د. حمد محمد الغيلاني

لَقَد وَصَل الرُّومي إلى سرِّ الولادة التي لا يَصِلُها الموت، واعتبرتْ اليونسكو عام 2007م عاماً لمَوْلَانا جلال الدين، واعترفتْ بحَاجَة الإنسانية جَمْعَاء إليه وإلى علمِهِ وفكرِهِ وإبداعاتِهِ.. مَوْلَانا الرُّومي من قامات الفكر الصُّوفي الرَّاسخة؛ فهو جَمَع بين التصوُّف، والإبداع المتناهي في الشعر والنثر، وأسَّس الطريقة المولوية، التي أصبحت فيما بعد من أشهر الطرق الصُّوفية، في السماع، تأثيراً وانتشاراً وتنظيماً. هُنا، وفي هذا المقال، نركِّز على العَوَامِل المؤثِّرة في الفكر والإنتاج لمَوْلَانا جلال الدين، وأكثرها تأثيرا، وما جَعَل ذكرَ ومكانةَ هذا الشاعر المتصوِّف المُبْدِع خالداً في قلوبِ المتصوِّفة والعامَّة، على حدٍّ سواء، وما جَعَل أشعارَه ومآثرَه تُتْلَى بكلِّ محبَّة، في أصقاع العالم أجمع، وأصبحتْ أشعارُه وكُتُبُه حتى الآن هي الأكثر انتشاراً ومَبِيْعًا، حتى في أمريكا.
لَقَد قِيْل عن مَوْلَانا ومكانته الشيء الكثير، وأصبح هو وابن عربي، النجمين الأكثر شُهرة ولمعانا في العالم العربي والإسلامي، وإنْ كانت مدرسة ابن عربي -التي تُمثِّل العقلية المنتظمة والمنهجية للتصوف- تختلفُ عن مدرسة الرُّومي التي هي قِمَّة العشق والوجد بين المتصوِّفين. وهنا نسردُ بعضَ مَقَالات الباحثين ووصفهم للرومي، ومكانته السَّامقة بين المتصوِّفة وشعرائهم. يقول المستشرق “أ.ج.آربري” في الرُّومي: “نلقى واحدا من أعظم شعراء العالم، عُمق فكر، واختراع صور، وتمكنا راسخا من اللغة، وهو يبرز في هيكل العبقرية العظمى في التصوُّف الإسلامي”. ويقول أيضا: “لقد أنقذ الرُّومي العالم من القلق والاضطرابات قبل سبعمائة سنة، وأوروبا اليوم لن تستطيع أن تتخلص من معاناتها النفسية إلا عن طريق كتبه التي ألفها”. ويقول كذلك: “إنَّ الرُّومي هو الطبيب المعنوي الذي يبحث عنه إنسان عصرنا المسجون في قفص الكراهية والإهمال والتفسُّخ”. أما “إيرانا ماليكوف”، فتقول: “لئن قامت أمم العالم بترجمة كتب جلال الدين الرُّومي إلى لغاتها وقرأتها بوعي، لانتهت الحروب وأزيلت الأحقاد، وانطفأت شرارات الكراهية والبغضاء بين البشرية جمعاء، ولانتشر الحبُّ والسلام في كافة أرجاء الدنيا”. وقال المؤرخ المعروف “همر” قبل عصرين واصفًا “المثنوي” بأنه: “المرجع الأساس لأصحاب التصوُّف جميعا؛ من نهر كانج إلى شواطئ البسفور”، بل إنَّ المساحة التي غطَّاها فكر هذا الصوفي وعطاؤه أكبر من ذلك بكثير؛ فقد غطَّت بقاع الأرض وقاراته العالم جميعا.

كَمَا قيل عن مَوْلَانا شِعْرًا:
باركوا أيها الرائحون والغادون بلخ!
فقد امتلأت فيها كأس الكؤوس….

