مُحمَّد سيَّد حسن

كهف أفلاطون من أشهر الموضوعات التي طرحها أفلاطون في كتابه الشهير “الجمهورية”؛ وهي تمثل حوارا رائعا بين سقراط -معلم أفلاطون- وجالكون -شقيق أفلاطون- حيث يروي سقراط عن مجموعة من السجناء الموجودين في كهف منذ طفولتهم مقيَّدين من أرجلهم وأعناقهم بسلاسل حديدية تمنعهم من تحريك رؤوسهم يمينا ويسارا وإلى الوراء؛ حيث يجلسون القرفصاء مواجهين لحائط، بحيث تقع خلفهم فتحة الكهف. وإلى هذا الحد من القصة، لا يوجد معنى حقيق لها إلا عندما يستأنف سقراط حديثه بالقول: “عندما يسير الناس بجوار فتحة الكهف تنعكس صورهم والأشياء التي يحملونها على الحائط، ووقتها يظن السجناء أن الصور والظلال التي يرونها على الحائط أمامهم ما هي إلا موضوعات حقيقية، وأن أصوات الأفراد في الخارج اعتقدوا أنها أصوات الظلال التي يرونها على الحائط.

يوما ما، استطاع أحد السجناء التحرُّر من قيوده، واستطاع أن يخرج خارج الكهف.. في البداية، لم يستطع الإبصار نتيجة ضوء الشمس، وظن أن ما يراه ما هو إلا أوهام وظنون، ولكنه تدريجيًّا استطاع أن ينظر إلى الأشياء حتى استطاع أن ينظر إلى الشمس ذاتها. ولكنَّ السؤال المهم، والذي طرحه سقراط في تلك المرحلة: هل هذا السجين كان قادرا على أن يعقل ما يراه؟

ولهذا؛ يُدرك السجين الحُر أنَّ العالم الحقيقي أهم ومتفوق على العالم الذي عاشه في الكهف؛ لهذا فهو يشعر بسعادة بالغة لهذا التغيير، وفي الوقت نفسه شعوره بالشفقة على زملائه المساجين الذين يقبعون في عالم الظلال؛ لهذا يُقرِّر -السجين الحر- العودة إلى الكهف.

وهنا؛ ينتهي أفلاطون إلى الجزء الأخير من قصة الكهف بعودة السجين الحر إلى زملائه ليُطلعهم على ما اكتشفه، ولكنْ يُخبرنا أفلاطون بأنه عند عودة السجين إلى الكهف -حيث عالم الظلال والوهم- يشعر بأنَّه أصيب بالعَمَى تماما كشعوره عند الخروج من الكهف؛ لهذا يشعر السجناء المقيدون أن خروجَ صاحبهم من الكهف هو ما قاد صديقهم إلى تلك الحالة من العمى والضرر؛ لهذا يقررون عدم الخروج من الكهف والبقاء فيه. إلى الحدِّ الذي جعل سقراط يزعم بأن هؤلاء السجناء المقيدين سيلجأون إلى قتل أي شخص يسعى إلى إجبارهم على الخروج من الكهف.

… إنَّ فكرة الكهف الأفلاطوني مُرتبطة بنظريته المعرفية المتعلقة بنظرية الأشكال؛ والقائلة بأن المعرفة الكاملة الثابتة اللامتغيرة المطلقة توجد في عالم المثل، وهو عالم الحقيقة الدائمة، في مقابل عالم الماديات المرتبط بالظن والحواس وهو عالم مُتغير نسبي، وأنَّ معرفتنا يجب أن ترتقي إلى عالم الحقيقة الدائمة، وهي هنا تمثل السجين الذي تحرَّر من قيوده ليرى الحقيقة في ضوء الشمس، بينما هؤلاء الذين لا يسعون إلى عالم الحقيقة يجب أن يظلوا في قيودهم حيث عالم الظن والأوهام والظلال.

ويظلُّ السؤال الرئيسي: إذا كانت فكرة أفلاطون عن الكهف مرتبطة بنظرية المعرفة، فلماذا طرحها في كتاب “الجمهورية” -وهو كتاب يشرح آراءه السياسية، وفكرته عن نظرية الحكم وطبيعة المدينة التي يسعى إلى تشييدها، ولم يطرحها في أي من محاوراته الأخرى المرتبطة بنظرية المعرفة لديه؛ مثل: محاورة بارمنديس، أو محاورة فيد روس، أو محاورة فيدون؟

ومن وجهة نظري، أنَّها تعكسُ شمولية فكر أفلاطون، ووحدة منهجه؛ فالهدف الأسمى عنده هو تمييز الحقيقة عن الزيف، وتمييز الثابت عن المتغير، وتمييز المطلق عن النسبي. فإذا كان هذا هو الهدف العام فلماذا لا نجد تجليا لهذا التمييز في آرائه السياسية، وفي نظريته في الحكم أيضا؛ حيث إنها تُعدُّ حلقة من حلقات فكره المتصل والمتسق. وهنا نصل إلى درس مهم من دروس الفكر الفلسفي والمتمثل في السعي الدؤوب للمفكر إلى أن يصل لمرحلة شمولية التفكير وأن ينصب ما يعتقد به من فكر على جوانب الحياة المختلفة السياسية والثقافية والدينية والفنية…وغيرها من شتى مجالات التي يتناولها المرء عبر رحلته الفكرية.

