IMG_1003

أمامة مصطفى اللواتي

مُقدِّمة
إلى أيِّ مَدَى أصبح العالم هَجِيْنا من حَوْلنا؟ هل أصبح العالم قرية صغيرة أم مجموعة جُزر مُنفصلة؟ هل بقيتْ من الثقافات الأصيلة ثقافات لم تتداخل مع غيرها؟ وهل ما زلنا شاهدِيْن على عصر تصْمُد فيه الأعراق البشرية النقية؟ هل يُمكن فصل التكنولوجيا عن الإنسان؟ وهل يُمكن أن نتوغَّل أكثر في دائرة الأسئلة لنسأل: هل سنُصبح جميعًا في مُستقبلنا القريب كائنات “سايبورغية”، تجاوزتْ مسألة الإنسان الهجين -هذا الكائن المختلط والمتمازج ثقافيًّا وعرقيًّا وجغرافيًّا، والسائر على بحر تكنولوجي- لنُصبح في نهاية هذا التمازج خليطًا بشري-تكنولوجي؟

تُشير الكاتبة أماني أبو رحمة في مقالٍ لها عن مفهوم “السايبورغ” إلى أنه “كائنٌ معرفي هجين من الآلة والكائن الحي، ومخلوقٌ من الواقع الاجتماعي ومن الخيال أيضا. فهذا الإنسان الذي نعرفه اليوم لم يعُد بشريًّا فحسب، بل تمازج مع التكنولوجيا إلى حدٍّ أصبحتْ فيه التكنولوجيا جزءاً من السمات البشرية. وبالتالي فإن “السايبورغ” يُمثِّل تلك العلاقة المتداخلة والمعقَّدة بين الإنسان والآلة، ويعكسُ دَوْر التكنولوجيا في التغيير الاجتماعي. ويعود إلى الباحثة دونا هاراوي في العام 1985 الفضل في توظيف مصطلح “السايبورغ”؛ من أجل وضع نظرية كانت تركز فيها أساساً على توظيف هذا المصطلح؛ من أجل بناء حركة نسوية هدفها التحرُّك خارج الثنائيات والقيود التقليدية بين الجنسين.

وما يهمُّنا مناقشته هنا هو مفهوم “السايبورغ”؛ الذي يعكسُ تلك العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ودور التكنولوجيا في التغيير الاجتماعي، وإلى أي مدى تقوم التكنولوجيا أو لا تقوم بإحداث هذه التغييرات الاجتماعية. وكما تقول الباحثة (Alana)، فإنَّ لكل باحث أسبابه ومرتكزاته، ومن الصعب أن نأتي بإثباتات أكيدة لكل جانب، ولكن من المهم ألا نقوم بالتعميم بشكل واسع.

وسأركز في هذا المقال على مُناقشة هذه الفكرة كما قامت بمناقشتها الباحثة (Alana)، في مقال لها عن “بيان السايبورغ” الذي صاغته دونا هاراوي، والأفكار التي طرحتها بشكل مُوجز. ثم سأتطرق لنظرية الحتمية التكنولوجية وهي النظرية التي فُتح النقاش فيها مُجددا بسبب نظرية “السايبورغ” آنفة الذكر.

وتَرَى الباحثة (Alana) أنَّه قد تغيَّر الكثيرُ منذ أن أصدرت دونا هاراوي كتابها الذي وصفتْ فيه تلك الشبكات الجديدة المحيطة بنا، والتي حلت محل الأنظمة أو البنى التقليدية في ممارسات الهيمنة والسيطرة على المجتمع. فقد أدَّت التكنولوجيا إلى إحداث نوع من التغيرات في مواقع القوى التقليدية هذه. وتضم هذه الشبكات الجديدة وسائل مثل: تحديد السكان، والإمبريالية الجديدة، وهندسة الاتصالات. وتؤكِّد هاراوي على أننا بدلا من النظر إلى هذه الوسائل كأدوات للسيطرة أو الهيمنة، أو أدوات حتمية لابد منها، فإنه ربما علينا أن نقوم بإيجاد مصادر القوة في هذه الشبكات الجديدة لصالحنا.