وَيُقْول شاعر آخر:
أنصت
إلى المثنوي ومَوْلَانا فأنصت
وإلى الناي فأنصت
إنَّه عن نفسك يتحدَّث…
أنصت إلى الناي
إلى المثنوي ومَوْلَانا فأنصت
هذا الصَّوْت ليس كباقي الأصوات
لتعلم من أين جئت وإلى أين تسير
وتُدْرِك معنى كونك إنسانا…
أنصت إلى الناي
وأنصت إلى مَوْلَانا والمثنوي
أنصت، فإنَّ تلك الأصوات التي تنبعث من الأعماق
تهمسُ لك كروح القدس وتقول:
أنت مثل مريم، أرجوك أنصت
علَّك تُنجب عيسى بتلك الروح…

عواملُ عديدة أنتجت هذا الإبداع الفذ لهذا الشاعر الملهِم. وكما أنَّ تقييمَ أي إبداع فني راق، لا يُمكن أن تحدُّه عوامل محدودة، كالتعليم والزمان والمكان…وغيرها؛ فهناك من عوامل الصفاء والنقاء والإبداع، ما يعجز الإنسان عن تحديده وقياسه وتقييمه، وكذا إبداعات الفنون والشعر والتصوُّف، وهي كما يصفها الشاعر والأديب الكبير محمد إقبال: هي سحائب مرسلات من الحق العظيم سبحانه “عطايانا سحائب مرسلات.. ولكن ما رأينا السائلينا”. ومع ذلك، فإنَّ الإبداع الإنساني تتفاوت درجات تقويمنا له وتقديرنا لمنزلته.

تميَّز عصرُ مَوْلَانا جلال الدين بالانهيار التام للعالم الإسلامي، تحت قبضة المغول، الذين ارتكبوا أبشع صنوف الترويع والقتل والدمار في العالم الإسلامي عامة، وفي عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد خاصة؛ مما أدى بعائلة الرُّومي إلى التفكير في الترحال، من بلخ التي تقع في أفغانستان حاليا، إلى بغداد ومكة والشام، ثمَّ الاستقرار في قونية، التي كانت جزءًا من بلاد الروم، والتي تقع في تركيا، قبل تشكُّل الخلافة العثمانية، وهذا الواقع المؤلم الذي اجتاح العالم الإسلامي هو الأصعب والأعنف منذ بداية الإسلام وحتى ما قبله، إلى يومنا هذا. والطريف أنَّ هذه الفترة الصعبة التي مرَّت عليها المنطقة بأكملها هي الفترة التي أنتجت أكبر عددٍ من قادة الفكر الإسلامي في شتى صُنُوف المعرفة والفكر، ليس من حيث العدد فحسب، ولكن من حيث قوة الإنتاج الفكري وغزارته وإبداعه، خاصة في مجال التصوُّف؛ أمثال: فريد الدين العطار، وابن عربي، وصدرالدين القنوي، وقطب الدين محمود الشيرازي، ونجم الدين الرازي، وبهاء الدين الطوسي، وسعدي الشيرازي، وبرهان الدين الترمذي، وشمس التبريزي.

إلا أنَّ أوَّل من تأثَّر به جلال الدين هو أبوه بهاء الدين ولد، الملقَّب بـ”سلطان العلماء”، وهو من المتصوِّفة المعروفين بالطريقة الكبروية، وصاحب كتاب “المعارف”، الذي اعتكف عليه جلال الدين، وقرأه كثيرا، هو وأشعار المتنبي. كما أنَّ لقاء الرُّومي في صغره بفريد الدين العطار، أشهر المتصوِّفة والشعراء في بلاد فارس، وصاحب الكتاب المشهور في عالم التصوُّف “منطق الطير”، إضافة إلى كُتب عديدة أخرى؛ منها: “تذكرة الأولياء”، و”مصيبة نامة”، و”ديوان العطار”، و”مختار نامة”، و”خسرو نامة”، والتقاء العطار والرُّومي في طريق هجرة الرُّومي وهو صغير من بلخ إلى بغداد، ولقاؤهم في نيسابور، قصَّة مشهورة ومتداولة، وإنْ كان أنكرها بعض الكُتَّاب المعاصرين؛ أمثال: د. أحمد ناجي القيسي في تحقيقه لكتاب “منطق الطير”، إلا أنَّها قصة مثيرة ومتواترة في كثير من كتب التصوُّف، ولقد أهدى العطار كتابه “أسرار نامة” إلى الرُّومي، وقال قولته المشهورة لبهاء الدين ولد والد جلال الدين: “سيضرم هذا الولد النار بسرعة في مُحترقي العالم”. كما أنَّ جلال الدين الرُّومي، وبغض النظر عن لقائه بالعطار، يعتبر العطار وسنائي -صاحب كتاب “حديقة الحقيقة”- من أكثر المتصوِّفين الذين أثروا فيه؛ حيث يقول: “لقد كان العطار روحا، وكان السنائي عينيه، وقد أتينا من بَعْد السنائي والعطار”. ويعتبر سنائي أوَّل من ألَّف في المثنوي، وهو نوع من الشعر الفارسي يتكوَّن من شطرين، وتبعه بعد ذلك في هذا الفن العطار والرُّومي، ولم يُعَاصِر الرُّومي السنائي؛ حيث إنَّ السنائي توفِّي قبل ولادة الرُّومي بستين عاما تقريبا.

