علي سليمان الرواحي

أقامت الأكاديمية اللاتينية مؤتمرها رقم 28 هذه المرة في سلطنة عمان، بعنوان القيم المشتركة في عالم التعددية الثقافية وذلك بتاريخ 23 نوفمبر من العام الفائت، في حضور لافت لأسماء فلسفية كبيرة من قبيل “جياني فاتيمو” الايطالي الذي ساهم في المؤتمر بورقة عنوانها “المشاركة في القيمة”، و “خافير سانجين” من بوليفيا، الذي تحدث في ورقته عن “خيالات الشيوعية وأشباح الليبراليى الجديدة”، و “فرانسوا فونيت” من فرنسا والذي كانت ورقته بعنوان “القيم في خطر”، و دانيال ايناريراتي” من اسبانيا، الذي تحدث عن “الديمقراطية بلا سياسة”، و “أنريك لاريتا” من الأوروغواي، الذي تناول “التعددية الثقافية وحدودها” في ورقته، و “سانتياجو زابالا” من “الولايات المتحدة” وكان قد تناول موضوع “القيم من خلال الآخرين”، وآخرين.

ست جلسات للمؤتمر وغياب لافت من المثقفين، ربما لعدم التنسيق مع النادي الثقافي وجمعية الكتاب والأدباء، وربما لاقامة المؤتمر في موقع رسمي يتطلب الدخول إليه تصريحا مصحوبا بإثبات هوية وغيرها من الاجراءات، فيما لم يكن لذلك كله داع كونه مؤتمر للثقافة والمعرفة ومناقشة أهم التحديات الفكرية والسلوكية التي تواجهها البشرية متمثلة في كيفية التعامل مع الآخر وكيفية فهمه.

حملت الجلسة الاولى هموم “البحث عن الهوية” وأتت لتناقشها بادارة “هلال الحجري”، بينما غاصت الجلسة الثانية في “الوعي العالمي والمواطنة والقيم المشتركة” التي أدارها “طارق متري”، واهتمت الجلسة الثالثة في “الحوار العالمي”، وكان مدير الجلسة “راشد البلوشي”، وحملت الجلسة الراعبة عنوان “التعايش مع الاختلاف” أدارها “حسين عبداللطيف”، وأدار الجلسة الخامسة “كانديدو منديز” التي تعمق في “الاندماج الاجتماعي”، وأخيرا اختتم المؤتمر بجلسة بعنوان “الغيرية” أدارها “حاتم الطائي”.

وفي بحر متلاطم مع أفكار غاية في الأهمية تتناول قبول الآخر وفهمه وتأصيل الحوار والمساواة وتدعو السياسة إلى ترك الغطرسة والاستماع إلى الآخر، انفرد الزميل “علي الرواحي” ببعض الفلاسفة والمفكرين ليدردش معهم دردشة بريئة، لا عنوان لها إلا “من نحن؟ وأين نحن؟”، وهانحن نضع هذه الدردشة بين يدي القراء لأجل متابعتهم.

———-

البيروقراطية، الترجمة، السياسة، العطاس… وأحاديث أخرى

كان لي شرف اللقاء والجلوس مع الفيلسوف الإيطالي والمناضل اليساري جياني فاتيمو (1936م) بصحبة الصديق: محمود الخاطري، بعد جهد طويل، ومحاولات مستمرة وكثيرة، وذلك لأنه لم يكن متاحا حضور مؤتمر القيم الإنسانية المشتركة والذي عقدته مشكورة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بينا نرى أن وجود مثل هذا المؤتمر بهذا الحضور العلمي الكثيف ان كان متاحا حضوره للمثقفين العمانيين لكانت الاستفادة منه اكبر وتعاطي أولئك الفلاسفة مع الحراك المعرفي الشعبي لكان اكثر.

