مُحمَّد عبده الزغير
خبير شؤون الطفولة بوزارة التنمية الاجتماعية – كاتب من اليمن


مع أنَّ الحديثَ عن مُصطلح حقوق الإنسان لم يرد في الأدبيات الرسمية لحكومة السلطنة كثيرًا، إلا أنَّ الواقع العملي يُظهر أنَّ عُمان حقَّقت عديد المكاسب لصالح حقوق الإنسان؛ بدءًا بالمستوى المعيشي الكريم لمواطنيها، وبضَمان توفير العدالة الاجتماعية في المجتمع، وتحقيق مستويات مُتقدمة في التنمية، التي انعكستْ آثارها على واقع حقوق الإنسان العُماني ورفاهه. وتجلَّى ذلك بحكمة جلالة السلطان قابوس في تحقيق تلك المكاسب لصالح حقوق الإنسان تدريجيًّا، ووفقا لأولوية كل مرحلة والإمكانيات المتاحة فيها.

كما أن سلطنة عُمان تميَّزت بسياسة حكيمة في التعامل مع قضايا وأجيال حقوق الإنسان منذ إشراقة النهضة المباركة في العام 1970م، بدأتها بتوفير الظروف المساعدة لإعمال تلك الحقوق، وهي: ضَمان إرساء السلام الداخلي، وتوفير حقوق الإنسان الأساسية في الجوانب الصحية، والتعليمية، والاجتماعية، والثقافية، والحق في العمل؛ أي مَا يعرف بالجيل الثاني من حقوق الإنسان، كأساس لتحقيق العدالة. فقد شرعت السلطنة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- في ترسيخ أسس التقدم لدولة مدنية حديثة؛ لذا ركزت الحكومة الرشيدة -خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين- على التنمية، وبناء الإنسان، وسيادة القانون. وأنجزت خلال هذه الفترة عديد المكاسب والإنجازات؛ حيث ركَّزت التنمية في السلطنة بدايةً على توفير احتياجات الإنسان الأساسية كالصحة والتعليم، وعلى بناء أسس البنية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق الأمان الاجتماعي. وشهدتْ هذه المرحلة والمراحل اللاحقة بناءَ المدارس والمستشفيات، وطرق المواصلات؛ لضمان وصول الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية إلى مناطق السلطنة المختلفة. وساعدتْ هذه الخدمات في تلبية مكاسب أوَّلية على صعيد حقوق الإنسان، في مجالات الحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في العمل… وغيرها من الحقوق.

وواصلتْ هذا النهج أيضاً في العقد الثاني من عُمر النهضة -أي في مرحلة الثمانينيات- للارتقاء بحياة المواطن، وبمستويات التنمية المختلفة، مع إرساء تجربة المشاركة والممارسة البرلمانية. ففي هذه الفترة، صَدَر المرسوم السلطاني رقم 84/81 بإنشاء “المجلس الاستشاري للدولة”، والذي مثَّل يومها نقلة نوعية باتجاه فتح المجال لمشاركةٍ شعبية أوسع. وكانتْ هذه المرحلة الأولى التمهيدية من العمل قد أسهمت في نشر ثقافة الشورى وأهميتها. ويُلاحظ في هذه المرحلة الجمع بين حقوق الجيل الثاني مع بعض الحقوق من الجيل الأول، وتحديدًا ما يرتبطُ بالمشاركة السياسية، والبدء في إعمال بعض حقوق الجيل الثالث الخاصة بالبيئة، مع بداية إنشاء نظام متكامل للمحميات الطبيعية في العام 1983م… وغيرها من القوانين المعنية بالبيئة.

وفي التسعينيات من القرن الماضي، شرعتْ السلطنة في تعزيز بنية حقوق الإنسان وأسس الديمقراطية؛ باعتبارها المكوِّن الرديف للتنمية، واتَّخذت عديد الإجراءات والتدابير المحقِّقة لها؛ بما في ذلك الممارسة الديمقراطية. ففي العام 1991م، جاء إنشاء مجلس الشورى، وكذلك صدور النظام الأساسي للدولة في العام 1996م، والذي أرسى مبدأ الشورى ونظَّم كفالة حقوق الإنسان في السلطنة. وخلال هذه الفترة، انضمَّت السلطنة إلى عدد من اتفاقيات حقوق الإنسان الأساسية، كاتفاقية حقوق الطفل (1996م).

ويُلاحَظ في هذه المرحلة الجمع بين إعمال حقوق الجيل الأول والجيل الثاني والجيل الثالث؛ حيث جسَّدت القوانين والتشريعات والممارسة ضمانَ حقوق الإنسان: المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتي كفلها النظام الأساسي للدولة، وإعمال حقوق الجيل الثالث في الإستراتيجيات والخطط؛ لضمان حقِّ كافة الأجيال في الاستفادة من الموارد الطبيعية المتنوعة بطريقة متوازنة وعادلة، وبهذه المرحلة بدأت السلطنة متابعة اتفاقيات حقوق الإنسان القائمة على آلية المعاهدات الدولية.