وهنا، تكمُن قيمة أطروحتي؛  إذ كيف يُمكن الاستفادة من فكرة الكهف الأفلاطونية ونطبقها في واقعنا؟ أو بمعنى آخر: كيف يمكن للعقل العربي المعاصر أن يتجاوز عالمه المغلق أو كهفه وقيوده المفروضة عليه من الآخر أو تلك القيود التي فرضها هو على نفسه حتى يدرك نور الشمس أو عالم الحقيقة؟

في الحقيقة، أردت بطرحي لفكرة الكهف الأفلاطوني أن ننظر إلى ذواتنا العربية لنحدد في أي موقع من مواقع الكهف نسير؟ أو بعبارة أخرى: هل العقل العربي أسير قيوده أم أنه متحرر من قيوده؛ سواء كانت قيودا مفروضة عليه أو قيودا فرضها هو على نفسه؟ دعنا الآن نختبر فكرة الكهف الأفلاطوني لاكتشاف مكانة العقل العربي.

إذا ما تأملنا واقعنا الديني في عالمنا الإسلامي بوجه عام -والعربي على وجه التحديد- سنكتشف واقعا مؤلما؛ ففي عالمنا العربي العديد من المذاهب ما بين سنة وشيعة، وينقسمُ المذهب السني إلى عدة مدارس وفرق، وكذلك الحال ينقسم المذهب الشيعي إلى عدة مدارس وفرق. وكل فرقة تظن أنها على صواب وأن ما تعتنقه من أفكار هو الصواب؛ ولهذا تجد المناظرات بين أنصار الفرق والمدارس المذهبية المتعددة، قد أخذت طريق التطرف الفكري المؤدي في بعض الأوقات إلى التكفير والعنف وسلسلة من الاغتيالات. وما بين الإسلام والمسيحية خلاف، وفي داخل المسيحية ذاتها تنقسم إلى مدارس وفرق؛ فهذا مسيحي قبطي، وهذا مسيحي كاثوليكي، وذاك مسيحي بروتستانتي…. كل فريق يظن أنَّ عقائده وأفكاره المذهبية هي الصواب، وأن ما يقرأه من نصوصه هي الصواب، ولم يسعَ أحد إلى أن يتحرر من وهم الأفكار المذهبية إلا القليل الذي استطاع أن يتحرَّر من قيوده، وهناك نماذج معاصرة تشبيه السجين الحر الذي استطاع أن يتحرَّر من قيوده -أمثال: طه حسين، والشيخ على عبدالرازق، ونصر حامد أبوزيد، وعلي شريعتي…وغيرهم ممن خرجوا خارج كهف الوهم والقيود- لكنهم جميعا اتهموا بالكفر والزندقة كرد فعل منطقي؛ لأنهم سعوا إلى أن يحرِّروا أهل الكهف من قيودهم.

وإذا ما تركنا دائرة القيود الدينية لندخل في دائرة السياسة، فسنكتشف أيضا أنَّ العقل العربي أسير الوهم السياسي وأسير للحزب الواحد وأفكاره وأيدلوجيته؛ فهذا ناصري، وهذا بعثي، وهذا ديمقراطي، وهذا قومي، وهذا إسلامي… الكل أسير أيديولوجيته، معتقدا أنَّ مذهبه وأيديولوجيته هي الصواب المطلق.

ولا شك أنَّ الحركات الاضطرابية التي شهدها العالم العربي من أربع سنوات أو ما عُرف اصطلاحيا بـ”الربيع العربي” هو دليل على وهم الأيديولوجية ووهم أفكار حزبية لا يمكن تخيل فكرة الخروج عنها، ولعل ما حدث في مصر وسوريا واليمن وليبيا لهو أبرز مثال على هذه القيود السياسية.

وإذا تطرقنا الآن إلى التعليم، سنجد أنَّ ثمة قيودا على العقل العربي لا يمكن الخروج عنها ولا يجب تجاوزها؛  فالتعليم العربي في عمومه يدعو الإنسان إلى حفظ وتكرار المعلومات، وأنها هي السبيل الوحيدة للنجاح والحصول على العلم، وإذا ما جاء أحد الأشخاص لتغيير السياسات التعليمية وإصلاح المنظومة التعليمية، سيجد ثورة عارمة عليه لأنه يخرِّب التعليم، وفي الحقيقة هو لا يريد أن يخرِّب بل على العكس هو علم من خلال خروجه من الكهف أنَّ التعليم يستدعي قدرات تفكير مختلفة كالتحليل والتقويم والتركيب والاستدلال والمناقشة والتطبيق، ولا تعتمد فقط على حفظ المعلومات. وعلى الرغم من أنه سعى لفك وتحرير العقل العربي من قيد النمطية والاستذكار للمعلومات، إلا أنه اتهم بأنه يهدم ويخرب التعليم، ولهذا نجد مكانة العقل العربي مقارنة بالعقول الأخرى، ونرى مكانة جامعاتنا العربية مقارنة بالجامعات الغربية.