قبل الدخول لتفاصيل اللقاء مع الفيلسوف الإيطالي ينبغي الإشارة إلى أن هذه المؤتمرات وغيرها هي لنشر المعرفة بالدرجة الأولى، هذه المعرفة التي لا تنمو إلا في ظل واقعي ديمقراطي مفتوح للجميع، ذلك أنها تختنق وتموت مع وجود الكثير من الأبواب المغلقة والغرف الفخمة، وهو ما انعكس ليس في عدد الحضور ونوعيتهم فقط، بل أيضًا في ذلك الاستقبال والترحيب من قِبل الضيوف المشاركين بالرغم من مستوياتهم العلمية والوظيفية الرفيعة على المُسْتَوَيَيْن العالمي والأكاديمي، عندما علموا بأننا كقرَّاء ومهتمين نحاول الوصول إليهم والجلوس معهم ومناقشة الكثير من الأفكار المشتركة بيننا، ومد جسور التواصل الفكري والفلسفي المستقبلي بين الجميع، غير أن هذا التواصل كما سبق القول قد أحيط بالكثير من العوائق والصعوبات، كما أن هذه المؤتمرات فرصة مهمة لمناقشة الكثير من الأفكار التي يتم تداولها على المستويات الفكرية المحلية والعالمية، والانعتاق من هذه العُزلة الناعمة التي نعيشها دونما وعي بذلك.

فاتيمو وأيديولوجيا الترجمة العربية:

ثَمَّة الكثير من الصعوبات التي تقف وراء التواصل المنشود بهدف ترسيخ القيم الإنسانية المشتركة بين البشر في ظل التعددية الثقافية التي نعيشها حاليًا، وربما تعتبر تأخر وانتقاء وشح الترجمة في مقدمة هذه الصعوبات التي تجعل التواصل متأخرًا ومشوهًا بل وفي الكثير من الأحيان يثير العديد من علامات الاستفهام، فهذا الفيلسوف الإيطالي المتعدد المناصب وصاحب الكثير من الأعمال الفلسفية والهامة جدًّا، والعديد من المواقف الإنسانية والسياسية المدهشة، لم يترجم له – حسب اطلاعي المتواضع والمحدود – غير كتاب واحد بترجمتين، مختلفتين طبعًا، وهو كتابه «نهاية الحداثة: الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة» الصادر باللغة الإيطالية عام 1987م، والمترجَم إلى اللغة العربية في العام 1998م عن منشورات وزارة الثقافة السورية بترجمة الموسوعية د.فاطمة الجيوشي، في حين أن الترجمة الثانية لنفس الكتاب قد صدرت في نهاية 2014م عن المنظمة العربية للترجمة ببيروت، ترجمة د.نجم بو فاضل، بالإضافة لبحث عن التجربة الدينية بعنوان «أثر الأثر» في عمل جماعي عنوانه «الدِّين في عالمنا» صدر عن دار توبقال في العام 2004م، بالاشتراك مع العديد من الفلاسفة والمفكرين البارزين كالألماني جادامير والفرنسي جاك دريدا وغيرهم.

هذا القحط الشديد في الترجمة للغة العربية يصيبنا بخيبة أمل إذا عرفنا بأن فاتميو له الكثير من الأعمال والتي تصل لما يقارب عشرين عملاً فلسفيًّا، فرديًّا ومشتركًا مع آخرين، حيث توزَّعت أعماله بين التساؤل عن مستقبل الدِّين كما هو عمله الصادر عام 2005م، وما بعد موت الله عام 2006م، وحوار مع نيتشه عام 2008م، ومسؤولية الفيلسوف عام 2010م، وغيرها الكثير من الأعمال الفلسفية والسياسية المهمة في هذا السياق.