ومن بَيْن المتصوِّفة البارزين الذين عاصرهم الرُّومي، ابن عربي، الذي استقر بعد أسفاره العديدة من الأندلس إلى شتَّى البقاع، في دمشق، وألَّف كتبه المشهورة، وأهمها: فصوص الحكم والفتوحات المكية، ولا توجد أي أدلة مادية على لقاء المتصوِّفين الكبيرين ابن عربي والرُّومي، في أيٍّ من كُتُبِهما، إلا أنَّ كثيرًا من الباحثين يُرجِّحون هذا اللقاء لوجودهما جميعا، خاصة في السنوات العشر الأخيرة، قبل وفاة ابن عربي عام 1241م، في دمشق؛ حيث انتقل الرُّومي إلى دمشق في تلك الفترة لتعلم اللغة العربية والفقه وفنون الأدب والتصوُّف.
ولعلَّ اللقاء الأبرز والأكثر تأثيرا في شخصية الرُّومي وفكره وطريقته، هو لقاؤه بالعارف والمتصوِّف الكبير شمس تبريز، الذي كان يطوف البلدان بحثا عن متصوِّف آخر، هو يراه، لكن غيره، لا يراه، وكان يقول:
يا رب عرِّفني على أحد أحبابك المجاهيل.
ولا شكَّ أنَّ كلَّ هِبة تتطلَّب ثمناً يعادلها
وسئل في عالم المعنى، ماذا ستدفع لهذه الهبة؟
أجاب شمس دون تردد: “رأسي”.
ولعلَّه هُنا يتنبأ بمصيره الذي سيلقاه، من لقائه بالرُّومي.