ويرتبطُ بوهم التعليم وهمٌ آخر؛ وهو: وهم الثقافة؛ فكثير من عاداتنا وموروثاتنا الثقافية تنطوي على وهم، وتمثل قيودا على العقل العربي؛ حيث يُفضل البقاء في كهفه الخاص بدلا من أن يحرر نفسه من قيدها.. وهناك أمثلة عديدة يعجُّ بها عالمنا العربي؛ فهذا ممنوع، وهذا خطأ، وهذا لا يجوز، ولا أدلة على هذا.

إنَّ كثيرا من علاقات الحب والنسب تنتهي بمأساة بسبب أنَّ شخصا من قبيلة أو عرق يريد أن يرتبط بفتاة من عرق أو قبيلة أخرى، والسبب أنه لا يجوز.. فالتقاليد تمنع، وغيرها من النماذج الأخرى؛ فلا يزال في عالمنا العربي هناك من يُؤمن بأن تعليم الفتاة خطأ وأنها لا يجب عليها الخروج من بيتها، وأنَّ ختان الفتاة واجب، وأن زواجها المبكر -وهي في سن الثانية عشرة- أمر ضروري؛ فكلها أوهام عاش وتغذَّى عليها العقل العربي، ولا يجب أن يقترب أحد من تلك القيود وإلا العقاب والبطش هو جزاؤه.

وأخيرا.. من القيود التي يُقيَّد العقل العربي بها ولا يخرج عنها مُطلقا هو: وهم وقيد الإعلام؛ وهذا الوهم هو نتيجة منطقية وحتمية لهذه السلسلة المتعاقبة والمترابطة من سلاسل الأوهام الدينية والسياسية والثقافية والتعليمية؛ حيث يأتي الإعلام ليعزِّز ويدعم هذه القيود عبر برامج تهدف إلى تدعيم وترسيخ هذه المعتقدات وهذه القيود وتغذيها بصور وأفلام وتقارير تعكس لهم ما يعتقدون صحته، وأن كلَّ محاولة لتقديم عكس ما هو راسخ لدى العقل العربي يعد كاذبا ومضللا وعميلا. يكفي أن تتأمل رد فعل العقل العربي على الإعلام الخارجي الذي يتَّصف بموضوعية ومصداقية إلى حد كبير، وبين الوقائع والتقارير التي يصدرها الإعلام العربي، ويكفي أن تتأمل موقف العقل العربي والإعلام العربي من إحدى القنوات العربية وهي قناة الجزيرة، وتبرر لك سبب الهجوم الطاغي عليها وعلى من يقدمونها؛ لأنها تتعارض مع أوهام ترسَّخت في العقل العربي، ولا يمكن أبدا مجرد التفكير في نقيضها.

وفي النهاية، يجب التأكيد على نقطة مهمة ومحورية؛ وهي ضرورة التنبه لأهمية وخطورة الكهف الأفلاطوني على العقل بوجه عام، ومن ثم على العقل العربي على وجه التحديد؛ حيث إنَّ قصة الكهف الأفلاطوني تنطوي على نقيضة كامنة؛ وهى: أن المعرفة والحقيقة التي يدركها الأسير المتحرر من قيوده قد توقعه في قيد التوهم أنه يملك الحقيقة المطلقة، وأنها هي الحقيقة الوحيدة المتاحة أمام العقل الإنساني، وهذا هو النقيضة الكامنة في الكهف الأفلاطوني؛ فإذا لم يستطع العقل العربي إدراكها وقع في سلسلة جديدة من الوهم، ولكن هذا الوهم لا يطلق عليه وهم الزيف أو الضلال، ولكنه يطلق عليه وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، أو ما يعرف اصطلاحيا “الدجماطيقية”.

وقد شهد التاريخ الإنساني نماذج عديدة لعقول ظنوا أنَّهم تحرروا من قيود الظن، وأدركوا الحقيقة الوحيدة المطلقة. ولا شك أنَّ أفلاطون نفسه صاحب -قصة الكهف- وقع أسيرا لوهم الحقيقة المطلقة، وهذا ما أثبت خطأه العلم الحديث؛ فقد أثبت العلم أنَّ الحقيقة مطلقة، ولكنها ليست مطلقة في ذاتها، بل مطلقة في ضوء شروط وثوابت إذا ما تغيَّرت فقدت المعرفة سمة الإطلاق وتحرَّرت من وهم الحقيقة الثابتة المطلقة.

5,569 total views, 2 views today