هذه الأعمال غير المترجمة للغة العربية، الفلسفية والسياسية على حد سواء تجعلنا نطرح تساؤلًا حول الأيديولوجيا الكامنة وراء الترجمات العربية؟ وما هي أسُسُ هذه الخيارات؟ نقول ذلك إذا عرفنا بأن فاتيمو قد صرح في العام 2009م بأنه مع المقاومة الفلسطينية وبأنه ضد التوجه الذي يضع حماس في قائمة المنظمات الإرهابية، أضف لذلك فإن آراءه الفلسفية وأعماله المختلفة تمنح الوجود رؤية فلسفية أخرى، نحتاج لها في ظل هذه السطوة الكبيرة والمبالغ فيها للتيارات المحافظة والمتطرفة من جهة، وغياب مسؤولية المثقف بشكل عام والفيلسوف بشكل خاص.

وهو الأمر الذي ينطبق إلى حدٍّ كبير على المتفلسف الإيطالي الشاب سانتياغو زبالا تلميذ وصديق الفيلسوف الإيطالي فاتيمو، الحاضر في المؤتمر أيضًا والذي لا نعرف عنه الكثير من المعلومات المتصلة بنمط التفكير الذي قد اختطه منذ فترة ليست بالقصيرة، حيث اشتركا في الكثير من الأعمال والدراسات والمؤتمرات، ذلك أن بينهما الكثير من القواسم الفكرية والثقافية المشتركة، بالرغم من الفارق الزمني الواضح. أقول ذلك إذا عرفنا بأن الخارطة الفلسفية الأوروبية أو الأنجلوسكونية وغيرها واسعة جدًّا، وربما لا يمكن حصرها، بشكل سريع، كما هو متوقع، فهي تحتمل الكثير من التعرجات والمتابعات المضنية والمتعمقة في هذا الشأن.

إننا نحتاج وبفضل الترجمات المستمرة لدماء فلسفية جديدة, ورؤى أنطولوجية لا تتوقف عن التفاعل، والاختلاف فيما بينها، فهي جسر من جسور التواصل عالية المستوى، تتسم بفوائد كثيرة، عاجلة وآجلة على حد سواء، إنها مهماز للكثير من الطاقة والحيوية والخصوبة أيضًا.

الفلسفة وتقاطعات السياسة:

ليست الفلسفة مجرد تنظير فوقي لا ينتمي للواقع، فهي بوابة مشرعة للتساؤلات الوجودية المفتوحة، تلك التي تنتمي لواقع الإنسان ورؤيته للحياة بما في ذلك الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهذا يقودني للحديث عن التساؤلات التي طرحها فاتيمو عن الوضع السياسي والاقتصادي الحالي والمستقبلي للبلاد بشكل خاص وللمنطقة العربية بشكل عام، وذلك بعد أحداث الربيع العربي التي أخذت المنطقة بكل ما فيها لوجهات لم تكن متوقعة، أو في احتمالات أكثر المتطرفين تفاؤلاً.

كان الحديث عن الدستور في عُمان هو المدخل الرئيسي وكيف تمَّت كتابته وتلك الإشكاليات الكثيرة المعروفة في البلدان العربية بشكل عام، لتلك الأحاديث الودية والحميمية والسريعة أيضًا، غير المتوقعة بين شخصين ينتميان للاختلافات الشاسعة أكثر من الاتفاقات المتبادلة، تلك التي تتجسد في ذلك التباين العمري والمعرفي وعلى مستوى التجارب أيضًا.

هذا المدخل عن الدستور أوصل الأحاديث لتلك المناطق غير المتوقعة في النقاش، وتلك التي لم تكن تخطر على بالنا أبدًا، فالوضع الاقتصادي قد أوصلنا لمستوى التعليم والترجمة في العالم العربي اليوم، وكيفية معرفتنا عن مؤلفاته وأعماله، ذلك أن الارتباط بين تلك العوامل وثيق جدًّا، بحيث إن كل عامل من المحتمل إلى حد كبير أن يؤدي للكثير من العوامل غير المتوقعة، إننا هنا أمام نظرية أثر الفراشة Butterfly effect تلك التي تضع كل فعل أو موضوع أمام عدد لا نهائي من المواضيع والأفعال الأخرى التي تأتي في الكثير من الأحيان بشكل غير مقصود بطبيعة الحال.