وهكذا بدلا من رؤية حياتنا محكومة ومسيَّرة من قبل التكنولوجيا التي هي خارج سيطرتنا، نحن بحاجة إلى رؤية مصادر القوة في التكنولوجيا واستخدامها بطريقة خلَّاقة وبشكل يقود للفعل السياسي. وتؤكد هاراوي على ضرورة الفعل أو الحراك السياسي كمطلب رئيسي للنجاة من مظاهر السيطرة في العالم، خاصة في الولايات المتحدة بعد حروبها المتتالية على العراق وأفغانستان، ومع الأزمات الاقتصادية المتزايدة.

وتُناقش الباحثة هنا من وجهة نظر ماركسية -وبشكل موازٍ لفكرة هاراوي نفسها- أنَّ جزءًا واضحاً من الهيمنة المعلوماتية قد بدأ بالتشكُّل؛ فعددٌ متزايد من السكان في الدول الصناعية قد عاش نوعًا من الحرمان المدني والاجتماعي تحت الرأسمالية، ولكن في الوقت نفسه يملك هؤلاء وسائل وأدوات تؤهِّلهم لاستخدام التكنولوجيا المتقدِّمة، وهم بذلك يقومون بتطوير وبلورة شبكاتهم التكنولوجية الخاصة التي قد تكون مخفية، وهي كما تسميها الباحثة: المُعارضة المعلوماتية (Information of dissent).

إذاً، ترى هاراوي أنَّ جذور السيطرة موجودة في العلوم والتكنولوجيا، أو ما تُسمِّيه بـ”المعلوماتية”، وقد كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من أوائل الذين أكدوا -بأبحاثهم الميدانية والتحليلية- أنَّ مُمارسة السيطرة عبر إدارة المعلومات أصبحتْ أدوات لا غِنَى عنها لمؤسسات وتنظيمات مختلفة كالحكومات والمصانع والمستشفيات والمدارس والسجون والكنائس، ضمن إطار قانوني يعمل على تقوية العلاقات الاجتماعية للسلطة؛ فكلُّ شيء خاضعٌ للسلطة والقوانين.

الهدفُ من رؤية هاراوي ليس إعادة تصنيف كل شيء والعيش في فوضى المسلمات والتشكيك في الطريقة التي يجري بها القانون أو في الطريقة التي تجري بها الأمور على نحو معين في المجتمع؛ فهذا كفيل بضياعنا، ولكن فقط للانتباه بأنَّ الحدود بين الأشياء والقوانين تم وضعها مع أجندات مُسبقة؛ وبالتالي قد نحتاج في مرحلة ما إلى إعادة رسم الحدود بين الأشياء، وإعادة رسم هذه الحدود -كما ترى هارواي- متجذرٌ في الفعل السياسي.

وما يُخِيْف حقيقة في نظرية هاراوي هو تلك الحدود التي قد تنتهك بين عالمين أو محورين. فحين تصف دونا هاراوي “السايبورغ” بأنَّه كائن يجمع بين العضوي والآلة، بين الخيال والحقيقة، فإننا نفكر مثلا بشخص يجمع بين سمات عالميْن: العالم العضوي الطبيعي الحقيقي، وبين العالم الآلي والصناعي وما هو خيالي قبل أن يتم إيجاده. ولكن ماذا سيحدث لو أنَّ هذه الحدود بين العالميْن الطبيعي والصناعي أصبحت ضبابية، وأصبح من الصعب أن نفرِّق بين ما يُميِّزنا كبشر وما يميز الآلة من سمات؟ هل سنجد أنفسنا أمام نقاش حول إذا ما كان الأمر الطبيعي والذي نعتبره من المسلمات أمراً لم يعد كذلك بعد الآن؛ وبالتالي إعادة التفكير في كل تلك الأشياء التي حسبناها يوماً من المسلمات؟ هل يُمكن هنا أن نصل إلى النتيجة التي توصَّلت إليها الباحثة وهي إذا كانت الحقائق أو الواقع الاجتماعي مبنيًّا -جزئيًّا- على الخبرات الحقيقية، فإنَّ جزءًا من هذه الخبرات سيتضمَّن أيضًا ما هو خيالي وصناعي، وكل تلك الأمور التي لم تكن يومًا من الواقع والمسلمات، وأصبحت تجري بشكل اعتيادي تماما؟!

