عماد‭ ‬بن‭ ‬جاسم‭ ‬البحراني
باحث‭ ‬عُماني‭ ‬في‭ ‬التاريخ

الكتاب‭:‬‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬والحركات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عمان
المؤلف‭:‬‭ ‬رنا‭ ‬بنت‭ ‬حمدان‭ ‬بن‭ ‬سيف‭ ‬الضويانية
الناشر‭: ‬رياض‭ ‬الريس‭ ‬للكتب‭ ‬والنشر‭ -‬بيروت‭ ‬
‭ ‬سنة‭ ‬النشر‭:‬‭ ‬2016م
‭ ‬عدد‭ ‬الصفحات‭: ‬222‭ ‬صفحة
مراجعة‭:‬‭ ‬عماد‭ ‬بن‭ ‬جاسم‭ ‬البحراني‭/ ‬باحث‭ ‬عُماني‭ ‬في‭ ‬التاريخ

‭—————————————‬

يتناول‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬علاقة‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بالحركات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ (‬1954-1968م‭). ‬حيث‭ ‬حددت‭ ‬المؤلفة‭ ‬بداية‭ ‬الدراسة‭ ‬بعام‭ ‬1954م‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬اشتعل‭ ‬فيه‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬وسلطنة‭ ‬مسقط‭ ‬وعُمان‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬هدوء‭ ‬استمرت‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬أعقبت‭ ‬توقيع‭ ‬الطرفين‭ ‬على‭ ‬معاهدة‭ ‬السيب‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام1920م‭.‬

وتتوقف‭ ‬الدراسة‭ ‬عند‭ ‬العام‭ ‬1968م‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬فيها‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬والمنطقة‭ ‬تأخذ‭ ‬مسارًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الناصري،‭ ‬نتيجة‭ ‬للهزيمة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬مصر‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1967م،‭ ‬وتوجه‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬ظفار‭ ‬إلى‭ ‬الاتجاه‭ ‬الماركسي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينادي‭ ‬بها‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬مؤتمر‭ ‬حمرين‭ ‬التي‭ ‬عقدته‭ ‬جبهة‭ ‬تحرير‭ ‬ظفار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1968م‭.‬

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬تسليطه‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الدعم‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬الحركات‭ ‬السياسية‭ ‬العمانية‭ ‬خلال‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬وإيضاح‭ ‬إسهامات‭ ‬الفكر‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬خلال‭ ‬حقبتي‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

يحتوي‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬تمهيد‭ ‬وثلاثة‭ ‬فصول‭ ‬وخاتمة،‭ ‬وقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬الأولية‭ ‬منها‭ ‬الوثائق‭ ‬المنشورة‭ ‬وغير‭ ‬المنشورة،‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬المراجع‭ ‬العربية‭ ‬والأجنبية‭ ‬والمعربة‭ ‬والدوريات‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المقابلات‭ ‬والاتصالات‭ ‬الهاتفية‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬معاصري‭ ‬الأحداث‭.‬

ولكن‭ ‬يلاحظ‭ ‬عدم‭ ‬اعتماد‭ ‬المؤلفة‭ ‬على‭ ‬الوثائق‭ ‬المصرية‭ ‬غير‭ ‬المنشورة‭ ‬المحفوظة‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الوثائق‭ ‬القومية‭ ‬المصرية‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬لدراسة‭ ‬سياسات‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وثورة‭ ‬يوليو‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬الخارجية‭ ‬ومنها‭ ‬بالطبع‭ ‬العلاقة‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬الحركات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭. ‬

يتناول‭ ‬تمهيد‭ ‬الكتاب‭ ‬الأوضاع‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬خصوصًا‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬ظهرت‭ ‬فيه‭ ‬اتجاهات‭ ‬فكرية‭ ‬كالتيار‭ ‬الإصلاحي‭ ‬والتيار‭ ‬الماركسي‭ ‬والتيار‭ ‬القومي‭ ‬إلخ،‭ ‬ومثلت‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬امتداداً‭ ‬للتيارات‭ ‬والأيدولوجيات‭ ‬الفكرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وكان‭ ‬لاكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬أثره‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬فك‭ ‬قيود‭ ‬العزلة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬فيه،‭ ‬حيث‭ ‬فتح‭ ‬النفط‭ ‬الباب‭ ‬لاحتكاك‭ ‬شعوب‭ ‬الخليج‭ ‬بالعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدوم‭ ‬الوافدين‭ ‬العرب‭ ‬والأجانب‭ ‬للعمل‭ ‬فيه،‭ ‬وقد‭ ‬حمل‭ ‬هؤلاء‭ ‬معهم‭ ‬أفكارهم‭ ‬التقدمية‭ ‬والتحررية،‭ ‬وهكذا‭ ‬نمى‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬لدى‭ ‬سكان‭ ‬الخليج،‭ ‬ومهد‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬لإنتشار‭ ‬فكر‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1952م،‭ ‬ونادت‭ ‬بالوحدة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭.‬

