عبد الله بن علي العليان

لا شَكَّ أن تنمية ثقافة الحوار وتأصيله، تسهم إسهامًا كبيرًا في خلق الوعي الإيجابي، لمواجهة أفكار التطرف والتكفير، وإقصاء الأخر المختلف، بحجة امتلاك الحقيقة، والقبض على صوابية الحق كما يعتقد أصحاب تلك الأفكار المتطرفة، والأمة بحاجة إلى تنمية الحوار التعدُّدِي، حتى مع أصحاب الفكر المُغَالي، حتى تثبت الحُجَّة عليهم، من خلال طرح رؤية الفكر الإسلامي المعتدل الذي تمثله غالبية الأمة، ولذلك فإن مسألة التشديد على ثقافة الحوار وتنميته مهمة وضرورية خاصة في ظروف الأمة الراهنة، حتى في قضايا الأسرة والمجتمع، فالحوار يشكل أهمية كبيرة في تنمية الاعتدال الفكري والقبول بالآخر ويحتاج إلى رعاية من الصغر، والتجاوب مع قضايا التعدد والتنوع الذي هو خِلقة ربانية.

وعلينا أن نتذكر ما تحقق ثمرات الحوار في العصر الأول الإسلامي، ومن ممارسة الحرية في الاجتهاد وطرح الأفكار والآراء المتعلقة بالشؤون العامة، وهي ممارسة أقرَّها الإسلام ودعا إليها، فكان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يتحاورون ويتناقشون مع النبي r في قضايا عديدة منها ما يتعلق بالاجتهادات الدنيوية وشؤون الحرب، ويختلفون في بعض الآراء وحصل هذا حتى نساء هذا العصر، كما في قصة خولة بنت ثعلبة في شأن حكم الظهار، وقصة الحباب بن المنذر بشأن موضع النزول في معركة بدر الكبرى، في موقع قريب من الماء، ومنع المشركين الوثنيين من الاستفادة من هذا الموقع الاستراتيجي.

ومن هذه المنطلقات العظيمة في ممارسة الحرية، والتعبير عنها في جوانب كثيرة، فإن الإسلام لم يكتف بإقرار هذا المبدأ وتطبيقه واقعيًّا، بل إنه اعتبر ذلك واجبًا مقدسًا على الجماعة والفرد، انطلاقًا من مبدأ استخلاف الإنسان وتكريمه، الإنسان كائن مستخلف عن الله، أي نائب عنه في الحكم بين الخَلق بالعدل. فكل من قام في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه فهو خليفة الله، هذا الإنسان قد كرَّمه الله في السماء بذكره في الملأ الأعلى وأسجد ملائكته المقربين له، فلا عجب أن يكرمه في الأرض بما وهبه من عقل وإرادة ونطق، وما سخَّر له في هذا الكون من طاقات، وما أنزل عليه من هداية رسله وكتبه. روى الطبراني أن النبي r قال: «ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من بني آدم. قيل يا رسول الله ولا الملائكة ؟ قال: ولا الملائكة ـ الملائكة مجبرون بمنزلة الشمس والقمر». ويترتب على تكريم الإنسان حفظ حياته من الاعتداء من طرفه أو من طرف غيره (و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا)، وذلك بحفظها من كل ما يعرضها للخطر كالجوع والمرض والتشرُّد، أو المهانة والسخرية والاستعباد، كسوء الظن والتجسس والغيبة وسائر أنواع الظلم. إن للإنسان كرامة يستحقها بصفته الإنسانية بقطع النظر عن جنسيته ولونه ومعتقده، وسائر الاعتبارات الاجتماعية.

