سما عيسى

هِي الصَّحراء التي تحدَّثَ فيها إلى الله -سُبحانه وتعالى- نبيُّ الله مُوسى -عليه السلام- كما أنَّها الأرضُ التي تم اختيارها لتكون مَهْد السنوات الأولى للرسول الكريم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.

صحراءُ الحُبِّ الذي يفضي إلى الجنون، كما هي الحال لدى قيس بن الملوح “مجنون ليلى”، صحراء المُعلَّقات الشعرية الكبرى: امرؤ القيس، وطرفة، وعنترة، وزهير، وعمرو، ولبيد، والحارث.. صحراء المنفى: صحراء أبي ذر الغفاري، ومحمد بن عبدالجبار النفري، وسان جون بيرس.. صحراء التِّيه: تيه منيف، والكوني، وإيف بونفوا، وجابيس.

هي الصَّحراء فقط مَنْ يُقْرِن الحبَّ بالموت، من يُقْرِن اللقاءَ بالفراق، مَنْ تَذْهب بك إلى اللامتناهي، مَنْ تَضَع الشعرَ في القلب، وتَغْرِس في الرُّوح نورَ النبوَّة وشمس الحقيقة.

جِئْنَا من الصَّحراء ونعود إليها، منها ينطلقُ الخيال إلى العالم الواسع الرحب، نحتفي بحضورها البهيِّ في ذاكرتنا، في دمائنا وأجسادنا، في هذه الأيام القليلة، الأيام التي ارتأينا أنْ نتذكَّرها معاً، حتى لا نَنْسَاها في زَحْمة المدن؛ التي مَهْمَا حاولنا الابتعاد عنها، لن تكون قادرة إلا على إعادتنا للتشبُّث بها.

الصَّحراء العربيَّة هي الأرض المُقدَّسة، التي يَمْنَح العربيُّ جسدَه وروحَه لها. هي أسطوريًّا المعادِل الفني لجبل ناراياما المقدَّس في اليابان، وللأنهار المقدسة في الحضارات الزراعية بآسيا وإفريقيا.

يُواجِه الإنسانُ القديمُ في اليابان قَدَره الأخير بجبل ناراياما، يؤخذ إليه بعد أنْ ينتهي دَوْرَه في الحياة، ويُرْمَى به مُستقبلا الجوع والعطش والجوارح حتى موته. كما تُحْرَق الأرملة بعد وفاة زوجها في الهند، ويُرْمَى رمادُها في النهر المقدَّس، ويَمْنَح المصريون القدماء نَهْر النيل أجمل بناتهم حتى يستمر في التدفُّق والجريان.

وعلى أبواب الصَّحراء الكُبرى، يُودِّع الرجالُ بعد انتهاء دَوْرِهم في الحياة زوجاتهم وبنيهم، عندما يَشْعُر الرَّجل باقتراب مَوْته، ينطلق وَحِيْدا هائماً في الصحراء دون عودة، حتى يمُوْت عَطَشا وجُوْعا. يُطلق الصَّحراويون على تلك البقعة من الصحراء الكبرى -والتي تتناثر بها عِظَام الراحلين- صحراء الحُب؛ لأنها أرضُ عناق روحي أخير بين الإنسان وترابه.
هذه هي الصَّحراء التي حدَّثنا عنها الشاعر آدمون جابيس:
“أكتب عن الصحراء…
عن النور الساطع
الذي أوقف المطر…
لم يبقَ هُناك سوى الرَّمل
حيث امشي…
فالصحراء أرضي وسفري وتيهي”

فيلم “طرفاية.. باب البحر”
من بَيْن أهم الأفلام السينمائية التي عَرَضها الملتقى السينمائي بالنادي الثقافي في دَوْرَته الأولى “سينما الصحراء”.. الفيلم المغربي “باب البحر”، في حُضُور مخرجه داوود أولاد السيد. أنجِز هذا الفيلم عام 2004، كَتَب له السيناريو الروائي المغربي يوسف فاضل، وشاركتْ فيه أسماء سينمائية معروفة: مُحمَّد بسطاوي، وثريا العلوي، ومحمد مجد، وعايشه ماه ماه، وبشرى اهريش، ونعيمة إلياس، ومحمد خيي، ومحمد حراكة، وبنعيسى الجراري، وعبدالله فركوس، وزينب الصنهاجي، ومحجوب الراجي، وهشام بسطاوي.

