خميس قلم

قُوْبِلت رواية “” للكاتبة مُنى المعولي -والصادرة عن دار دجلة عام 2016م- بعاصفةٍ من الانتقاداتِ في الفضاءِ الإلكترونيِّ، بعد أنْ اشتغلَ البعضُ على ترويج عِبارة اعتُبرت حينها أنَّها خادشة للحياء ومنافية للذوق العام، متبوعة بتعليقات تحاول اختزال موضوع الرواية في عبارة أو جُملة مبتورة من سياقها: “غرس علم ذكورته في عذريتي”.

وَفِي تَقْدِيري أنَّ ما حدث -من تجنٍّ على الرواية، وبالتالي على كاتبتها، بإشاعة سوء النوايا، وخداع الناس بفزاعة القيم- هو ظاهرة ينبغي أن تُدرس دراسة اجتماعية لتقصِّي نوازعها ومقاصدها وحيثياتها، غير أنَّ ما يهمُّني في هذا المقال هو رصد قضايا المجتمع العُماني التي تطرحها الكاتبة من خلال قصة “أمل”، عبر محطات الانكسار المتتالية في حياتها؛ وليستْ هذه مُجرد قضايا خاصة بالمجتمع العُماني، وإنَّما هي أمراض اجتماعية مُصاب بها مُجتمعنا العربي، بل العالمي، في زوايا مُستترة، وليست “أمل” هي محور القصة، بل الكيان النسوي المضطهد في تلك المجتمعات المريضة.

لَقَد فَضَحَت الرواية في داخلها عُري النفوس المريضة، وأكَّدت التعليقات القادمة من خارج الرواية ذلك الضعف في نفوس يسهُل التلاعب بمشاعرها عبر إعلامٍ يستغل وعيها الهش، وشخصيتها السائلة، وربما سذاجتها في تصديق كلِّ ما يُلفق لها دون تمحيص وتحليل، ودون قراءة فاحصة ومنصفة.

مَنْ هِيَ خضراء الدِّمن؟
وَرَدَ فِي الأثر عن النبي قوله: “إياكم وخضراءَ الدِّمَن”، فقيل: وما خضراء الدِّمَن؟ قال: “المرأة الحسناء في مَنبَت السُّوء”.

وَسَواءً صح الحديث أو لم يصح، فهو يعني فساد النسب إذا كان الأصل غير سليم. والدِّمَن هي آثار الإبل والغنم وأبوالها وأبعارها، فربما نبَت فيها نبات فيكون منظره حسنًا أنيقًا، ومَنبَتُه فاسدا. والمراد: التحذير من الزواج بذوات المنظر الحسن والجمال الفاتن بغير دين أو خلق، فهذا يُنتج ذرية غير صالحة” (من موقع فتوى إسلام أون لاين). ذلك الوصف يرسم ملمحَ الوضع الأسري الذي تعايشه الشخصية الرئيسة “أمل” على الأقل في عيون الناس. كما يرسم العنوان صورتها؛ وقد نعتها “راشد” أخو زوجها الثاني “إبراهيم” بخضراء الدِّمن. وفضلاً عن جمالها الخارجي، اتسمت شخصية “أمل” بالطموح، والإصرار، وحُسن التدبير، والمثابرة، وعزة النفس، والصبر، تتجلَّى هذه الصفات وغيرها في تعاملها مع مواقف حياتها ضمن أحداث الرواية، فلقد حققت طموحها في الوصول للتخصص الذي ترغب به في الجامعة، ونالت مُبتغاها بإصرارها على عيش الحياة التي تختارها وهي: الحصول على الوظيفة، ورخصة القيادة، واختيار الزوج المناسب لها؛ الزوج الذي منعتها عِزَّة نفسها من الاستمرار معه؛ لأنه أخطأ في حقها. لم تخلُ شخصية “أمل” من اندفاع، ونزق، وتهور، بل وسذاجة، حين سلَّمت نفسها لـ”نبهان” الذي تسبَّبت علاقتها به بتحول في شخصيتها، وتراجع في أدائها الأكاديمي؛ غير أنَّ تلك السقطة وما تبعها من ضغوط عائلية ورقابة وتسلُّط عليها، خصوصاً بعد رحيل والدها، صاغت شخصيتها ومكَّنتها من التعامل مع الحياة بصبر وتدبير: بحذر تارة، وتصادم تارة، وحكمة تارة أخرى.
ضَرَبتْ “أمل” بقصتها أمثولة تطهيرية لكلِّ الفتيات اللائي سيقرأن حكايتها، ويتدبرن ندمها حسب رؤية الشخصية: “ماذا فعلت؟! كان “نبهان” يُنضج أشواقي على نار هادئة طيلة الأيام الماضية، حتى أوصلني إلى مرحلة اللاتفكير واللاشعور، كلُّ ما فيَّ كان مخدَّراً، وحين تداركت الأمر كنتُ قد فقدتني”.

