حليمة عوض حمود المعنية
بهلا- الداخلية
مسابقة أفضل مقال اجتماعي “كيف ترى عُمان 2040؟”
المركز الثالث
جمعية الاجتماعيين العُمانية


   كيف ترى عُمان 2040؟ سؤالٌ لابدَّ أن يُطرح على كلِّ عمانيٍّ يعيش على هذه الأرض الطيبة، وينعم بخيراتها، سؤالٌ يُجيب عنه الصغير قبل الكبير، والطفل قبل المسنِّ، والمرأة والرجل معًا. ولأنني مواطنةٌ عُمانيةٌ شابَّةٌ، سأجيب عنه في هذا المقال حسب تطلُّعاتي، وما أودُّ أن أراه فعليًا في 2040م.

    أرى مجتمع عُمان إنسانه مُعتزٌ بهويَّته، ينعم بحياةٍ هانئةٍ توفِّر له استدامة العيش الكريم وللأجيال القادمة. أرى مجتمع عُمان مغطَّىً تأمينيًا بشبكات أمانٍ اجتماعيةٍ عادلةٍ، فئاته (الطفل-المرأة- الشابُّ- ذوو الاحتياجات الخاصة) مُمكَّنةٌ اجتماعيًا، وواعٍ قانونيًا، ورائدٌ عالميًا في التفاهم والتعايش السلمي والتسامح، ينشر مبادئ السلام.

  وعليه أراها أكثر صلابةً، عندما تصبح مصلحة الوطن فوق كلِّ الاعتبارات الشخصية والمصالح الفردية؛ وهذا لن يتأتَّى إلا بتظافر جهود كلِّ الأوفياء من أبنائها في سدِّ كلِّ الثغراث التي من شأنها أن تزعزع متانة الروابط الأخوية بيننا جميعًا كمواطنين، وبالابتعاد عن الفتن؛ لأنَّها نباتات سامَّة ترفضها التربة العمانية الطيبة.

   أرى مجتمع عُمان واعيًا صحيًّا، أفراده يستشعرون مفهوم “الصحَّة مسؤولية الجميع”، نسقه الصحيّ تنخفض فيه إحصائيات الأمراض غير المعدية وأمراض الدم الوراثية، ينتقل من مرحلة تقديم العلاج إلى مرحلة الوقاية والتصدِّي للأمراض الخطرة غير السارية، ويصل بتوقُّعات أمد الحياة إلى 80 عامًا للفرد. وكوادره الطبيّة عُمانيةٌ طموحةٌ تقدِّم أفضل الخدمات الصحية بجودةٍ عالميةٍ للمواطن والمقيم على حدٍّ سواء.

   أرى عمان 2040 أكثر تطورًا؛ إذا تبنَّت كلَّ حديثٍ فيما يخص التعليم، والبحث العلميّ، والابتكار في تصدِّيها للعوائق والتحديات التي قد تعترض طريق التنمية، وتستخدم أفضل الطرق العالمية والعصرية في إنجاز الأعمال، وعدم تخاذلها في السير قدمًا للتحوُّل التكنولوجيّ المتناسب مع كلِّ مرحلةٍ. وكذلك جعل التعليم الركيزة الأساسية؛ لتحقيق عمليات التنمية، فـ “المهمُّ هو التعليم حتى لو تحت ظلِّ الشجر” (1) الذي بالضرورة يجب أن يواكب ركب التقدُّم باستخدامه تقنيات التعليم الحديثة، الذي تدعِّمه مناهج تعليمية تعزِّز القيم الوطنية والدينية للنشء، ويرتكز على بحثٍ علميٍّ معزِّزٍ للابتكار، يقود إلى مجتمعٍ معرفيٍّ، يحوي مسارات متنوعة للتعليم الأساسي والثانوي؛ تحرز على إثره مؤسَّساتنا التعليمية تقدمًا ملحوظًا في مختلف التصنيفات والتقارير الدولية السنوية، وبه يكون لعمان رأس مالٍ بشريٍّ خلاَّقٍ.

   أرى عمان 2040 أكثر عمقًا، حينما تستفيد من مكتسبات النهضة المباركة التي أرسى دعائمها جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، وتتحفَّز لاستقبال واستشراف مستقبل نهضتها المباركة المتجددة بجهودٍ مخلصةٍ متعاونةٍ عاهدت الله على أن تواصل البناء كما أرادها السلطان الراحل، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارقٍ المعظم -حفظه الله ورعاه-.

   أرى عمان 2040 دولةً أجهزتها مسؤولةٌ وحكومتها فاعلةٌ، أداؤها متكافئٌ ومصلحٌ، وقراراتها متوازنةٌ، منظومتها التشريعية ترفدها منظومةٌ قضائيةٌ متطورةٌ، تعزِّز سيادة القانون بنزاهةٍ، وترسخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، وتكافح الفساد؛ ليبعث جلُّ ذلك الثقة بين جميع الأطراف، وتسهم في حفظ مقدَّرات الوطن وماله العام؛ لكيلا يتعالى عليها فرد، ولا يتجرأ عليها أحد.