الفيلم يُعتبر اليوم وثيقة مهمَّة لبلدة طرفاية الصحراوية الساحلية في آن؛ لأنَّها لم تعُد كما هي عليه، بعد أن أصبحت مدينة سياحية تمتلئ بالفنادق والشاليهات، عمَّا كانت عليه كقرية صيادين عند تصوير الفيلم.
حَرِص كاتبُ السيناريو على تحليل شخصيات الفيلم جيدا؛ بحيث قدَّمها في تناقضاتها المزمنة، وهي عموماً شخصيات المهمَّشين والبائسين؛ لذلك جاء الفيلم قريبا من حياة المجتمع، وما تحمله الحياة دومًا من مخلوقات تعيش حياتها في دوَّامة الصراع البشري بحثاً عن لُقمة العيش.

ظلَّت الصحراءُ هي الخلفية الأساسية لهذا الصراع، والقرية التي تفضي إلى البحر؛ لم تكن أكثر من بيوت صغيرة متناثرة، والصحراء والبحر هنا؛ لم يكُن قادرًا أبداً على تأمين حياة كريمة للإنسان؛ لذلك عمد إلى النظر لما وراء البحر، الطرف الأوروبي الآخر منه؛ حيث الحياة المدنية؛ طبقا لاعتقاد الإنسان البسيط، هي فقط القادرة على منح الإنسان الحياة، والتي هي في الحقيقة ليست أكثر من وَهْم كاذب. كان ذلك هو الصراع النفسي الحقيقي؛ الذي عاشته بطلة الفيلم، بَيْن أن ترحل إلى حلم كاذب؛ أو تبقى بأرض من البؤس والفاقة، هذا الصراع الذي لم يُحْسم حتى اليوم، ونحن نتابع سيل المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط؛ هربا من الجُوع والمَرَض والحروب.

جاء داوود أولاد السيد إلى السينما من التصوير الفوتوغرافي؛ وذلك مثلما كتب الأستاذ عمر بلخمار، أمر أهله بالاهتمام بالصورة السينمائية، وتطبيعها باللمسات الفنية والتقنية شكلا ومضمونًا، مُعبِّرة بصَمْتِها وعُمْقِها، جميلة بألوانها وأشكالها؛ وبكيفية  تأطيرها وتنوُّع زوايا التقاطها. الصُّورة في هذا الفيلم مُعبِّرة عن نفسها، دون حاجة إلى موسيقى أو مؤثرات صوتية؛ باستثناء بعض النغمات والهمسات القليلة والهادئة التي تنسجم مع مضمونها وأجوائها. هي صُور واقعية ثابتة أو مٌتحركة، هادئة أو صاخبة، مُضاءة أو مظلمة، أهم ما تصبو إليه هو شد المشاهِد إلى تأمُّلها الجمالي، مُعتمدة على توالٍ مُنظَّم للأحداث وتطوُّرها.

الصَّحراء هنا مِثْلَما كَتَب الأستاذ عز الدين الخطابي: “خلفية لأحداث محكية بلغة سينمائية جميلة، تتوالى فيها اللقطات كلوحات تشكيلية بديعة؛ ذلك أنَّ اهتمامَ المخرج بقضية الهجرة السرية -بصفتها ثيمة رئيسية في الفيلم- لا ينفصل عن اهتمامه بالصحراء؛ من حيث هي مركز للعبور والمنفى والحلم.

217 total views, 2 views today