أمراض المجتمع:
تشكُّ “أمل” في سفود قصتها لحمَ المجتمع وشحمه بكلِّ عفنه؛ فتأتي على موضوع خيانة المرأة لزوجها، بل خيانة المرأة لنفسها؛ من خلال ارتباط أمِّ “أمل” بعشيق سريٍّ؛ فتتساءل “أمل” عن أصل نطفتها: هل هي بنت أبيها أم بنت العشيق؟ وما زاد من نار حيرتها وانكسارها تحرُّش عشيق أمِّها بطفولتها.

انكِسَارَات اجتماعية مُتتالية تمرُّ بها خبرة أمل/المرأة في الحياة ابتداء من استغلال نبهان/الرجل الغني لثقتها، حتى موت أبيها وزواج أمِّها وشعورها بالغربة، ثمَّ تسلُّط خالها/العسكري وعنفه عليها، مروراً بكفاحها للحصول على رخصة القيادة والوظيفة والزواج من عبيد/المثقف الذي خذلها في نهاية المطاف، رغم تخليها لأجله عن وضعها الاجتماعي؛ كونه غير مكافئ لها، وانتهاء بصدمتها في زوجها الثاني إبراهيم الذي أقام عليها سوراً من الممنوعات إرضاءً لأخيه راشد ولأسرته: “حين نكون بمفردنا كان إبراهيم أجمل ما يكون، وحين نجتمع مع عائلته يصبح شخصاً آخر لا أعرفه”. أمَّا أخوه راشد/المنافق الذي يُظهر التديُّن، وفي الوقت ذاته يتحرش بزوجة أخيه، يظهر مناقضاً للقيم التي يدعو إليها؛ ترمُز الكاتبة من خلاله لازدواج الشخصية والنفاق الاجتماعي.

طَرَحَت الرواية موضوعات المرأة والمجتمع: اختلال العلاقات الزوجية والنفاقات الاجتماعية، وقهر الرجل للمرأة، والعنف المسلَّط على النساء، واستغلال الشباب لعواطف البنات وثقتهن، والفساد والوساطات…وغيرها.

وَرَغم الجوّ الكئيب الذي هيمن على الرواية جرَّاء الأحداث المأساوية التي تتوالى على “أمل”، لم تخل الرواية من بصيص أمل وتفاؤل، خصوصا حين استعرضت الكاتبة أحداث “جونو”، وكيف وقف العُمانيون وقفة واحدة أمام تحدِّي الطبيعة لصلابة الإنسان: “الدمار يملأ المكان، أنباء تتوارد، موت هنا، وفقد هناك، وهناك المحتجزون، تتعاضد الجهود: الشرطة، الجيش، الهيئة العامة للدفاع المدني، كانوا هناك في الأودية، تحت الصواعق، في وجه المطر، كانت عُمان كلها جسداً واحداً وروحاً واحدة؛ فأبناء المناطق الناجية هرعوا لمساعدة أشقائهم المتضررين…”.

