ياسمين‭ ‬حسن‭ ‬أحمد‭ ‬اللواتية


تسللت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬الذهبية‭ ‬الدافئة‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الصباح‭ ‬من‭ ‬شق‭ ‬ستار‭ ‬الغرفة‭ ‬لتنعكس‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬مكتبي‭ ‬الأبيض‭ ‬ودفتر‭ ‬مذكراتي‭ ‬الصغير‭ ‬وقلمي‭ ‬الرصاص‭ ‬بجانبه،‭ ‬فأنارت‭ ‬صفحات‭ ‬الدفتر‭ ‬والسطور‭ ‬المخطوطة‭ ‬عليها،‭ ‬وامتزجت‭ ‬رائحة‭ ‬القهوة‭ ‬الساخنة‭ ‬من‭ ‬الكوب‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬بعبق‭ ‬الأوراق‭ ‬والكتب‭ ‬القديمة‭ ‬الموضوعة‭ ‬على‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبة،‭ ‬بينما‭ ‬جلست‭ ‬أنا‭ ‬أتأمل‭ ‬الدفتر‭ ‬والقلم‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬وقد‭ ‬لفّني‭ ‬ذلك‭ ‬الضوء‭ ‬الذهبي‭ ‬الساحر‭ ‬الذي‭ ‬غطى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬غرفتي،‭ ‬صابغاً‭ ‬الجدران‭ ‬ذات‭ ‬نمط‭ ‬الرقائق‭ ‬الثلجية‭ ‬لؤلؤية‭ ‬اللون‭ ‬والأرضية‭ ‬الخشبية‭ ‬تعلوها‭ ‬سجادة‭ ‬مزركشة،‭ ‬ومكتبي‭ ‬الأبيض‭ ‬الذي‭ ‬جلست‭ ‬عليه‭ ‬محاطة‭ ‬بكتبي‭ ‬ودفاتري‭ ‬وأقلامي‭.‬

‭ ‬خيم‭ ‬على‭ ‬الغرفة‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬والدفء‭ ‬والجمال‭ ‬بينما‭ ‬استعدت‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬القديمة‭ ‬العزيزة،‭ ‬مستحضرة‭ ‬إياها‭ ‬بكامل‭ ‬جمالها‭ ‬وهي‭ ‬تُعاد‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬وكأنها‭ ‬شريط‭ ‬مسجل‭ ‬قديم،‭ ‬فاستوقفني‭ ‬مشهد‭ ‬معين‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬وقع‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي،‭ ‬مشهد‭ ‬امتاز‭ ‬بجمال‭ ‬خاص،‭ ‬منظر‭ ‬يسرق‭ ‬الأنفاس‭ ‬وينسل‭ ‬إلى‭ ‬القلوب‭ ‬ليخلد‭ ‬فيها‭. ‬بدأت‭ ‬الكلمات‭ ‬حينها‭ ‬تنكبّ‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬كهطول‭ ‬المطر،‭ ‬فأنزلت‭ ‬قلمي‭ ‬وهممت‭ ‬أكتب‭.‬

‭*****‬

انبسط‭ ‬المنظر‭ ‬أمامي‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الجانبين‭ ‬وكأنه‭ ‬لوحة‭ ‬فنية‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬الجمال،‭ ‬وامتد‭ ‬حولي‭ ‬ليضمني‭ ‬بسحره‭ ‬السريالي‭ ‬كلحاف‭ ‬من‭ ‬الروعة‭ ‬والبهاء‭. ‬توسط‭ ‬المنظر‭ ‬جرف‭ ‬جبلي‭ ‬ضخم‭ ‬ذو‭ ‬صخور‭ ‬بنية‭ ‬داكنة،‭ ‬بينما‭ ‬امتد‭ ‬الساحل‭ ‬المستوي‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬وعلا‭ ‬صوت‭ ‬أمواج‭ ‬البحر‭ ‬العاتية‭ ‬الغاضبة‭ ‬وهي‭ ‬تتضارب‭ ‬على‭ ‬صخور‭ ‬المنحدر‭ ‬بقوة‭ ‬وشراسة‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬زيارتي‭ ‬الثانية‭ ‬لساحل‭ ‬المغسيل‭ ‬في‭ ‬صلالة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬العجيب‭ ‬لم‭ ‬ينقص‭ ‬من‭ ‬جماله‭ ‬مقدار‭ ‬ذرة،‭ ‬بل‭ ‬استكمل‭ ‬كونه‭ ‬خلاباً‭ ‬يستوقف‭ ‬القلوب‭.‬

‭ ‬أخذت‭ ‬نَفَساً‭ ‬عميقاً‭ ‬واستنشقت‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭ ‬الممزوجة‭ ‬برطوبة‭ ‬الهواء،‭ ‬وهبت‭ ‬نسائم‭ ‬البحر‭ ‬اللطيفة‭ ‬صوبنا،‭ ‬فنظرت‭ ‬للسماء‭ ‬لأتأمل‭ ‬ذلك‭ ‬المنظر‭ ‬الملائكي،‭ ‬منظر‭ ‬الغيوم‭ ‬المتلبدة‭ ‬الثقيلة‭ ‬تلامس‭ ‬أعالي‭ ‬الصخور‭ ‬وأشعة‭ ‬الشمس‭ ‬العَصرية‭ ‬تخترق‭ ‬شقوقها‭ ‬لتهبط‭ ‬للبحر‭ ‬وإلينا‭ ‬وكأنها‭ ‬أنوار‭ ‬ملائكية،‭ ‬أو‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬السلالم‭ ‬تقود‭ ‬ناظريها‭ ‬إلى‭ ‬جنة‭ ‬خالدة‭ ‬سرمدية‭. ‬

أما‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬جنبي‭ ‬فكان‭ ‬واسعاً‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف‭ ‬ممتداً‭ ‬إلى‭ ‬الأفق،‭ ‬فاختلطت‭ ‬مياهه‭ ‬الزرقاء‭ ‬المتدافرة‭ ‬بالزبد‭ ‬الأبيض‭ ‬لتكون‭ ‬سطحاً‭ ‬زبرجدياً‭ ‬يلمع‭ ‬كسطح‭ ‬الرخام،‭ ‬فبات‭ ‬يحكي‭ ‬بأمواجه‭ ‬قصص‭ ‬الأزل‭.‬

خُيّْلَ‭ ‬إلي‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لروح‭ ‬البحر‭ ‬هيئة‭ ‬إنسان‭ ‬لكانت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬حورية‭ ‬عظيمة‭ ‬حسناء‭ ‬ينسدل‭ ‬شعرها‭ ‬الداكن‭ ‬على‭ ‬كتفيها‭ ‬الناصعين‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬للسماء‭ ‬والجبال‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬وتضرب‭ ‬بأمواجها‭ ‬على‭ ‬الصخور،‭ ‬ساردة‭ ‬لمستمعيها‭ ‬قصص‭ ‬الدهر‭ ‬وأسرار‭ ‬الزمن‭.‬

650 total views, 2 views today