تناول‭ ‬الفصل‭ ‬الأول،‭ ‬نشأة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وتعليمه‭ ‬والتحاقه‭ ‬بالقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬ثم‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬فلسطين‭ ‬1948م،‭ ‬وتأسيسه‭ ‬لتنظيم‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬1952م‭ ‬وأنهى‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وأقام‭ ‬الجمهورية‭.‬

ثم‭ ‬تتبعت‭ ‬المؤلفة‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بين‭ ‬محمد‭ ‬نجيب‭ ‬–أول‭ ‬رئيس‭ ‬للجمهورية‭ ‬–‭ ‬والضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬بقيادة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1954م‭ ‬والتي‭ ‬عرفت‭ ‬تاريخياً‭ ‬بأزمة‭ ‬مارس،‭ ‬وانتهت‭ ‬بتولي‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬زعامة‭ ‬مصر،‭ ‬حيث‭ ‬عكف‭ ‬بعدها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬لأجلها‭ ‬الثورة،‭ ‬والأفكار‭ ‬والتوجهات‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬في‭ ‬مخيلته‭ ‬لتحقيق‭ ‬طموحاته‭ ‬للنهوض‭ ‬بمصر،‭ ‬ووحدة‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬وقد‭ ‬وثق‭ ‬أفكاره‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ “‬فلسفة‭ ‬الثورة‭”.‬

تقول‭ ‬المؤلفة‭ ‬في‭ ‬ص70‭:” ‬إن‭ ‬المشروع‭ ‬الناصري‭ ‬القومي‭ ‬استنبط‭ ‬مساره‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬وتاريخه‭ ‬أولاً‭ ‬وما‭ ‬يجمع‭ ‬مصر‭ ‬بشقيقاتها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والقيم‭ ‬والحضارة‭ ‬المشتركة‭”.‬

وبينت‭ ‬المؤلفة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬اهتمام‭ ‬القيادة‭ ‬المصرية‭ ‬بوسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬لتنفيذ‭ ‬سياساتها‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬حيث‭ ‬أيقن‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬أهمية‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬توصيل‭ ‬أفكاره‭ ‬ونظرياته‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬كافة‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بثها‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الجماهيري‭ ‬كالصحافة‭ ‬والإذاعة‭ (‬صوت‭ ‬العرب‭) ‬ولاحقا‭ ‬التلفاز‭.‬

وفي‭ ‬اطار‭ ‬اهتمامها‭ ‬بالقضايا‭ ‬القومية،‭ ‬فقد‭ ‬حظيت‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬باهتمام‭ ‬الاعلام‭ ‬المصري،‭ ‬حيث‭ ‬نقلت‭ ‬الصحف‭ ‬المصرية‭ ‬كالأهرام‭ ‬والجمهورية‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬العمانية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬والسلطنة‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬وساهمت‭ ‬إذاعة‭ ‬صوت‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬المستمعين‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بالتطورات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬آنذاك‭. ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬أنها‭ ‬أي‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المصرية‭ ‬قد‭ ‬ساندت‭ ‬الإمامة‭ ‬ضد‭ ‬السلطنة‭ ‬تماشياً‭ ‬مع‭ ‬توجهات‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭.‬

وتطرق‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬إلى‭ ‬الأوضاع‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬بين‭ ‬عاميّ‭ (‬1954‭ -‬1959م‭)‬،‭ ‬والصراع‭ ‬الدائر‭ ‬حينها‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬والسلطنة،‭ ‬ومساندة‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬لإمامة‭ ‬عمان‭. ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬التأييد‭ ‬المصري‭ ‬للإمامة‭ ‬بعد‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬طالب‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬الهنائي‭ ‬شقيق‭ ‬الإمام‭ ‬غالب‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1954م،‭ ‬وطلبه‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭. ‬وقد‭ ‬نجحت‭ ‬الإمامة‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬ود‭ ‬النظام‭ ‬الناصري‭ ‬وحصلت‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬لقضيتها‭.‬

وتعتبر‭ ‬المؤلفة‭ ‬أن‭ ‬الإمامة‭ ‬قد‭ ‬تأثرت‭ ‬بشعارات‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬والمفاهيم‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬نادت‭ ‬بها،‭ ‬واستشهدت‭ ‬بالبيانات‭ ‬التي‭ ‬صاغتها‭ ‬مكاتب‭ ‬الإمامة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬لوصف‭ ‬الوضع‭ ‬العماني،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التأثر‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬ذكرته‭ ‬المؤلفة‭-‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دقيقاً‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬بل‭ ‬اقتضته‭ ‬ظروف‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬ومصلحة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الطرفين،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الإمامة‭ ‬كانت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬والمساعدة‭ ‬المصرية‭ ‬لتواصل‭ ‬نضالها‭ ‬وتستعيد‭ ‬ما‭ ‬فقدته‭ ‬في‭ ‬معاركها‭ ‬مع‭ ‬السلطنة،‭ ‬أما‭ ‬مصر‭ ‬فكانت‭ ‬تساند‭ ‬الإمامة‭ ‬ضمن‭ ‬سياستها‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬مناهضة‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