لقد أَحْدَث هذا اللقاء -الذي جَمَع الرُّومي بشمس- تحوُّلا كبيرا وشاملا في حياة الرُّومي؛ فانتقل من مرحلة الإمامة والفقه والتدريس، وحتى مرحلة رياضات التصوُّف، من كثرة الصوم والقيام…وغيرها، إلى مرحلة الانزواء التام، والتأمُّل ومن ثمَّ السماع، وهذه المرحلة هي التي غيَّرت من فكر وطريقة الرُّومي، وأسَّست بعدها طريقته المشهورة في السماع والرقص الصوفي المسمَّاة “المولوية”.. ويقول الرُّومي عند لقائه شمس:
أيُّها البعث الخاطف، يا رحمة لا تنتهي
يا نارا نشبت في غابة الفكر
أصبحت اليوم باسم الثغر
غدوت اليوم مفتاح السجن، جئت للثمالى هبة من الله وفضلا
حاجب الشمس أنت، أهل كل رجاء أنت
أنت المطلب، أنت المطلب، أنت المنتهى والمبتدأ
نشأت في الصدور أنت، فازدان بك الفكر
أردت بنفسك الحاجة، فيسرت لفعلها السبل
أنت واهب الروح بلا بدل
أنت لذة العلم والعمل
وما بقي عبث ودغل
هو داء وسقم، وأنت دواء كل العلل
وبعد غَيْبَة شمس تبرير، واختفائه في الشام، ثم عَوْدَتِه بعد مُدَّة، يقول الرُّومي:
رشوا المياه في الطرقات
وبشِروا حدائق الروح
عطر الربيع آتٍ
ها هو آتٍ، ها هو
بدرنا، روحنا، حبيبنا آتٍ
أفسحوا الطريق، استقيموا، تفسحوا،
قفوا جانبا وتنحوا
صاحب الوجه النيِّر، وجه النور الوضاء آتٍ
انبعثتْ الأرض على خطواته
ها هو آتٍ، ها هو آتٍ
وهذه الأبيات الجميلة الفياضة، تدل عن مكانة شمس لدى الرُّومي، ومحبته الكبيرة له، وتكاملهما في الإبداع الخلاق للطريقة.
ولقد فَقَد الرُّومي صديقه وحبيبه الأعز شمس تبريز في غيابه الثاني، ولم ينتهوا إلى لقاء بعده، كان ذلك قبل وفاة الرُّومي بما يقارب خمسة وعشرين عاما، استطاع خلالها تلميذَا الرُّومي صلاح الدين وحسام الدين جلبي، أن يسدَّا شيئًا من الفراغ الروحي الكبير الذي تركه رحيل شمس التبريزي؛ حيث صحب صلاح الدين الرُّومي عشرة أعوام، وبعد وفاته صحبه حسام الدين الذي اقترح عليه التدوين، وبدأ في كتابة “المثنوي”، الذي يُعتبر السفر الأهم من أسفار وحكم الرُّومي العديدة.
ألَّف الرُّومي ثلاثة كتب للشعر؛ أهمها: “المثنوي”، الذي يضم خمسة وعشرين ألف بيت تقريبًا، ويضمُّ القصيدة الأبدع والأجمل في عالم التصوُّف وسحره ونقائه وشفافيته؛ حيث يقول فيها:
أنصت إلى الناي يحكي حكايته..
ومن ألم الفراق يبث شكايته
ومذ قطعت من الغاب، والرجال والنساء لأنيني يبكون
أريد صدراً مِزَقاً مِزَقاً برَّحه الفراق
لأبوح له بألم الاشتياق..
فكل من قطع عن أصله
دائماً يحن إلى زمان وصله..
وهكذا غدوت مطرباً في المحافل
أشدو للسعداء، وأنوح للبائسين
وكلٌ يظن أنني له رفيق
ولكنَّ أيًّا منهم لم يدرك حقيقة ما أنا فيه!!
لم يكن سري بعيداً عن نواحي، ولكن
أين هي الأذن الواعية، والعين المبصرة؟!!
فالجسم مشتبك بالروح، والروح متغلغلة في الجسم..
ولكن أنى لإنسان أن يبصر تلك الروح؟
أنين الناي نار لا هواء..
فلا كان من لم تضطرب في قلبه النار..
نار الناي هي سورة الخمر، وحميا العشق
وهكذا كان الناي صديق من بان
وهكذا مزقت ألحانه الحجب عن أعيننا..
فمن رأى مثل الناي سماً وترياقاً؟!
ومن رأى مثل الناي خليلاً مشتاقاً؟!
إنه يقص علينا حكايات الطريق التي خضبتها الدماء
ويروي لنا أحاديث عشق المجنون
الحكمة التي يرويها، محرمة على الذين لا يعقلون،
إذ لا يشتري عذب الحديث غير الأذن الواعية
كما ألَّف الرُّومي كتابه “شمس تبرير”، والذي يضمُّ أشعارا تتجاوز الثلاثين ألف بيت، إلى خمسين ألفا، والتي تضمُّ بعضَ الأبيات الجميلة؛ ومنها:
أيُّها البعث الخاطف، يا رحمة لا تنتهي
يا نارا نشبت في غابة الفكر
أصبحت اليوم باسم الثغر
غدوت اليوم مفتاح السجن، جئت للثمالى هبة من الله وفضلا
حاجب الشمس أنت، أهل كل رجاء أنت
أنت المطلب، أنت المطلب، أنت المنتهى والمبتدأ
نشأت في الصدور أنت، فازدان بك الفكر
أردت بنفسك الحاجة، فيسرت لفعلها السبل
أنت واهب الروح بلا بدل
أنت لذة العلم والعمل
وما بقي عبث ودغل
هو داء وسقم، وأنت دواء كل العلل
كما أنَّ للرومي كتبًا أخرى؛ منها: “فيه ما فيه”، الذي يضم أقوال الرُّومي وأحاديثه في جلساته مع أصدقائه ومريديه، جمعها ابنه سلطان ولد. وله كتاب آخر اسمه “المجالس السبع”، ويتألف من مواعظ جلال الدين وأحاديثه في مجالسه، كما يورد فيه بعض أشعار الشعراء المعروفين كالسنائي والعطار. وكتابه الأخير هو “المكتوبات”، وهو عبارة عن مجموعة من الرسائل التي أرسلها مَوْلَانا الرُّومي إلى بعض الأشخاص في المناسبات؛ ومنها رسائله التي كتبها للحكام والملوك.