وتُورِد الباحثة في مقالها مِثَالا مُهمًّا على صعيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ فمشاركة الملفات الموسيقية -مثلا- على وسائل التواصل أدت إلى مُناقشات كثيرة حول حقوق هذه المشاركة وحقوق الملكية الفكرية، والنواحي الاقتصادية والقانونية، ولكن الناس بدأوا بالتقليل من جدوى هذه القوانين التي وُضعت أساسا لحماية أعمالهم وإنتاجاتهم، مما هدَّد بالذات المشرِّعين والاقتصاديين، وأدَّى إلى نوع من الارتباك في اقتصاد الإنتاج الإعلامي في مجال صناعة الموسيقى، لكنه مهَّد السبيل لما تُسمِّيه الباحثة بـ”الثورة العاقلة”؛ حيث قام مجموعة من الكُتَّاب والمصوِّرين والفنانين ومُنتجي الأفلام المعروفين والمحترمين بمشاركة أعمالهم مجانًا على الإنترنت. وهذا طبعا أدَّى إلى إمكانية الوصول لأدوات إنتاج أقل تكلفة، ومهَّد “التوزيع على الإنترنت” الطريقَ لقطاع آخر من الناس العاديين، مانحًا إيَّاهم امتيازَ نشر أعمالهم، وتحقيق الشهرة بعد أن كان ذلك وقفا على المحترفين. وثمَّة نقاش يدُوْر منذ فترة مثلا عن “المواطن الصحفي”؛ حيث أصبح المواطنون العاديون قادرين بما يملكونه من أجهزة وبرامج التصوير من مُنافسة الصحفيين المحترفين في تغطية الأحداث؛ مما تسبَّب في نوع من الإرباك حول الخطوط والمعايير التي بموجبها نصنف الصحفي عن غير الصحفي.

عندما بدأ مصطلح “الفضاء الافتراضي” بالظهور (cyberspace) في نهاية العام 1995، كانت الحياة والأنشطة الإلكترونية تُعتبر للكثير افتراضية، ومجرد محاكاة للحياة الاجتماعية وليست هي الحياة الواقعية. كان التخوُّف وقتها من تأثير هذه الوسائل في تحويل الناس إلى كائنات منعزلة، في الوقت الذي كانت توفر لنا فيه وسائل وطرق جديدة للتواصل مع أشخاص من أماكن شتى لم نكن نعتقد أننا سنلتقي بهم يوما في الحياة الواقعية. ما يحدث الآن يقلب كل هذه المعادلات؛ فالجيل الحالي والأجيال القادمة نشأت وتم فِطَامها على الإنترنت، وقد اختبرت هذا الانفجار المعرفي في أدوات الشبكة الاجتماعية ووسائلها عبر وسائل تم تصميمها خصيصَا لتقوية أو لتحسين الاتصال والعلاقات بين الناس.

وتقوم التكنولوجيا -كما ترى الباحثة- بإعادة رسم وتحديد علاقات القوة، كإمكانية تنظيم الاحتجاجات والأنشطة السياسية مثلا على الفيسبوك؛ وبالتالي ترى الباحثة أن هذه الأدوات هو ما نحتاجه حينما قالت هاراوي إنَّ “التكنولوجيا والعلوم وفَّرتْ مصادرَ جديدة لممارسة القوة، وأننا بحاجة إلى مصادر مُتجدِّدة للتحليل والتحرُّك السياسي”. والأدوات التي توظِّفها الشبكات الاجتماعية -كما ترى الباحثة- أصبحتْ تخترق الحدود، بل وتقوم بإعادة رسمها. والأهم من ذلك أنَّ هذه الشبكات أصبحتْ تعتمدُ على هذا الجيل الذي تمَّت تنشئته على التعامل مع الشبكات الاجتماعية دون تخوُّف من التكنولوجيا والعلوم مع تميُّزه بالمرونة والقدرة على الحركة، وتبنِّي الجديد في العالم الافتراضي والواقعي، مع تماهي الحدود التي كانت تفصل سابقا بين شريحتين: المصمم والزبون.

