متابعة: زوينة الجابرية

ضِمْن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان مسقط السياحي 2016، أُقيمت بتاريخ 20 يناير ندوة ثقافية بعنوان “المثقف والسلطة: جدلية التأثير والتأثر”، بالتعاون مع الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء. وسط حضور واسع من الأدباء والمثقفين والمفكرين بالسلطنة.. أدار الندوة القاص والكاتب العُماني محمد اليحيائي، وتضمَّنتْ أربعة محاور قدَّمها أربعة من المثقفين والأدباء من داحل وخارج السلطنة.

المثقف والسلطة السياسية

كان المحور الأول لهذه الندوة بعنوان “جدلية العلاقة بين المثقف وسلطة السياسة”؛ قدم خلاله المفكر اللبناني علي حرب ورقة عمل حملت عنوان “جدلية العلاقة فيما يتعدى ثنائية المثقف أو السياسي.. الجدل والتحول”؛ وتحدث عن هوية المثقف وماهية السلطة وعلاقتها بالمثقف.. مشيرا إلى بعض النماذج لتجربة الإنسان المثقف في تعامله مع السلطة؛ حيث إنَّ علاقة المثقف بالسلطة علاقة مُركَّبة ومزدوجة، ولها إشكاليات من حيث مستوياتها ووجوهها المتعددة. وقد قسَّم المفكر علي حرب أشكال المثقف حسب علاقته بالسلطة إلى ثلاثة أقسام؛ وهي: المثقف الموالي وهو الذي يسوغ للحاكم ويدافع عن سياساته حتى وإن كان حاكما طاغيا. والمثقف المنشق وهو المتفرِّد بآرائه الخاصة به والناقد لسياسة ونظام بلده. والقسم الثالث هو المثقف المحايد الذي لا ينحاز لأي طرف.

وركَّز علي حرب في حديثه عن هذه الأنواع على المثقف المعارض أو المنشق، والذي قسَّمه أيضا إلى ثلاثة أقسام: المثقف المستقل الذي لا تقف وراءه سوى قامته الفكرية أو الأدبية، والمثقف المنخرط في حزب سياسي أو تجمع ثقافي أو مدني، والمثقف المنظِّر وصاحب المشروع لاستلام السلطة.

المثقف والسلطة الدينية

وفي المحور الثاني الذي حمل عنوان “المثقف والسلطة الدينية داخل الدولة”، قدم الباحث الشيخ خميس العدوي رئيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء، ورقة عمل حول هذا المحور؛ تحدث فيها عن المثقف الذي يعتبر النظرية السياسية دينًا.. مُوضِّحا الفارق بين المثقف الاجتماعي والمثقف الديني (أو رجل الدين). ويعود العدوي في ورقته هذه إلى تاريخ السلطة الدينية؛ فيشير إلى أن الدين في الفترة التي ينزل فيها يأتي كثورة لتبديد الظلم والجهل. إلا أنه يتحوَّل فيما بعد إلى سُلطة قاهرة على يد من يتبعه بعد رحيل النبي المؤسس. مؤكدا أن الدين هو المكوِّن الأساسي للدولة، ومن هنا نشأت هذه العلاقة بين الدولة والسلطة الدينية على يد المثقف المنظِّر. وقد تطوَّرت فيما بعد العلاقة بين الدولة والدين، فأنتجت بذلك ثلاث من الدول:

– الدولة التي فصلت بين السلطة السياسة والسلطة الدينية، ولكنهما ظلتا تحت يد الحاكم.

– الدولة التي هيمنت فيها السلطة الدينية على السلطة السياسية، وقد عمل فيها المثقف على تحرير الدولة من هيمنة السلطة الدينية باتجاه الدولة المدنية.

– الدولة التي كانت على العكس؛ فهيمنت فيها السلطة السياسية على السلطة الدينية، وكان المثقف هو من ينظر للسياسي ويعطيه المشروعية باسم الدين؛ لذلك لم يتمكَّن هذا النوع من الدول من التحوُّل باتجاه الدولة المدنية.