إضافة إلى إنتاج الرُّومي الشعري والنثري الرائع، خاصة إبداعه الفذ في “المثنوي”، فإنَّ تلامذته المجيدين الذين عاصروه؛ مثل: صلاح الدين وحسام الدين وابن الرُّومي سلطان ولد، الذي ألف كتاب “ابتداء نامة”، الذي يضم العديد عن المعلومات عن أبيه، إضافة إلى الكاتبين “فريدون بن أحمد”، الذي خدم الرُّومي أربعين عاما، ثم ألف كتابا عن حياته، تلاه بعد ذلك “أفلاكي”، الذي ألف أشهر كتاب عن الرُّومي بعنوان “مناقب العارفين”، والذي ألف كتابه بعد وفاة الرُّومي، ولقائه بابن الرُّومي سلطان ولد.
كما أنَّ إبداع الرُّومي لفن السماع وتطويره، ثم إظهاره بالشكل الحالي المنظَّم وفق أسس وقواعد وحركات وملابس وأدوار مُحدَّدة، طوَّرها ونظَّمها ابنه سلطان ولد، بعد وفاة الرُّومي؛ حيث أصبح السَّماع -أو ما يسمى بـ”الطريقة المولوية”- من الطرق الصوفية الأكثر حضورا وتنظيما وانتشارا في تركيا وبلاد فارس والهند والشام…وغيرها؛ حيث أعطى الرُّومي للسماع بُعدًا آخر، وعرَّفه بقوله:
أتعرف ما السماع..؟
هو سماع كلمه بلى، هو نسيان النفس والوصول إلى الله…
أتعرف ما السماع..؟
هو رؤية حال الحبيب وإدراكه..
وهو سماع الأسرار الإلهية من خلف الأستار اللاهوتية..
أتعرف ما السماع..؟
هو الغياب عن الوجود، وتذوق الخلود في الفناء
أتعرف ما السماع..؟
هو محاربة النفس، والرقص على الأرض كدجاجة نصف مذبوحة مضمخة بدمها
أتعرف ما السماع..؟
هو دواء النبي يعقوب، وشم ريح يوسف من قميصه
أتعرف ما السماع..؟
هو عصا موسى التي تلقف سحر فرعون في كل حين
أتعرف ما السماع..؟
هو الوصول إلى السرِّ الإلهي مع الله
الذي لم تستطع الملائكة الوصول إليه
أتعرف ما السماع..؟
هو فتح الفؤاد كشمس التبريزي، ومشاهدة الأنوار القدسية.
لقد كانَ الرُّومي يؤدِّي السَّماع في كل مكان، وكل وقت، بعد أن تعرَّف على شمس تبريز، ولم يكن يهتم بالسماع قبل ذلك. لكنَّ الطريقة المولوية الحديثة بشكلها المنظم والمتقن، صيغت في زمن ابنه سلطان ولد. وهو الذي وضع قواعدها الحالية.

إذن؛ هُناك عَوَامل عديدة ساعدت في بناء شخصية الرُّومي، وإبداعه؛ منها: بيئة التصوُّف التي عاشها في بيته ومع والده، ولقاؤه وتعرفه على قادة التصوُّف والشعر الصوفي الإسلامي؛ أمثال: فريد الدين العطار، ومعاصرته لكثير من المتصوِّفة؛ وأهمهم ابن عربي الأندلسي، ولقاؤه المهم والمؤثر بقامة شامخة من قامات التصوُّف وهو شمس التبريزي، واهتمام تلاميذه بتراثه وتدوينه؛ وأهمهم: ابنه سلطان ولد الذي حفظ تراث أبيه وتاريخه وإنتاجه الفكري وطريقته المسماة بـ”المولوية”، إضافة إلى عامل الزَّمان، وهو اضطراب العالم الإسلامي أجمع في تلك الفترة؛ مما ولد لديه إبداعا حضاريًّا هائلا في شتى المجالات، عكس ما تولده فترة الركود من خمول وكسل، كما أنَّ معرفة الرُّومي في تلك الفترة بلغة بلاد فارس والعربية والرُّومية، أعطاه مجالا خصبا للتعرف على كل تلك الثقافات والإنتاج الفكري، وصياغتها بشكل مُبدع فريد بعد ذلك في إنتاجه الفكري الخاص، كما أنَّ استقرارَه في مدينة قونية، التي تميَّزت بالهدوء والجمال، يسَّر بُعْدًا آخر للإبداع، جمع بَيْن جمال المكان وهدوئه، وربط المكان بمنتج الحضارة العربية والإسلامية بشكل عام، مع منتج الحضارة الرُّومية ولغاتها.