   وستكون عمان أكثر عدالةً عندما نتخلص من الأنانية المفرطة بدعوى القرابة أو الصداقة، وعندما يكون اهتمامنا هو الوطن أولًا، والمصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية. أرى عمان أكثر نضجًا عندما يتشارك المسؤول والمواطنون لصياغة رؤى تشاركية تخدم الجميع، حينها سيتحقق الوعد الخالد “إن الانتقال بعُمان إلى مستوى طموحاتكم وآمالكم في شتَّى المجالات، سيكون عنوان المرحلة القادمة بإذن الله”.(2)

   أرى عمان 2040 دولة ذات اقتصادٍ متنوعٍ مستدامٍ مستوعبٍ للثورات الصناعية، صانعٍ لتكنولوجيا وطنية غير منقولة أو مستعارة، له هوية اقتصادية متفرِّدة عالميًا، بيئته جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، وتنافسي يضمن تكافؤ الفرص، ويحقق الاستدامة المالية، يعضده قطاعٌ خاصٌّ رشيقٌ يخفِّف من العبء الملقى على كاهل الحكومة، ويقود دفَّة الاقتصاد لمزيد من النجاحات والعائدات لا الإخفاقات، ويراعي الاحتياجات الاستثمارية، ويحتضن المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، ويكون مُبادرًا ببرامج المسؤولية الاجتماعية للوطن وأبنائه، جاذبًا للكفاءات الوطنية الشابَّة الطموحة، ومواكبًا للتغيرات الاقتصادية والتقنية، متوازيًا مع آخر مستجدات الذكاء الاصطناعي(استخدام الروبوت- طائرات الدرون- الطباعة ثلاثية الأبعاد) والتحوُّلات الرقمية والتكنولوجية، عامِلًا بقوانين الحكومة وأنظمتها وتشريعاتها، ويرجِّح كفَّة اليد العاملة الوطنية على حساب كفَّة اليد العاملة الوافدة.

   أرى عمان 2040 أكثر جمالًا عندما تتوفر فيها الخدمات والمرافق الأساسية التي توجِّه التنمية الحضرية والريفية المستدامة والمستوعبة للنمو المتزايد للسكان، ووسائل النقل المتنوعة، والسهلة الوصول، كالمترو أنفاق والقطارات، والبنية التحتية القادرة على التعامل مع المتغيرات المناخية المتقلبة، التي تُعدُّ بمثابة العمود الفقريّ الذي تعتمد عليه حركة الاستثمارات والمشاريع التنموية الكبرى التي بها تقاس مستويات التحضُّر والتقدُّم للدول.  ووجود المدن الذكية النابضة بالحياة جنبًا إلى جنبٍ مع الريف الحيويّ المتميز بالجودة العمرانية الملائمة للمعيشة والعمل في آنٍ واحدٍ، وتراعي الهويَّة العمرانية العمانية المتفردة. وحتى تزدان عُمان بجمالٍ أكثر صحةً، يجب تحسين برامج إدارة المخلَّفات والنفايات، ومراقبة الملوِّثات المنبعثة من المصادر الثابتة (كالمصانع والمنشآت) والمتحركة (كالسيارات والمعدات الثقيلة)؛ لتحسين جودة الهواء بشكلٍ خاصٍ والبيئة العمانية بشكلٍ عامٍ.

  وكذلك جعل السلطنة مركز استقطابٍ سياحيٍّ عالميٍّ جذَّابٍ، تستثمر فيه عناصر التراث الأصيلة ورموز الحضارة العمانية المتميزة، ودمجها بالتقنيات المعاصرة بشكلٍ يسهم في رفد الاقتصاد الوطنيِّ، ويدعِّمه إعلامٌ مهنيٌّ فاعلٌ ومعزِّزٌ للوعي المجتمعيِّ والترويج السياحيِّ.

   أرى عمان 2040 أكثر استدامةً عندما يتمُّ استثمار الموارد الطبيعية التي تزخر بها بما يحقِّق قيمةً مضافةً للاقتصاد الوطني، وبالمحافظة على التنوُّع الأحيائيِّ الثريِّ الذي تتميز به شواطئها وأخوارها ومحمياتها الطبيعية. أراها آمنةً أكثر عندما تتبنَّى مفاهيم “الاقتصاد الأخضر” و”إعادة التدوير” و”ترشيد الاستهلاك” و”أمن الطاقة”، و”الأمن الغذائيّ والمائيّ”.

   وفي الختام، أقول أنَّ “عُمان 2040” ستكون أكثر إشراقًا، عندما يكون الجميع شركاء حقيقيين في التغيير والتقدُّم للأفضل، وعندما تستفيد الحكومة من خبرات أبنائها الوطنية المبدعة- دون إهمالٍ أو تشكيكٍ- التي تنتج لها حلولًا جذريةً لجميع المعوِّقات التي تحول دون تحقيق أهدافها. وعندما يسعى الكلُّ بروح الفريق الواحد؛ لإنجاز الخطة التالية من التنمية؛ فالإنجازات لا تتحقَّق بالشعارات وبصخب الكلمات الرنَّانة؛ بل بالجهود الجماعية المخلصة التي تركِّز على الأهداف المشتركة.


(1). النطق السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-.

(2). الخطاب الثاني لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم فبراير2020م.

 92 total views,  5 views today