ومن إيجابيات الحوار الثقافي أنه يسهم إسهامًا كبيرًا في تفعيل النقد المتعدد، وتمثَّل هذا النقد في الاستجابة النيرة للنقد والتعايش الحر بين الأفكار وقبوله يأتي كثمرة من ثمرات الحوار الثقافي، ذلك أن الحوار النقدي يقدم ملاحظاته، وأفكاره من خلال تبيان أوجه القضايا المطروحة للنقاش، مع ضرورة الالتزام بناصية الحوار، وتقبُّل الاختلاف والنقد من خلاله، من هنا فإن الارتقاء بالنقد لا يتم إلا بالتفهم المتدرج للأفكار المطروحة؛ لذا فإن الصعوبات أمام الناقد هي من طبيعة الأشياء التي تبقى مرتبطة بدرجة النضج والاستيعاب الفكريين لديه.. وإلا فكيف يفسَّر ما وصل إليه النقد، من حال التدني في مستوياته، رغم الكثرة الهائلة من أعداد الأدبيات المتداولة في الساحة، ومن بعض عجائب الواقع الثقافي المرير الذي يعشعش في معظم مؤسساته الثقافية في البلدان النامية، أن الحديث حول عموميات النقد الفكري، ما يزال الشغل الشاغل للعديد من السلطات، إذ تحاسب عليها بقوة تعليماتها اللامرئية، وإجراءاتها الكيفية! فالحوار الثقافي هو الأقدر على طرح نقد بناء ورصين، ويجعله قيمة تتقيد بها النخب الفكرية والسياسية والثقافية، وهذا لا يتأتى إلا بالحوار الثقافي المتوازن والفاعل في المجتمع بأطيافه السياسية وتياراته المختلفة.

لذلك يجب الاتفاق على ترسيخ فكرة النقد في المجتمع، وأن لا عصمة للأفكار التي تطرح من الأشخاص ـ أيًّا كانوا ـ عدا ما اتفقت عليه الأمة بعصمته في دستورها وقوانينها المرعية ـ كالرسالات السماوية والأنبياء، ولذلك فإن غياب النقد معناه أننا نسير إلى الخلف، ومن ثم فإن تصحيح الأخطاء لن تتم في ظل غياب النقد، ومستلزماته التقويمية، وهذه إشكالية ثقافية وفكرية خطيرة مع الوقت، وما أصاب الأمة في عصرنا الراهن من نكسات وتراجعات وانتكاسات كان بسبب غياب النقد، والشورى والديمقراطية والحرية الخ.

ومن هنا تأتي ضرورة النقد وتفعيله في المجتمع، وهذه مسؤولية تقع على الأمة كلها لأجل تحقيق الذات والوصول بها إلى الكمال المطلوب، وتتعمق المسؤولية بالنسبة للجيل الواعي من مثقفي الأمة وكتَّابها الفاعلين في الوسط الاجتماعي، من أجل إخراج المجتمع من دوامة المشاكل، وإنفاق العزلة الفكرية المقتصرة على البعد أو الاتجاه الواحد ولتحقيق ذلك نحتاج إلى شجاعة من نوع خاص في ممارسة النقد البناء، لفهمنا للمفاهيم الإسلامية المرتبطة بالعمل الاجتماعي ومدى اقترابها وملاصقتها للفهم الواقعي خصوصًا في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها عالمنا الإسلامي ـ الغزو الثقافي المعولم وعلاقات التطبيع المختلف مع العدو الصهيوني ـ وهذا يلفت أنظارنا إلى ضرورة تفكير جميع القوى والفاعليات المنتشرة على الساحة الإسلامية العريضة، لأجل القيام بعملية شحذ الهمم واستنفار الجهود والقيام بعملية مسح شاملة للأفكار وبعض المسلمات والمواقف من الآخر ونظرتنا للواقع، من حيث الطوباوية والواقعية وفهمنا للموروث الثقافي والنصوص الدينية المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية ومع الفرقاء والمنافسين.

ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أن الحوار الثقافي في كل المجتمعات يلعب دورًا إيجابيًّا في التغلب على العنف والتطرف والتعصب؛ لأنه يسهم في إلغاء الاحتقان داخل المجتمعات، ويعمل على إنسيابية الحوار وهو بذلك يفتح الانسداد المغلق على الفكر الأحادي عند البعض تجاه الأفكار التي تقبل النقاش والحوار، وتنفتح بالتالي آفاق التعدد والتنوع والتسامح. وبهذه الخطوات تأتي ثمرات هذا التوجه، ولنضرب أمثلة على ذلك ما جرى في مصر منذ فترة وجيزة، عندما جرت حوارات ومراجعات لبعض التنظيمات السياسية الدينية حيث أعلنوا عن خطأ منهجهم الفكري في العنف وتغيير المنكر بالقوة، وهذا لم يتم إلا بالحوار بينهم و بعض العلماء وبين بعضهم البعض، فالحوار بشكل عام، والحوار الثقافي بشكل خاص يسهم إسهامًا إيجابيًّا في مراجعة المرء لفكره ومنهجه، لكن حين تقمع الآراء، وتمارس القوة التعسفية لتغيير الأفكار وإقصاءها، فالرد الطبيعي على ذلك أن حالات العنف والتعصب تنمو في المجتمع، حيث يدخل الجميع في دوامة العنف والتعصب، بحيث تشمل جميع دوائر السياسة والثقافة والاجتماع.. فـ (حين يتعثر مولد الرأي، لا يبقى إلا الاعتراض، والاعتراض بدوره محكوم عليه منذ البداية أن يكون صراعًا حديًّا، ولا سبيل أمامه إلا أن يغتصب ذات أدوات الصراع المباشرة التي تمتلكها السلطة؛ وبذلك لا تكون سياسة في ظل الحراب، حراب الدولة وحراب المعترضين. فليس غريبًا إذن أن تتعسكر السياسة العربية منذ نشأتها الأولى، عند كلا قطبيها: الحاكم والمحكوم، في معظم الأقطار المشرقية التي سبقت إلى دخول عصر الاستقلال الوطني، وواجهت مبكرة في آن واحد إستراتيجية التنمية السريعة في بناها الاقتصادية والاجتماعية وإستراتيجية الاختراق من قِبل الاستعمار الجديد.

وعندما يغلق باب الحوار مع بعض أفراد المجتمع الذين يحملون أفكارًا متطرفة أو مخالفة للنهج الإسلامي الصحيح في بعض القضايا، فإن أفضل مواجهة أن تتم محاورتهم ومناقشة أفكارهم، لذلك فإن أروع دعوة في هذا المضمار ما طرحه المفكر الإسلامي د/ أحمد كمال أبو المجد عندما قال بصوت عال في حديث عن العنف والغلو: «كفوا عن استخدام عصا الأمن» في مواجهة الأفكار ما دام أصحابها لا يتجاوزون دائرة التعبير الهادئ والدعوة بالكلمة المقروءة والمسموعة، واذكروا أن «الغلو» الذي ندينه جميعًا ظاهرة مركَّبة لها أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، و أنه لا يصلح في علاجها أسلوب «العنف» والملاحقة بالأذى،  وراجعوا سجلاتكم وسجلات الحكومات في كل مكان، وسوف تجدون أن العنف لم يولد إلا عنفًا، وأن تجاوز الحدود في ملاحقة أصحاب الفكر أيًّا كان صواب هذا الفكر أو خطؤه لا يزيدهم إلا إصرارًا، ولا يزيد دعواتهم إلا انتشارًا.

فتنمية الحوار الثقافي ثمرة عظيمة في حياة المجتمعات وأثره يمتد إلى كل مجالات الحياة، بحكم ما تمثله الثقافة من تأثير وامتداد لكل مناحي النشاط الإنساني، المهم أن تصدُق النيات، و تتبلور المواقف، وتلتقي الأفكار والأطروحات حول الهدف الأسمى للخير والرقي والتقدم.. فالحوار في النهاية ضرورة إنسانية، يجب انتهاجها وقبولها كصيغة إيجابية لكل المشكلات والتوترات والانسدادات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية.

6,978 total views, 2 views today