وبنهاية هذا الجزء، نصل إلى طرح سُؤال مُهم: هل تقوم التكنولوجيا بكل تأثيراتها بإعادة تحديد ورسم حياتنا واحتياجاتنا؟ وهل نحن في النهاية مسيَّرون تكنولوجيًّا؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لابد أن نلقي نظرة على نظرية الحتمية التكنولوجية، وربما حتمية وسائل الاتصال. وتُعدُّ هذه النظرية من أشهر النظريات التي تناولتْ العلاقة ما بين التكنولوجيا والمجتمع. وجزء مُهم من هذه النظرية -كما أرى- يتركز في إيمان كارل ماركس بالحتمية الاقتصادية أساسًا، وما يتبعه ذلك من حتمية تكنولوجية، وبأنَّ التنظيم الاقتصادي للمجتمع يُشكل جانبا أساسيًّا من جوانب حياته، وأنَّ الاقتصاد هو من يُحرِّك التكنولوجيا، أي أنَّ الجانب الاقتصادي هو المسؤول عن إحداث هذه التأثيرات الكبرى، وأجدني أتفق مع وجهة نظر كارل ماركس هنا، رغم تداعي الاهتمام بنظريات ماركس في علم اجتماع التكنولوجيا لحساب نظريات أخرى.

نظرية الحتمية التي تقودها التكنولوجيا
تُعدُّ نظرية الحتمية التكنولوجية، أو الحتمية الإعلامية، من أشهر النظريات التي تناولت العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع. ويجبُ الالتفات إلى أنَّ مصطلح “الحتمية” -حسب الباحثين وعلماء الاجتماع- تمَّ استخدامه ليعني شيئا سلبيا. ترى هذه النظرية أن التكنولوجيا هي المحرك الرئيسي في التاريخ. ويُعرف هذا اقتصاديًّا بمصطلح “الدفع الإلكتروني”. وحسب هذه النظرية، فإنَّ أنواعًا مُحدَّدة من التطورات التكنولوجية -مثل: تكنولوجيا الاتصالات، أو وسائل الإعلام بصفة عامة- هي المحرِّك الرئيس أو الوحيد للتغييرات في المجتمع؛ وبالتالي لابد من اعتبارها شرطا أساسيا كامنا وراء أنماط التنظيم الاجتماعي.

ويَرَى الحتميون -وهم مَنْ يعتقدون بالدور المحوري للتكنولوجيا- أنَّ وسائل الاتصال بشكل خاص كالتلفاز والكتابة والحاسوب…إلخ، والتكنولوجيا بشكل عام، هي التي أدَّت إلى تغييرات جذرية في المجتمع في الماضي والحاضر والمستقبل، وأنَّ هذه التكنولوجيا الحديثة تلعب دورًا في التغيير في كلِّ مُستوى من مُستويات المجتمع بما فيها المؤسسات، إلى التفاعل الاجتماعي بين الأفراد. كما يَرَون أنَّ العوامل البشرية والترتيبات الاجتماعية تلعب دورا ثانيا بعدها. ومن أشهر المنظِّرين والمؤيدين لهذه النظرية: العالم مارشال ماكلوهان صاحب النظرية المشهورة بأنَّ العالم بات قرية صغيرة.

وتكمُن مُشكلة هذه النظرية -كما يرى الباحثون- في تركيزها على تأثير عامل واحد، أو سبب واحد، وتجاهل الأسباب الأخرى. وقد يكون ذلك مقبولا في العلوم الطبيعية، ولكن في العلوم الاجتماعية توجد في الغالب أسباب مُتعدِّدة وراء التغييرات الاجتماعية؛ لذلك نجد رفضا من أنصار النظرية الشمولية لهذا الرأي، على أساس أنه ليس هناك سبب واحد مستقل لتفسير الظواهر، كما يرفض الفيلسوف المعروف ميشيل فوكو أن يكون لعامل محدد هذا التأثير في تحديد طبيعة المجتمع.

وقد يرى البعضُ أنَّ التكنولوجيا حيادية، وقبل أن نتوسَّع في مُناقشة ذلك، نركز على عبارة نكتبها ربما من غير وعي وهي استخدامنا لمصطلحات وكلمات تُضفي على التكنولوجيا سمات بشرية كما فعلتُ تماما في بداية هذه الجملة. وبشكل عام، يحاول الباحثون وَصْف التكنولوجيا بأنَّها حيادية مثلا، أو كونها قوة مُسيطرة أو ضحية وخاضعة لطرف آخر. ونجد أنَّ أفلام الخيال العلمي الأمريكية مثلا ذهبتْ بعيدا في ذلك، حين جعلتْ التكنولوجيا تخترق حدودها وتسيطر على الإنسان وتتحكم في العالم، أي أنَّ التكنولوجيا بلغتْ في هذه السيناريوهات درجة من الذكاء والقوة والقدرة على إدارة العالم دون حاجة للإنسان الذي صنعها. وهذا دفع البعض إلى وصف التكنولوجيا بأنَّها لا تحملُ قيمًا في حدِّ ذاتها؛ فهي بالتالي مُحايدة وتتوقف إيجابيتها أو سلبيتها على استخداماته، ولكن هناك من الباحثين من رأى أن التكنولوجيا غير محايدة؛ لأنها هي التي تدفعنا أحيانا إلى الاستخدام السيئ لها؛ فمن يصنع الأسلحة المتطوِّرة مثلا يرغب حتما في تجربتها ومعرفة فعاليتها. ويرى عالم الاجتماع الفرنسي جاك إيلول (Jacques Ellul) أنَّه لا يُمكن وصف التكنولوجيا بأنها جيدة أو سيئة أو منحازة، بل إنَّ الإنسان يُصبح مجبورا على الالتزام بشروط هذه التكنولوجيا التي تتضمَّن الجوانب الإيجابية والسلبية معا؛ وبالتالي يجب القبول بالوجهين المتناقضين معا.