كَذَلِك استثمرتْ الكاتبة أحداث 2011م/الربيع العربي، ونسجته في لحمة الرواية نسيجاً مُنسجماً مع الأحداث: “كانت الأحداث تتسارع، عبيد ومن معه ينتقدون الأوضاع بشدَّة، يطالبون بالتغيير وضمان حرية الرأي وأمور أخرى لم أكن أستوعبها، حتى قرروا أن يتخذوا من صُحار مركزاً لندائهم، حدث ما حدث وتوالت الأحداث، كنت عند كل تواصل مع عبيد أدعوه للتفكير بي وبأولاده، ومن لنا سواه إن كان آخر كل ما يحدث ومصيره السجن…”.

الكاتبة محللة
لَمْ تَكْتَف الكاتبة برصد أحوال المرأة المستغلَّة والمغلوبة على أمرها، من خلال قصة حياة “أمل”، بل عمدت لوضع مقارنات مع مقابلاتها من النساء: خالصة وشمسة، وربما تكون المقارنة الضدية في أشدها وأوضحها مع “نائفة”، التي تُمثِّل الصورة الاجتماعية المغايرة لصورة “أمل” بانفتاحها ووضعها الاجتماعي -على الأقل في المرحلة الجامعية/مرحلة اكتشاف الذات والخيبات- مما جعل “أمل” تعيد حساباتها بين الشكل والمضمون: “أخذت تتحدث نايفة طويلاً عن الشرف والسمعة؛ والفتاة النفيسة هي من تتمنع عن أن تكون ألعوبة بيد رجل دون ارتباط وإن كانت تحبه حتى!” (ص:46)، “كنت أنسلخ من كلماتها، وأنصهر وأصغر وأغيب داخل ملابسي، أعجزت أن أحافظ على نفسي وعفتي، في حين أن نايفة المتحررة تحافظ عليها!!”.

مِنْ جِهَة أخرى، تُوازِن الكاتبة على لسان “أمل” بين نبهان الوسيم وعبيد المثقف، وسعيد الجذاب وإبراهيم الإمعة؛ في محاولة لفهم وتحليل الشخصية الذكورية بكلِّ تناقضاتها وجمالياتها.

هَل استطاعتْ “أمل” في مُعادلاتها أن تحوِّل مثالب أمِّها إلى حسنات، أو أن تتفهم -في أقل تقدير- ظروف أمِّها، أن تقدِّر موقف والدها المهتز، وقسوة خالها؟ هل وعت اندفاع نبهان أو سلوك عبيد أو موقف إبراهيم واشتهاءات ناصر وراشد؟!

مخرج:
رَغمَ إحاطة الكاتبة بعالم النساء، وبراعتها في انتخاب تفاصيل مادية ومعنوية منه، إلا أنَّني لم أجد خيوطا وافية في الرواية تقود للغور الإنساني الأعمق الذي من شأنه أن يسبر المجتمع من جميع ثقوبه عبر أبعاد الشخصيات المختلفة، وإنما ظهر لي جليًّا في الرواية غضب امرأة من واقع تكافحه لتكون كما تريد هي، دون الاهتمام للمكوِّنات الأخرى. لقد اهتمَّت الساردة بضعفها، وتجاهلت ضعف الآخرين. اختارت ذلك بلعبة سردية ذكية ومقتضبة؛ حيث جعلت السرد على لسان “أمل” التي تحكي قصتها للكاتبة “شجن” زميلتها في السكن:
“الكتابة جارية يا أمل
خط السرد متصل،
والحال متاح”.

هَذَا المقطعُ يكشف تكنيك الرواية، ويكشف كذلك رمزية الشخصية “أمل”، التي هي بلا شك صورة من صور المعاناة النسوية في مجتمع عنصري يحاول أن يسلب المرأة أبسط حقوقها.

1,226 total views, 2 views today