ويُضيف العدوي بأنَّ الدعوة الإسلامية بدأت بتشكيل الجماعات التي تحوَّلت فيما بعد إلى الأمة، وظلّت تحمل هذا المصطلح حتى نشأت الصراعات المختلفة بين المسلمين؛ فأصبحت بعد ذلك دولة. وعن الشأن العُماني، يؤكد الشيخ خميس أنَّ السلطنة بداية من المحكمة وانتهاء بالمذهب الإباضي، ظلَّت تُحاول من أجل أن تحافظ على مفهوم الأمة، ولكن لم يتمكنوا فتحوَّلت إلى مفهوم الدولة؛ لذلك جمع نموذج الدولة في عُمان بين عناصر من مفهوم الدولة وعناصر من مفهوم الدين. وظلت هذه العناصر قائمة في بناء الدولة الحديثة التي أشاد بنيانها حضرة صاحب الجلالة، فجنَّبت العُمانيين مُفرزات الإسلام السياسي والفتن المذهبية والتنظيمات الإرهابية. وقد استطاع المثقف العُماني -عبر مدارسه الدينية التي قامت على طول التاريخ العُماني- تطوير نظريته السياسية، بَيْد أنه في مرحلته المتأخرة لم يستطع أن يُواكب المتغيرات؛ مما حَدَا بالدولة -في ظل رؤية صاحب الجلالة السلطان- إلى بناء الإنسان علميًّا؛ وهو ما أثمر جيلاً من المثقفين بدأوا يقدمون تنظيراتهم الدينية بما يتجاوز الطرح التقليدي ويخدم نظرية الدولة الحديثة.

الخطاب الإعلامي

وفي المحور الثالث من الندوة، قدَّم الدكتور عبدالله الكندي عميد كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس، ورقة عمل حول “الخطاب الإعلامي وأثره على المثقف”..أشار خلالها إلى العلاقة بين البناء الحضاري للمثقف وبين الإعلام، والتي أكَّد الكندي على أنها لم تكن علاقة وطيدة؛ فالمثقف لديه توجُّه سلبي تجاه الإعلام، خاصة الإعلام الذي يُروِّج للسلطة السياسية وأهدافها. كما تطرَّق الدكتور عبدالله للحديث عن مفهوم الصحافة الثقافية التي مثَّلت مخرجا واضحا للصراع القائم بين المثقف والسلطة. كما لم ينسَ التطرُّق للحديث عن  التطور الحاصل في نَشْر المواد الأدبية عبر وسائل الإعلام الحديثة، إضافة إلى حديثه عن تطور البرامج التليفزيونية ومدى تفاعل الجمهور معها، وتفاعل المثقف مع السلطة التي تدير هذه البرامج وهذه القنوات.

الدولة الحديثة (السلطنة نموذجًا)

وختامًا لهذه الندوة، قدَّم الباحث خالد الوهيبي من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ورقة عمله حول المحور الرابع والأخير، والذي حمل عنوان “الجذور الثقافية المؤثرة في بناء الدولة الحديثة-السلطنة نموذجا”.. أشار الوهيبي خلالها إلى أنَّ الدولة العُمانية الحديثة -والتي تُعتبر نوعًا ما مُتأخرة زمنيًّا في نشأتها- وريثة أعراف وتقاليد عريقة في الحكم والسياسة، ولم تتطور منذ فترة طويلة، وهذا ما سبَّب تراجع السلطنة في القرون (18،19،20).

ويُضيف الباحث بأنَّ الجميع تقريبا مُتفقون على أنَّ الدولة العُمانية الحديثة نشأت فعليًّا في عهد جلالة السلطان قابوس منذ استلامه مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970م، إلا أنه لا يمكننا أن نمحو المحاولات السابقة من قبل بعض السلاطين كسعيد بن سلطان وفيصل بن تركي وسعيد بن تيمور، ولكنها اقتصرت على نطاقات ضيقة ولم تتوسَّع في محاولات التنشئة.

وطرح الوهيبي تجربة سليمان الباروني الليبي الذي قَدِم إلى عُمان عام 1924، وكان عُضواً بمجلس المبعوثان بالدولة العثمانية، وحظي الرجل باحترام وترحيب السلطان والإمام في وقتها. وقد سَعَى هذا الرجل إلى تأليف الكلمة بين السلطان تيمور والإمام الخليلي. وبفضل توجيهاته، سارع السلطان تيمور بعمل إصلاحات عدة في البلاد، وإدخال بعض الأنظمة الحديثة. كما يُشير الوهيبي -في ورقته- إلى التصادم الحاصل بين مُستجدات العصر والموروث الاجتماعي الثقافي..مؤكدا أنَّ تركيب هذين العنصرين معًا يجب أن يكون على درجة معقولة من التقارب؛ حتى لا يُصبحا عُرضة للتصادم بمرور الزمن. فقد نشأ كلٌّ من هذين الجانبين في ظروف مختلفة تماما. وعليه؛ يجب التوصل إلى طريقة صحيحة من أجل حدوث التقارب بينهما.

5,458 total views, 5 views today