وفي العقد الأول من الألفية الثالثة، عملتْ السلطنة على إرساء حقوق الإنسان؛ من خلال المصادقة أو الانضمام إلى عديد الاتفاقيات والبروتوكولات والاتفاقيات والمعاهدات الأساسية لحقوق الإنسان، كالانضمام للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والبروتوكوليْن الاختيارييْن الملحقيْن باتفاقية حقوق الطفل؛ الأول: بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، والثاني: بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء، وفي المواد الإباحية، والمُصادقة كذلك على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وإجمالاً، يُلاحظ أنَّ السلطنة التزمت في هذه المرحلة -بشكل رئيس- بمتابعة اتفاقيات حقوق الإنسان القائمة على آلية المعاهدات الدولية، كما سبقت الإشارة.

كما صادقت، أو انضمت السلطنة -في هذه المرحلة- إضافة للاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الرئيسية، إلى عديد اتفاقيات الأمم المتحدة الأخرى ذات العلاقة بحقوق الإنسان… وغيرها من الاتفاقيات الدولية والإقليمية المرتبطة بمنظمات وهيئات دولية وإقليمية؛ كالتصديق على الاتفاقية رقم (182) والتوصية رقم (190) بشأن حظر أسوأ اشكال عمل الأطفال، والإجراءات الفورية للقضاء عليها بالمرسوم السلطاني رقم 38/2001، والتصديق على الاتفاقية رقم (105) للعام 1957 بشأن إلغاء العمل الجبري، والاتفاقية رقم (138) للعام 1973 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام بالمرسوم السلطاني رقم 65/2005، والمصادقة على بعض أحكام الاتفاقية العربية رقم 18/96 بشأن عمل الأحداث، والاتفاقية العربية رقم 19/98 بشأن تفتيش العمل بالمرسوم السلطاني رقم 47/2006.

وقدَّمت السلطنة عدداً من التقارير الأولية حول مستوى تنفيذها لتلك الاتفاقيات والبروتوكولات التي صادقت أو انضمَّت إليها، ونشرتْ هذه الاتفاقيات والبروتوكولات، والتقارير الأولية والدولية بشأنها على نطاق واسع. فقد قدَّمت عُمان في هذه المرحلة تقاريرها المطلوبة إلى لجنة القضاء على التمييز العنصري، وإلى لجنة حقوق الطفل، وتقاريرها الأولية المقدَّمة بموجب البروتوكوليْن الاختيارييْن لاتفاقية حقوق الطفل، وتقريرها الأوَّلي للجنة القضاء على التمييز ضد المرأة. والتزمتْ بالشروع في عملية النظر في الانضمام للعديد من معاهدات حقوق الإنسان، وإعادة النظر في بعض تحفُّظاﺗﻬا التي قدمتها عند المصادقة أو الانضمام لبعض الاتفاقيات الدولية كاتفاقيتيْ حقوق الطفل، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وفي هذه المرحلة، تمَّ إنشاء وزارة البيئة والشؤون المناخية في 9 سبتمبر 2007م، بموجب المرسوم السلطاني رقم (90/2007)؛ وذلك بعد أن مرَّت مسيرة العمل البيئي بعدة مراحل تنظيمية وهيكلية؛ حيث كانت بداية مسيرتها بإنشاء مكتب مستشار حماية البيئة عام 1974.

وشهدتْ هذه المرحلة أيضاً تقديم السلطنة تقريرَ الاستعراض الدوري الشامل الأول في 18 نوفمبر 2010م؛ التزاماً بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 60/251 بإنشاء مجلس حقوق الإنسان؛ وبالتالي “إجراء استعراض دوري شامل يستند إلى معلومات موضوعية وموثوق بها لمدى وفاء كل دولة بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان على نحو يكفُل شمولية التطبيق والمساواة في المعاملة بين جميع الدول”. وبهذا؛ تكون السلطنة قد التزمت بتقديم التقارير إلى الهيئات القائمة على ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً مجلس حقوق الإنسان.

وأنشأتْ السلطنة في هذه المرحلة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بالمرسوم الـسلطاني 124/2008، كمؤسسة اعتبارية تُعنى بحقوق الإنسان؛ بهدف تعزيز التعاون المثمر والبنَّاء بين السلطات ومؤسسات المجتمع المدني في عُمان. وتضمُّ اللجنة ممثلين لعدد مـن مُؤسـسات المجتمع المدني، كالاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان، وعدد من المنظمات غير الحكومية، والمحامين وممثلين للسلطات الحكومية.

