها المختلفة -الإيجابية منها أو السلبية- يجب أن يطرح مثل هذه الأسئلة ليقف على أرضية صلبة من المعرفة، وتعزيز القناعة، ولا يكفي أبدا أن يتم التقييم وفق ما هو مرئي فقط في ظاهره، ومن هذه الأسئلة: هل السيكولوجيات والأطباع والاهتمامات التي تكون عند المرأة تظل مخفية حتى تثير فينا -نحن الرجال- الدهشة؛ فنعمد إلى مجابهتها؟ وهل العلاقة بين الرجل والمرأة المشبوبة دائما بهذا الحذر هي الفطرة الأولى؛ أما تدخل هنا قيم المجتمع فتفرض عليها هذه الثيمة: (الخوف، والحذر، والترقب، والمطاردة، والتحفز)؟ ولماذا حالة الارتباك هذه على الرغم من العِشرة الطويلة؟ هل هي داخلة أيضا في هذه السيكولوجية؟ وفي مجتمع إنساني يتعايش الجنسان (ذكرًا وأنثى) كأفراد في مجتمع واحد؛ فأيُّهما الحلقة الأضعف، في نظر أحدهما إلى الآخر؛ ويعاد إليه منشأ هذا الخوف، أو الحذر؟ كنت مرة أشاهد منظرا مرئيا “فيديو” لسُكَّان إحدى الغابات في إفريقيا؛ حيث تعيشُ بعض القبائل حفاة عراة لا يسترون إلا عورتهم -الكبار منهم فقط- ومع ذلك، أحسب أنهم أكثر اطمئنانًا فيما بينهم مع اختلاف الجنس، ربما خوفهم الأكبر من الحيوانات المفترسة التي تعيش بينهم، ونحن في كامل سترنا، وتحفظنا، وتماسك قيمنا، ومع ذلك هناك توجُّس وخوف، وعدم اطمئنان، فهل هذا تأثير الـ”سيكولوجية”، ولمَ لم تزهر هذه السيكولوجية عند أولئك الأقوام؟! أيعقل حتى اليوم أنَّ الرجل لم يكتشف الأنثى؛ حتى يقف منها هذا الموقف “المعادي” إن صحت التسمية، والعكس أيضا كل هذا الزمن الطويل من العشرة؟ أيُعقل أن يكون أحدهما مغزى للآخر؛ سواء في مملكة الزواج، أو حاضنة الأسرة، عِشرة الزمالة؛ مع أنَّ الرجل يتربى في حضن المرأة منذ لحظة ميلاده؛ حيث تعرف تقاسيمه التفصيلية، وكذلك الأنثى تتربى في حضن الرجل، ولو بعد حين، ويعرف ذلك أيضا إلى حدٍّ ما. إذن، ما الذي بقي لم يعرف بعد من كلا الطرفين لكلا الطرفين؟ وما الذي بقي لم نعرفه بعد؟ أم أنَّ المسألة تتجاوز البُعد الظاهري للأشياء، وتذهب بعيدا حيث العُمق؛ حيث يظل هذا العمق مجهولا؟ وهل نحن فعلا نكون أكثر اطمئنانا إلى الجنس الذي ننتمي إليه؟ هل نحن نوعيون بصورة مطلقة؟ فأنا -لعمومية المثل لا لخصوصية السبب- إن لم أجد في وَسَطٍ ما رجلا؛ ويكون كله مجتمعا نسويا؛ تُرى لماذا يربكني الموقف؟! ولن أستطيع أن أتصرف، وأنتِ كذلك عندما لم تلمحين في الوهلة الأولى امرأة، هل يصل بك الإرباك حدَّه حتى تجدي ضالتك بين بني جنسك؟ هل نحن فعلا ترهبنا التقاسيم: “هذا ذكر وهذه أنثى”؟! وهل اجتماعيتنا لن تكتمل إلا بهذه الثنائية المتكافئة، رجل برجل، وامرأة بامرأة؟ لذلك تأتي الشرعية كأحد الأوجه التي تميط اللثام عن جوازية تقارب الأضداد من بعضها وتلتحم في ذواتياتها؛ فعلا موقف يحتاج إلى لحظة من التأمل.

نشرتْ الصحف منذ أيام خبرًا يقول: “قتل زوجته بسبب غيرته من مسيرتها الناجحة؛ حيث قضت محكمة بريطانية بالسجن مدى الحياة على موسيقي نرويجي -عازف كونترباص- قتل زوجته عازفة البيانو المشهورة عالميًّا ناتاليا ستريلتشينكو؛ لأنه كان يغار من مسيرتها الفنية الناجحة. واتهم جون مارتن (48 عامًا) بخنق زوجته ناتاليا ستريلتشنكو (38 عامًا)، وضربها حتى الموت، خلال شجار وقع في منزلهما في مانشستر (شمال إنجلترا) في 30 أغسطس الماضي”. والسبب، كما جاء في نصِّ الخبر: “غار من نجاح زوجته فيما كان يواجه صعوبات في مسيرته، وقال للمدعي العام إنه كان يشعر بأنه “خادم” لزوجته”.

بينما في المقابل تسعد المرأة كثيرا بالنجاحات التي يحققها الرجل في مختلف أنشطة حياته اليومية؛ لذلك يسعدها كثيرا العبارة المشهورة: “وراء كل رجل عظيم امرأة”؛ حيث تجد نفسها “هنا”؛ حيث هذه الإنجازات التي يحققها الرجل، بينما لا يقبل الرجل أن يكون “هنا” حيث الإنجازات التي تحققها المرأة، وخير دليل قصة الخبر أعلاه، قد ينظر البعض إلى قصة الخبر على أنها استثناء، ولكنها الحقيقة، وإن أغضضنا البصر خوف اتهامنا بـ”العنصرية”؛ فالواقع كثيرا ما يكون مُشوَّها، أو مُغيَّبا عن الحقائق؛ فالحقيقة كما هو معروف صورة “مطلقة” لا تقبل الاستثناءات.