ولا يُمْكِن هُنا ترجيح سبب دون آخر، في تكامُل إبداع الرُّومي وخلوده، لكنْ لكل تلك الأسباب أثر مباشر أو غير مباشر، في صقل إمكانيات ومكانة الرُّومي، وانتشار فكره وإنتاجه وطريقته. وإنْ كان عامل الاتحاد مع فكر ومعرفة شمس تبريز، له أثر بالغ في انقلاب فكر الرُّومي، وتشكله الجديد.
ومع ذلك، لا يُمكن لجميع ذلك أنْ يكون له أثر في تشكُّل شخصية الرُّومي وإبداعاته، إذا لم يكن لنقاء وصفاء وذكاء وعبقرية الرُّومي نفسه، واستعداده النفسي والروحي، من إحداث هذا التقدُّم الهائل، وهذا الخلود المستمر للفكر والشعر والطريقة.
ونختم هذا الحديث بكلمات لمَوْلَانا جلال الدين:
تعال.. تعال
لا يهم من أنت
ولا إلى أي طريق تنتمي
تعال، لا يهم من تكون
عابر سبيل، زاهد، أو عاشق للحياة
تعال، فلا مَكَان لليأس هنا
تعال، حتى وإنْ كُنت أخللت بالتزامك ألف مرة
فقط، تعال، لنتكلم عن الله.

—————————————————-

المراجع:
– “مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي”، جيهان أوقويوجو، دار النيل.
– “جلال الدين الرمي بين الصوفية وعلماء الكلام”، عناية الله إبلاغ الأفغاني، الدار المصرية اللبنانية.
– “بصائر من وحي كلمات مَوْلَانا جلال الدين الرُّومي” (جزأين)، ماهر سقا أميني، دار النفائس.
– “بحثا عن الشمس: من قونية إلى دمشق”، عطاء الله تدين، ترجمه عيسى عاكوب، دار نينوى.
– “في حضرة جلال الدين الرُّومي” (رواية)، إسحاق الشيخ يعقوب، دار الفارابي.
– “العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولوية”، بكري علاء الدين، دار نينوى.
– “ذخائر الأقوال في مَوْلَانا جلال”، علي حسون، دار الرؤية.
– “جلال الدين الرُّومي صانغ النفوس”، إحسان الملائكة، المركز الثقافي العربي.
– “منطق الطير” (جزأين)، فريد الدين العطار، تحقيق أحمد القيسي، دار نينوى.
– “تذكرة الأولياء”، فريد الدين العطار، دار المكتبي.
– “جلال الدين الرُّومي.. غربال الروح (مختارات من غزلياته ورباعياته)”، ترجمة عاشور الطويبي، منشورات الجمل.
– “المثنوي: جلال الدين الرُّومي”، تقديم حسن شفيق، الهيئة العامة المصرية للكتاب.
– “يد العشق” (جزأين)، مختارات من ديوان شمس تبريز، جلال الدين الرُّومي، ترجمة، عيسى عاكوب، دار نينوى.
– “قصائد مختارة من ديوان شمس تبريز”، محمد السعيد جمال الدين، مكتبة الشروق الدولية.
– “أبعاد الصوفية للإسلام”، آن ماري شيملن، ترجمة عيسى عاكوب، دار نينوى.
– “الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة”، أحمد علي زهرة، دار نينوى.
– “رسائل ابن عربي”، تحقيق مُحمَّد عباس، دار مدى للثقافة والنشر.
– “الحلاج في ما وراء المعنى والخط واللون”، سامي مكارم، دار رياض الريس للكتب والنشر.
– “رباعيات مَوْلَانا جلال الدين”، عيسى العاكوب، دار الفكر.

500 total views, 2 views today