كما تمَّ إصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر بالمرسوم السلطاني 126/ 2008، وإنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر المنشأة بقرار صادر عن مجلس الوزراء في العام 2009م؛ بهدف وضع خطة عمل لمكافحة الاتجار بالبشر بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة، توسَّعت جهود السلطنة الفاعلة في متابعة اتفاقيات حقوق الإنسان القائمة على آلية المعاهدات الدولية، إضافة إلى الآلية المعتمدة على مِيثاق الأمم المتحدة؛ والمتمثلة في مجلس حقوق الانسان؛ من خلال الالتزام بتقديم تقارير الاستعراض الدوري الشامل التي بدأتها في العام 2010م -كما سبقت الإشارة- ولاحقاً قدَّمت التقرير الثاني للاستعراض الدوري الشامل في العام 2015م، وتستعد حالياً لتقديم التقرير الثالث للاستعراض الدوري الشامل في هذا العام 2020م.

والتزاماً بالمبادئ التوجيهية المُنسِّقة، والتي تتعلق بشكل ومحتوى التقارير المطلوب تقديمها من الدول الأطراف، والتي أصدرتها اللجان التعاهدية المعنية بمتابعة تنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية؛ بما في ذلك مبادئ توجيهية لتقديم وثيقة أساسية مشتركة؛ حيث تتألف التقارير المقدَّمة -بموجب النظام المنقح لتقديم التقارير- من جزءين؛ هما: الوثيقة الأساسية المشتركة، والوثيقة الخاصة بالمعاهدة المحددة.

فقد التزمتْ السلطنة بتقديم الوثيقة الأساسية المشتركة الأولى في 11 أبريل 2013م، وهي أول دولة خليجية قدمت الوثيقة الأساسية المشتركة، تلتها دولة الكويت في العام 2015م، كما أنها ثالث دولة على مستوى الدول العربية عملت على تحديث الوثيقة الأولى، وتقديمها في 9 مايو 2019م، بعد دولة تونس التي قدمت وثيقتها المحدثة في عام 2016م، والكويت التي أعادت تحديث وثيقتها في العام 2018م.

وقدَّمت أيضاً عدداً من التقارير الأولية والدورية حول مستوى تنفيذها للاتفاقيات والبروتوكولات المعنية بحقوق الإنسان، كالتقرير الجامع للتقريريْن الدورييْن الثالث والرابع لحقوق الطفل (2013م)، والتقرير الأوَّلي لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2014م)، والتقرير الجامع للتقارير الدورية من الثاني إلى الخامس لاتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز العنصري (2014م)، والتقرير الجامع للتقريرين الدوريين الثاني والثالث لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (2016م). وعملتْ على نَشْر تلك الاتفاقيات والبروتوكولات، والتقارير الأولية والدولية بشأنها على نطاق واسع. كما أشاد عددٌ من اللجان التعاهدية المعنية باتفاقيات حقوق الإنسان بمستوى أداء السلطنة في تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إضافة للمستوى الرفيع لوفود السلطنة عند مناقشة تلك التقارير أمام اللجان الدولية، ومستوى التقارير المُقدَّمة.

وتجدُر الإشارة هنا إلى محطة مهمَّة في هذه المرحلة، بدأت مع إقرار تعديلات على النظام الأساسي للدولة في العام 2011م؛ فقد أضفت هذه التعديلات مزيداً من التطوُّر لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها واحترامها؛ حيث ركزت على تطوير مسيرة الشورى في البلاد، وأهمية مشاركة أفراد المجتمع في مسيرة التنمية. وأضحت مسيرة الشورى في السلطنة من النماذج الناجحة على المستويين العربي والعالمي.

ويُوضِّح هذا أنَّ ممارسة حقوق الإنسان في السلطنة، اكتسبتْ في العقديْن الأولين من الألفية الثالثة، بُعدًا مُؤسسيًّا وبنيويًّا في عمل الحكومة وبرامجها، والوزارات والجهات الحكومية والأهلية المعنية بمتابعة حقوق الإنسان في المجالات المختلفة. كما حظيت باهتمام المؤسسات التشريعية، التي أصبح مجال حقوق الإنسان في السلطنة محوراً رئيسيًّا في أدائها.

… إنَّ سياسة جلالة السلطان قابوس -رحمه الله- المُتزنة والحكيمة في مُراعاة ظروف كل مرحلة من مراحل التطور في السلطنة والإمكانيات المتاحة فيها، أثمرت ضمانَ توفير السلام والتنمية وحقوق الإنسان، التي ينعم بها المواطن العُماني والسلطنة إجمالاً اليوم، وأصبحت السلطنة تحتل مواقع متقدمة في مؤشرات التنمية والأمان وحقوق الإنسان، في تقارير المنظمات الدولية والإقليمية.