فمن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬نقاط‭ ‬اختلاف‭ ‬عديدة‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬العمانية‭ ‬كنظام‭ ‬والنظام‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬فمبادئ‭ ‬الإمامة‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭  ‬مبادئ‭ ‬القومية،‭ ‬وكان‭ ‬النظام‭ ‬الناصري‭ ‬يعتبر‭ ‬الأنظمة‭ ‬الملكية‭ ‬الوراثية‭ ‬أنظمة‭ ‬رجعية،‭ ‬ويدعم‭ ‬قيام‭ ‬أنظمة‭ ‬ثورية‭ ‬جمهورية‭ ‬تقدمية‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وموقفه‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬الإمامة‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬ومساندته‭ ‬لثورة‭ ‬1962م‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬بالإمامة‭ ‬وأقامت‭ ‬الجمهورية‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬أبلغ‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

أما‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬فقد‭ ‬ناقش‭ ‬القضية‭ ‬العمانية‭ ‬والدور‭ ‬المصري‭ ‬المساند‭ ‬لهذه‭ ‬القضية‭. ‬تقول‭ ‬المؤلفة‭ ‬في‭ ‬ص137‭:” ‬عُدت‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬الأم‭ ‬الداعمة‭ ‬لحركات‭ ‬المقاومة‭ ‬العربية‭ ‬والقوى‭ ‬السياسية‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وضد‭ ‬التدخل‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬العرب‭”. ‬وتضيف‭:” ‬فالفكر‭ ‬الناصري‭ ‬له‭ ‬مبادئه‭ ‬وأسسه‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلال‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬وما‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬إلا‭ ‬تحقيق‭ ‬لما‭ ‬آمن‭ ‬به‭ ‬الناصريون‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭”.    

لكن‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬1967م‭ ‬أثرت‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬المصري‭ ‬المقدم‭ ‬لحركات‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬عمان،‭ ‬كما‭ ‬أثرت‭ ‬على‭ ‬دعمها‭ ‬لبقية‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ودول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬حيث‭ ‬فقدت‭ ‬مصر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬ونفوذها‭ ‬السياسي،‭ ‬وتعرض‭ ‬اقتصادها‭ ‬لهزة‭ ‬عنيفة‭ ‬نتيجة‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وتراجع‭ ‬تيار‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1967م‭ ‬وبرزت‭ ‬التيارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬واليسارية‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭.‬

وفي‭ ‬خاتمة‭ ‬الكتاب‭ ‬لخصت‭ ‬المؤلفة‭ ‬أهم‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬توصلت‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراستها‭ ‬هذه،‭ ‬حيث‭ ‬بينت‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬قد‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬وكشفت‭ ‬أن‭ ‬فكر‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يجذب‭ ‬إليه‭ ‬أنصار‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬

وبينت‭ ‬خلفيات‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائمًا‭ ‬بين‭ ‬الإمامة‭ ‬والسلطنة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ (‬1954-1959م‭)‬،‭ ‬والأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬ثم‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬للأزمة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1959م‭ ‬واخضاع‭ ‬مناطق‭ ‬الإمامة‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬عمان‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭.‬

كما‭ ‬أظهرت‭ ‬الدراسة‭ ‬تمييع‭ ‬القضية‭ ‬العمانية‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬اجراء‭ ‬واضح‭ ‬وحاسم‭ ‬لها،‭ ‬وأوضحت‭ ‬الدعم‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬للحركات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬تحديداً‭ ‬حركة‭ ‬الإمامة‭ ‬وجبهة‭ ‬تحرير‭ ‬ظفار‭.‬
وأشارت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬التيارات‭ ‬الفكرية‭ ‬وتوجهاتها‭ ‬القومية‭ ‬إلى‭ ‬أيدولوجيات‭ ‬جديدة‭ ‬منها‭ ‬الماركسية‭.‬

ختاما،‭ ‬يعد‭ ‬كتاب‭ “‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬والحركات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عمان‭” ‬أول‭ ‬كتاب‭ ‬يتناول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬كدراسة‭ ‬أكاديمية‭ ‬منفردة،‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬ماجستير‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬حازت‭ ‬عليها‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بسلطنة‭ ‬عمان‭ ‬عام‭ ‬2014م،‭ ‬وفي‭ ‬انتظار‭ ‬ظهور‭ ‬دراسات‭ ‬أكاديمية‭ ‬أخرى‭ ‬تميط‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الحرجة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العرب‭ ‬المعاصر،‭ ‬وتكشف‭ ‬لنا‭ ‬أسرار‭ ‬وحقائق‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬لسنوات‭ ‬عنا‭.‬

550 total views, 2 views today