… تلعب المناخات الاجتماعية أدوارا مُهمَّة في ترسيخ قيم المجتمع، ومسارات حياته المختلفة، وتعد هذه المناخات الحاضن المهم في حياة كل مجتمع، وتتأصل أهميتها أكثر وأكثر في المجتمعات التقليدية على وجه الخصوص؛ ذلك أن هذه المجتمعات لا تزال تقتات على ما تبقى من عمر الوعي بمختلف جوانب الحياة وتفاعلاتها المختلفة، وترتبك منظوماتها الاجتماعية كلما اتسعت حدقة العين متجاوزة محليتها، أو تموضعاتها المختلفة، يحدث ذلك لأنَّ أيَّ خروج عمَّا هو سائد، معناه ضياع مصالح فئات، وارتفاع سقف طموحات فئات أخرى. ومن هنا؛ يأتي تكريس البقاء على القيم والعادات والتقاليد والعض عليها بالنواجذ، وهذا ما يواجهه بعض أفراد المجتمع في مثل هذه المجتمعات، خاصة الفئات المغلوبة على أمرها؛ ومنها المرأة، وإن كان هناك سعي جميل من الحكومات المدنية على وجه الخصوص في سن التشريعات والنظم والقوانين، وهي غالبا ما تنتصر لمثل هذه الفئات في المجتمع. ومن هنا؛ تأتي أهمية إبراز حقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الأقليات…وغيرها مما تضمُّه أطياف أي مجتمع تديره الحكومات المدنية، ولكن حتى هذه القوانين والنظم إن لم تجد القناعة من قبل أبناء المجتمع في تطبيقها، والوعي بأهميتها، فإنها لن تجدي نفعا أبدا، و”ستعود الأكلة إلى قصعتها” كما هو المثل السائد، وهذه الصورة لا تتجسَّد فقط في المجتمعات التقليدية، ولكن حتى المجتمعات الحديثة التي تؤمن بالقانون كمنظم محوري للحياة اليومية، فلا تزال الخروقات، والبحث عن نقاط الضعف في مختلف القوانين قائما، إلا أنَّ ما يفرِّق حالة الحراك بين المجتمعين التقليدية والحديث هو أن الحديث ينتصر أكثر لتطبيق القانون؛ وبالتالي تحصل فئات المجتمع المغلوبة على أمرها شيئا من الحقوق إلى حدٍّ كبير، وإن تحدث تجاوزات في بعض المواقف؛ فهذا أمر وارد، ففي النهاية هؤلاء جميعهم بشر؛ تتنازعهم الأهواء.

تتساءل الكاتبة دينا مندور، عبر مقال لها بعنوان “المرأة الثالثة”، نشرته في مجلة البيت العربية العدد (6)، ملحق مجلة العربي-العدد 642- مايو 2012م، عن الازدهار التاريخي للنساء؛ مُعلِّقة بذلك على مقولة للفيلسوف الفرنسي ليبوفتسكي وردت في كتابه “المرأة الثالثة”، تقول الكاتبة: “في كتابه “المرأة الثالثة” قسم ليبوفتسكي -فيلسوف فرنسي معاصر- المصيرَ النسائيَّ إلى ثلاث مراحل كبيرة: المرأة الأولى التي كانت دونية ومؤبلسة بسبب جمالها، ثم بدأ تمجيد هذا الجمال والاحتفاء به مع نموذج المرأة الثانية، خاصة في الفنون والآداب، ولكن في الحالتين لم توجد المرأة إلا من خلال نظرة الرجل إليها. أما المرأة الثالثة، فهي تلك التي تمثل النموذج الحديث القائم بذاته، فأصبحت المرأة تعمل وتعيش حرية اختيار الشريك، وتتحكم في الإنجاب، وتأمل امتلاك حياة دون توجيهات ذكورية”. والسؤال الذي تطرحه دينا مندور هو: “هل اختفت النماذج القديمة إلى الأبد؟ وهذه الحالة الثالثة التي بلغتها النساء هل تحقق ازدهارهن التاريخي؟”.

والتعليق على ذلك: يقينا، لم تحقق هذا الازدهار التاريخي، بل بالعكس عندما أمعنت المرأة نفسها في “الحالة الثالثة”، كاد الرجل الذي اعتمدت عليه كثيرا، ووجدت نفسها من خلاله أن يهرب منها لشعوره بالدونية، كما يرى، أو يعتقد، واليوم هناك إحصائيات تؤكد أن الرجل الغربي -على سبيل المثال- بدأ يبحث عن امرأة آسيوية تقدِّر حياته الزوجية؛ فالمرأة الغربية التي حطت رحالها في “الحالة الثالثة” لم تعد ذلك الحضن الآمن الذي يوفر “المودة والرحمة”؛ حيث تتنازعها طموحاتها وأحلامها من بين أحضان هذا الرجل الذي ما أمن في المرأة ضعفها وقلة حيلتها كما يعتقد؛ فنازعها في مختلف محطاتها على امتداد التاريخ، ولم يعقد معها صفقة رابحة كل هذا العمر، وهذا ما يعكسه السلوك المتبادل بينهما كل هذا العمر، حتى يصل التصادم في كثير من الأحيان إلى منصات المحاكم لأقرب علاقة قائمة بينهما، وهذا ما يؤسف له حقا.

1,238 total views, 5 views today