ويُشير ونستون تشرشل إلى أنَّ الإنسان قام في البداية بتشكيل المباني التي يعيش فيها بالفعل، ولكن لاحقا فإنَّ هذه المباني هي من قامت بتشكيل هذا الإنسان. فرغم أنَّ الحاجة هي التي دفعت الإنسان إلى الاختراعات الحديثة، إلا أنَّ خلق الإنسان لها جعله أسيرًا لها في نهاية الأمر؛ مما أدى بالإنسان إلى أن يفقد العديد من المهارات الحياتية التي كان يُدركها الإنسان القديم مثلا، والتي اضمحلَّتْ مع تنامي الاعتماد على التكنولوجيا. وقد رأى مارشال ماكلوهان أنَّ وسائل الاتصال الإلكترونية غيَّرت توزيع الإدراك الحسي -أو كما يسميه “نسب استخدام الحواس”- مما غيَّر أو عدَّل من تصرفاتنا وطريقة تفكيرنا وإدراكنا للعالم من حولنا. والقرية العالمية التي تنبأ بها ماكلوهان، والتي تحققت بفعل التكنولوجيا الحديثة، قد جعلتنا أكثر إدراكا لما حولنا، وأكثر تمكنا من الاتصال بالآخرين، لكنها حوَّلتنا إلى جُزر منفصلة وربما أكثر انعزالا. وتُشير الباحثة أماني أبو رحمة إلى أنَّه ليس فقط تصرفاتنا ورؤيتنا للعالم هي التي تغيَّرت بفعل التكنولوجيا، بل وكما يَرَى عالم الاجتماع الأمريكي ستيجبان مستروفيك أنَّه حتى مشاعرنا وعواطفنا أصبحتْ مُوجَّهة ولا تلقائية؛ فالمشاعر أصبحتْ مُفبركة مُفتعلة، وفقدتْ أصالتها، خاصَّة في وسائل التواصل والاتصال الجماعي، والاعتماد المتزايد على الصورة.

وفي الختام.. يُمكن التأكيد على أنَّ هُناك تياراً وسطاً يعتقد بالحتمية التكنولوجية ووسائل الإعلام في تشكيل المجتمع، ولكن في ضَوْء علاقته بعوامل وتأثيرات أخرى، وليس كما ذهب الحتميون الأوائل في نسب الأسباب كلها إلى التكنولوجيا فقط؛ فمثلا لا يُمكن الادعاء بأنَّ ألعاب الفيديو هي السبب الوحيد الذي يُغذِّي السلوكَ العنيف لدى الطفل، ولابد من البحث عن العلاقات الأخرى كالتغذية والعلاقة مع الوالدين والأقران…وغيرها من العوامل؛ وبالتالي فلابد من استحضار العلاقات الثانوية في هذا السياق، وارتباطها بمصادر القوة الأخرى.

——————————————

الهوامش:
1- أماني أبو رحمة. أفق يتباعد: من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة. نينوى للدراسات والنشر والتوزيع: دمشق 2014.
2- Smith,Alana . “The politics of participation: revising Donna Haraway’s “A Cyborg Manifesto” in a social networking context”. ANAMESA: an Interdisciplinary Journal. Volume 7, Fall 2009.
3- Paraga, Fernando & Lin, Trisha. ” Organizing and reframing technological determinism” . New Media and society, 1-19, 2014.

1,664 total views, 5 views today