العطاس وابن خلدون:

في اليوم الثاني وبعد عناء طويل ومشقة كبيرة أيضًا للأسباب التي تعلمونها، والمسرودة آنفًا، كان اللقاء مع الباحث الماليزي ذو الأصول اليمنية سيد فريد العطاس برفقة الصديق: إسماعيل المقبالي، والعطاس يزاول مهنة التدريس في سنغافورة منذ فترة طويلة، له العديد من المؤلفات التي لم تترجم بطبيعة الحال للعربية من أهمها أطروحته عن ابن خلدون 2012م والتي صدرت في أكسفورد، والديمقراطية والسلطوية: صعود الدولة ما بعد الاستعمارية في أندونيسيا وماليزيا 1997م، وخطابات مغايرة في العلوم الاجتماعية الآسيوية: ردود على المركزية الأوروبية 2006م وغيرها الكثير من البحوث والمحاضرات والدراسات المختلفة في هذا المجال.

ابتدأ الحديث بطبيعة الحال بذلك التساؤل عن غياب شباب الجامعات والأكاديميات في البلد عن المحاضرات التي أقيمت في #مؤتمر_القيم_المشتركة، وتلك الرغبة العميقة التي يتمناها كل باحث يزور كل بلد أن يتم تبادل النقاش والآراء في المواضيع الفكرية التي تشغل بال هذه المجموعات، والتي ينتمي لها العطاس أيضًا, وغياب هذه المجموعات عن الحضور في مقر الإقامة أو مكان انعقاد المؤتمر.

في كل الأحوال كان الحديث عن الورقة التي ألقاها العطاس في المؤتمر وموضوع الاقتصاد الإسلامي الذي يعتبر أيديولوجية مضادة للرأسمالية وليس اقتصادًا كما يتم إيهام الكثير من الأشخاص بذلك، وهو ما تشعب بنا إلى الحديث عن أطروحة العطاس عن ابن خلدون المذكورة أعلاه، ونظريته حول صعود الدولة وانحدارها ونظامها الاقتصادي الإقطاعي وكيف طبقها العطاس على الدولة الصفوية في إيران والتي تأسست عن طريق إسماعيل الصفوي (1501م- 1524م) في أذربيجان، حيث يرى ابن خلدون بأن هناك العديد من الشروط التي تمر بها الدول في مراحل صعودها وانحدارها، وهو لا يقتصر على الجانب السياسي فقط بل يمتد بطبيعة الحال للنظام الاقتصادي، ذلك أن التفريق بين النمطين الاقتصاديين البدوي والحضري ضروري جدًّا لإقامة هذا التمييز.

كما تناقش هذه الأطروحة عن ابن خلدون في نهايتها المنظور الخلدوني في الدول العربية المعاصرة: السعودية العربية وسوريا كنماذج، ص131. حيث إن من المصاعب الكثيرة التي تواجه منهجية ابن خلدون هي تطبيقها على الدول المعاصرة، غير أن العطاس قد بذل جهدًا كبيرًا في هذا الشأن وبشكل خاص بعد أحداث الربيع العربي التي غيرت خارطة المنطقة العربية بشكل كبير جدًّا.

مهما يكن الأمر، فإن هذه البحوث الهامة جدًّا والتي أنجزها العطاس والأحاديث التي امتدت لخمس ساعات متواصلة تقريبًا من الحديث في الشؤون العمومية التي تهم الباحث في هذا المجال تبقى محفورة في الذاكرة، وهي تمنح المتابع لها الكثير من الأبعاد والظلال التي تعتبر بمثابة شبكات معرفية، تقودنا كل شبكة لأخرى، مما يعني بأننا أمام شبكات لا متناهية وغير محددة المعالم والحدود.

3,364 total views, 5 views today