Aaa_1705

أمامة مصطفى 

تلك الخيام كانت تقاوم دفنها تحت العاصفة..البرد القارس قد يكون القاتل الأبرز في هذه الأرض الموحشة، ليست الخيام سوى كفنٌ مؤقت سيُستبدل سريعا بكفنٍ دائم، وحينها سيكون أكثر دفئاً.

ماذا لو تُركت الأجساد على ممشى القادمين؟ ماذا لو لم يجدوا في وقت فرارهم فرصة لدفننا ؟ حسنا لا بأس سأخبر جيراني في الخيمة الأخرى أني لا أمانع بدفني مع الآخرين في قبرٍ واحد . ربما سنتشارك الأكفان القليلة التي سنصنعها من القطع المتآكلة من الخيام، وسنكون معا جسدا بجوار جسد، سنتشارك حتى في الاحساس بالحياة ونحن في عمق الأرض.

توفيت أختي الرضيعة قبل ثلاثة أيام، كان جسدها نابضاٍ بالحرارة رغم الثلج الذي كان يتساقط بقوة فيحدث صوتا مخيفا في أعلى الخيمة ، سألتُ أمي : هل سيكون جسدي دافئا وطريا حين أموت مثل أختي ؟ كانت أمي تنظر الى السماء تارة، والى الأرض تارة أخرى ، لكنها صمتت تماما وأصبحت لا تجيد الحديث، وكلما حدثناها أجابتنا بلغة الاشارة، رغم ذلك كانت عيناها تفيضان بالنحيب. أبي هو الذي سحلوه في الأسواق قبل عدة أسابيع، أمي كانت تقول أنهم ألقوه من بنايتنا المكونة من ثمانية أدوار، لكني سمعت جارنا يبكي ويصرخ : أبو هادي سحلوه في السوق، ثم صلبوه كما المسيح. كدتُ أصحح له أن المسيح روحه عاليه لم يصلبوه ، لكن جارنا أحمد كان متكوماً جثةً هامدة في صباح اليوم التالي. ولم يتركو زوجته لتأخذ جثته، حرقو الجثة أمام أعينها وحتى الرماد تطاير مع قدوم العاصفة. انقلب كل شي حولنا أبيض اللون، تلك كانت ميزة كبيرة ، أصبح من السهل أن نميز القتلى والجرحى الذين ينزفون حتى الموت، بياض الأرض النقي كانت تغطيه ورود حمراء، تمددت لتشكل جذوعا وأغصانا بل ومدت جذورها في الأرض عميقا.

خلال الأيام التي تلت، حُرقت خيام الكثيرين ممن حاولو المقاومة، قضى أغلب الرجال وهم يدافعون بشجاعة وببسالة نادرة رغم عطشهم وجوعهم، عدنا مجددا نبحث عن ماء وغذاء. خلال ذلك الوقت دخلتُ في غيبوية لا أدري كم طالت ، ولا أدري حقا كيف عُدتُ من الموت، لأني شاهدتُ أبي واخوتي يحيطون بي، والرذاذ من حولنا يتساقط بدلال  واخوتي يفتحون أفواههم وراحات أكفهم للمطر، وحول أبي كانو يرقصون كأزهار نضرة تفتحت لتوها في بستان بديع، جريت نحوهم لأشاركهم رقصة المطر، لكن أبي قال بحنان : عُد الى أمك يا هادي فهي وحيدة، وحين تقرران المجيء تعالا معاً. أفقتُ متعبا وذهني يردد توسلات أبي، لكني أدركت أن أمي لم تعد موجودة، لم يقل لي أحدٌ أنها ماتت،  ولم أجدها حيث أبي وإخوتي ، أخبروني أنها ذهبت لتبحث عن طبيب ينقذني من الموت، لكني أُدرك بقلبي أن أمي عالقةٌ بين الحياة والموت. تلك كانت قصتي وقصة ابن عمي وقصة صديقي وقصة جاري وقصة زميل المدرسة الذي كان يشعبني ضربا في المدرسة، زميلي الذي صممتُ على كسر ساقيه حين أجده، وحين سنحت الفرصة  بعد شهور وجدته  يزحف أرضا بعد أن فقد ساقيه في لغمٍ أرضي .

نحن الأطفال مررنا على هذه الرمال أكثر من مرة وذُبحنا فيها أكثر من مرة، واحترقت فيها خيامنا أكثر من مرة، وفقدنا آبائنا مئات المرات وفقدت أمهاتنا عقولهن حتى الموت. كان أبي يقول : “ هيهات منّا الذلة” وكانت عمتي تقول : “ ما نحن الا قرابين” تتأخر أوقاتها أو تتقدم، يبقى أننا يجب أن نموت بشرف ، لا يجب أن نموت دون أن نعلن أننا مظلومون، لا يجب ان نموت دون أن نخرج الى قلب المعركة ونقول لماذا نحن نموت، لا يجب أن نموت الا وقد أشهدنا الصامتين على موت الرضيع والشيخ العليل. تقول أختي الصغيرة : أنا مثل رقية بنت الحسين. أدركت كم هي صادقة حين وجدتها بعد مقتل أبي تهرول إلي بكفه المقطوعة، قلت لها مدهوشا : ما أدراكِ أنها لأبي؟ قالت انظر الى الخاتم في اصبعه ، هذا خاتم أبي، هكذا ملمس يده، هذه كفه يا هادي. ظلت أختي ممسكة بكف أبي، تمسح باليد تارة على رأسها، وتارة على خدها وتارة تضع الكف على قلبها وتقول : اسمع يا أبي هذه دقات قلبي، تقول لك أني احبك واشتاق الى أن أسمع نبضاتك كما كنا نفعل من قبل. كان الحزن جاثما على قلب الصغيرة، احتواها ، تآكل قلبها من الشوق، فقد كانت أشدنا تعلقا بأبي، خفتت دقاتها حتى تلاشت.

أتابع السير الآن وحيدا.. العشراتُ غيري يسافرون الى الموت كل ليلة ليذوقوا السعادة، وفي الصباح يعودون الى الحياة، ليذوقوا الصبر الذي لم أجد أشد منه مرارةً . تلك الخيام المحترقة، تلك الرؤوس على أسنة الرماح، تلك الأجساد المعطرة بدمائها الزكية، تلك الخيول المحمحمة الباحثة عن جواد لا يسقط ، تلك النساء اللاتي يغزلن ثوب الشهادة، تلك الأرض التي تجاور نهر العباس ، وهي في أقصى حالات الضمأ. الرجل النوراني الذي أشهدُ مصرعه الآن  وحيدا تماما، السواد الذي يلف الكون.. أقف مشدوها الآن !

أبواب السماء تنفتح على مصراعيها، أمي الشاردة تترك رأسها على كتفي وتبتسم بعذوبة ، المطر يتساقط بسخونته ببرودته بلطافته، إخوتي جميعهم ورقصة المطر حول أبي الذي يعانق أمي .

2,786 total views, 5 views today