RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

احتَفَلتْ مجلَّتكُم الفتيَّة بكُتَّابها الكِرَام، والذِيْن كَانُوا السَّببَ الرئيسيَّ في ضخِّ الوقودِ العلميِّ والمعرفيِّ إلى عُقُوْلِنا، وكذلك بدَاعِمِيْهَا الذِيْن وَقَفُوا مَعَ أهدافِ المجلَّة طِيْلة السَّنوات الثلاثَة من عُمْرِها. وَكَانَتْ لرَئِيْس التَّحْرِير مُدَاخَلَة بَسِيْطة فِي هَذَا الحَفْل نَضَعُها بَيْن أيدي قرَّائِنَا الكِرَام:

—————————————————-

رُقي الأمم وتقدُّمِها الحَضَاري يَتَناسبُ طرديًّا مع إبْدَاع عُلمائها ومُفكِّريها في مُختلَف الأوجه الثقافيَّة، ولن تَخمد شُعلةُ تلك الأمة التي لا يزال عُلماؤها ومُفكِّروها يبذلون الوسع فِي مدِّ هَذِه الشُّعلة بالوقودِ العلميِّ، والثقافيِّ، والمعرفيِّ. وهَذَا هوَ الدَّرسُ الأساسيُّ الذي نتعلَّمه عِند قرَّاءتنا للتاريخِ الفكريِّ للأمَم؛ سواءً تاريخَ الأمم القديمة من اليونانيين، أو أمَم العصورِ المتأخِّرة. فلا يُذكر الإبداعُ الفكريُّ اليونانيُّ إلا ويُذكر سُقراط، وأفلاطون، وأرسطو. ولا يُحدِّثنا التاريخ كثيراً عن حَيَاتهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة إلا عَابراً، وهذا بحدِّ ذاته دليلٌ على أنَّ بَقاء الأمَم ببقاءِ عُلَمائها وإنتاجهم الفكريِّ والعلميِّ.
لَا أقفُ هُنَا، وبَيْن يَدَي أساتذتي وإخواني من المثقَّفين المبدعين والمتخصِّصين في مُختلف الجوانب العلميَّة والأكاديميَّة مُحَاضِراً، ولكنَّنِي أقفُ هُنا مُتسائلا: ماذا يَنْبَغِي أنْ يَكُوْن دَوْر المثقَّف في زَمَن العولمة؟ وباستقراء المسمَّيات التي أُعْطِيَت للمثقف في الحياةِ الفكريَّة والاجتماعيَّة الغربيَّة، نجد أنَّها أخذتْ مَنَاحِيَ ثلاثة؛ فكان يُعْرَف المثقَّف بالأديب (حسب الترجمة العربيَّة لمصطلح “man of letters”)، وهذا عندما برزتْ الأقلام الأدبيَّة في الفترة الرومانسيَّة؛ أمثال: ميلتون، وكولريدج، وكيتس، وعلى رأسهم: شكسبير. وَمِن ثمَّ تغيَّر المسمَّى، وبدأ ما يُعْرَف بالمثقف العام “Public Intellectual”، وأَصْبحَت هَذِه التسمية حاضرةً طَوَال هذا القرن؛ حَيْث دَخَلت في تجاذباتِ التعاريف وتأطير الاستخدام.
وَعِنْد دُخُوْل الكِيَانات المؤسَّسيَّة الكبيرة، وتوغُّلِها فِي الحَيَاة اليوميَّة للفرد، وكذلك بِسَبَب تشعُّب العُلُوم والمعارف بطريقةٍ لم يَسْبِق للبشريَّة أنْ أَبْدَعَت فِي فَتْرة قَصِيْرة مِثل هَذَا الإبداع المُذْهِل في التكنولوجِيَا والعلوم؛ غَدَا مُسمَّى “المثقف العام” -حيث أًرِيْد له- أنْ يكُوْن قابعاً في المقاعِد الخلفيَّة في المجتمعات، واستبدل بمسمَّى المتخصص “Professional”، والذِي حَدَاني لطَرْح هذا السُّؤال وَنَحْن في سَلْطَنة عُمان نَخْطُو خُطُوَاتٍ سَرِيعة في تنمية مُجتمعاتنا، وَجَعْلَها قادرةً ومتهيِّئةً للدُّخول في العَصْر التكنولوجي الرَّابع، وكذلك نَهْدِف بخطتنا تنمية اقتصَادِنَا ليكُوْن قَادرًا على المُنَافسة عَلى المُسْتَوى الدولي؛ فالذي يَنْبَغي أنْ نسأله: ما هو دَوْر المثقَّف العام في إطار هذه المعطَيَات؟ وإذا ما أردنا أنْ يكُوْن لنا إسهامٌ في تنمية مُجتمعاتنا، فلا مَفرَّ إِذَن من التعاون والمشاركة في وَضْع تلك السياسات والخطط، والتي تهدفُ من خلالها للوصول إلى الأهداف المَرْجَوة من التنمية الثقافيَّة على مُختلف الصُّعد.
لكُلِّ شَعْب ودَوْلة مَرَاحل نُمو طبيعيَّة، ويَجَب أنْ نتوقَّع للدول والأمُم التَّدهور أو بُطءٍ في التطوُّر والتقدُّم والنُّمُو؛ وَهَذِه الدَّورات الاجتماعيَّة أو الاقتصاديَّة من السُّنن الكونيَّة؛ حَيْث لَمْ تَنْجُ مِنْها مُختلف الحَضَارات والأمَم، وإنْ طَالَ بِهِم الزَّمَن؛ فيَنْبَغِي أنْ نَضَع هَذِه المُفْرَدة فِي الاعْتِبار، ونُصْب أعْيُنِنَا، ونَكُوْن مُؤهَّليْن لامتِصَاصِ الدَّورات الاقتصاديَّة وَتَدَاعِيَاتِها. وكُلَّما كَانَتْ قابليتنا للامتِصَاص أقلَّ، تَفَاقمتْ الأزمَة أو الأزمات، والتَّفصِيلُ فِي هَذَا خَارِج عَنْ إِطَار هَذا الحَدِيْث. وَهُنَا يَبْرُز دَوْر المُثقَّف العام، أو المُثَّقف المتخصِّص، فِي التَّنْبِيه والتَّوْجِيه، واستشرافِ المسْتَقبل.. وَفِي هَذَا السِّيَاق، أَدْعُو للتفكِيْر بجِدِّية فِي إنشَاء مَرَاكز دِرَاسات مُتخصِّصة، هَدَفُها الأسَاسِي تَقْييم السِّياسات العامة “public policies”؛ سواءً السياسات الاقتصاديَّة، أو الاجتماعيَّة، أو التنمويَّة؛ لتكُوْن داعمًا ومُقيِّماً في نَفْس الوَقْت للخطط الحكوميَّة، ومُسَانِدة لَها فِي وَضْع هَذِه الخطط ومُراقِبَة لأدَائِها.
وأَدْعُو اللهَ -سُبْحَانه وتَعَالى- أنْ يُدِيْم عَليْنَا نِعْمَة الأمن في هَذِه البلادِ الكريمةِ، ونُبَارِك لَكَم يَوْم النَّهضة المباركة، ونبتهلُ إلى البَارئ أَنْ يَمُنَّ عَلى مَوْلانَا حَضْرَة صاحبِ الجَلَالَة المُعظَّم لِبَاسَ الصِّحَة والعَافِيَة.

226 total views, 14 views today