علي بن سليمان الرواحي

الخصخصة من الخدمات الى المعرفة
تركَّزت الخَصْخَصة -بالمعنى التقليدي والمتعارف عليه- في بعض الجوانب الاقتصادية فقط؛ ذلك المتمثَّل في الخَدَمات التي تُقدَّم للجميع، كالكهرباء والاتصالات..وغيرهما، غير أنَّه في العقود الأخيرة -وبفضل العولمة الشاملة- نجد أنَّ الثقافةَ قد قَفَزت إلى قلبِ المشهد العالمي؛ فهي لم تعُد البنية الفوقية التي تتأثر بأنماط الإنتاج، وأساليب الحياة السائدة في كلِّ عصر حسب الرُّؤية الماركسية لها، بل أصبحتْ الفاعل الأول والرئيسي في العالم، والمجتمعات، كما أنَّها أصبحتْ تقُوْد التحوُّلات المختلفة في العالم، وعاملاً من عوامل الترفيه الرئيسية، وفي الوقت ذاته عاملاً من عوامل التوترات العالمية أيضاً؛ ذلك أنَّ مفهوم الثقافة قد اتَّسع وتَعَاظم كما لم يحدث من قبل؛ فهي لم تعُد تقتصر على التُّحف الفنية العتيقة، والأحجار التي يتم الاحتفاظ بها في المتاحف والمعارض، كما لم تعُد تقتصر على شخصيات مُحدَّدة تخدم تياراً واحداً فقط، أو محدودة بنوعٍ معُين من المعارف والأشخاص النخبويين كما هو التصوُّر التقليدي، بل أمستْ -وبفضل العولمة- مسرحاً للهيمنة، ورمزاً للتوسُّع الرمزي لثقافة معُينة؛ الأمر الذي جَعَل هذه الورقة تَطْرَح خيارَ الخَصْخَصة الثقافية كإضافة مهمة لهذا المسار على المستوى المحلي تحديداً؛ فهي تقوم على الخطوات التالية:
١– يُعتبر التعدُّد في وُجود المؤسَّسات الثقافية في عُمان عاملاً إيجابيًّا، يُوْحِي بالتنوُّع في الأنشطة والفعاليات، غير أنَّه من الجانب الآخر يُشير إلى التكرار والرتابة، والسقوط في فخ الروتين والإجراءات الرسمية المفُرطة في التعقيد؛ مما يعني أنَّنا بحاجة لإعادة هيكلة هذه المؤسَّسات الثقافية، ودمجها مع بعضها البعض؛ لتُنْتِج بالتالي مؤسَّسات جديدة أكثر فاعلية، وأكثر إنتاجية أيضاً، مع وجود خطط سنوية واضحة للفعاليات والأنشطة؛ ذلك أنَّه وبالرغم من هذا التعدُّد -الذي يُوحي بالاختلاف- نجد أنَّ المستوى الثقافي مُتواضع من ناحية الفعاليات، ونوعيتها، واتجاهاتها التي تتناولها، وهو ما يُؤثِّر إلى حدٍّ كبير في التفاعل الجماهيري المنُتظر.
٢– لا مركزية المؤسسات الثقافية: في الكثير من الأحيان تُعتبر المركزية في الأنشطة، والتركيز على مناطق جغرافية معينة، عاملاً من عوامل نُفور المتلقِّي، وعدم اهتمامه بالجانب الثقافي والمعرفي. ولأجل ذلك، من الضروري تنشيط هذا الفعل من خلال توزيع الفعاليات خارج المناطق المركزية على المستوى المحلي، وفتح المشاركات على المستوى الخارجي كعامل مُساعد للتعريف بهذه المؤسَّسات والأنشطة والكثير من الأسماء المحلية التي تُعتبر مجهولة في الخارج.
٣– جذب المجتمع المحلي: لزيادة فاعلية وإنتاجية هذه المؤسَّسات الجديدة، ولكي يَشْعُر أفراد المجتمع بأنَّها تنتمي إليهم، وأنهم قادرون على المساهمة فيها، يَنْبَغي التوجُّه للمهتمين في كل منطقة، خارج المركز، وإشراكهم بشكلٍ مُباشر وفعلي، مع ضرورة الابتعاد عن المواضيع التقليدية، المملَّة والمكرَّرة؛ الأمر الذي يعني أنه من الضروري بث روح جديدة من خلال الفعاليات المتنوعة في هذه المجتمعات، كما أنَّه من الضروري أن يعتبر الفعل الثقافي جزءًا لا يتجزَّأ من الحياة، وليس كفعاليات مُتقطعة أو منعزلة، تقام بشكلٍ شهري أو موسمي، كما هو الوضع الحالي.
٤– استثمار الأماكن السياحية: والتاريخية على حدٍ سواء؛ وذلك عن طريق إقامة العديد من الفعاليات فيها بشكل حداثي وفني وبصري مُختلف من جهة، وتنشيطها من الجهة الأخرى؛ مما يعني تعريف المتلقِّي بها، وإعادة إحيائها في الذاكرة الجمعية.
٥– تفريغ الكتاب والباحثين والفنانين: لفترة زمنية معينة؛ وذلك بوجود اشتراطات حول طبيعة العمل، ومدته الزمنية وكل التفاصيل المتعلقة به، وهو ما يقُوْدنا إلى ضرورة وجود مراكز بحثية ومؤسَّسات مُستقلة من جميع الجوانب: المالية والإدارية، بحيث تستطيع القيام بمهمتها والتعاقد مع داعمين لها، بكل حرية، وبعيداً عن الجانب الإداري البطيء، وهو ما يؤدي لتقبُل وجهات النظر المختلفة، تلك التي لا تتفق بالضرورة مع الجانب الرسمي.
وإضافة لذلك، يُعتبر الاهتمام بالمجال الثقافي بالمعنى الواسع للكلمة بما يشمل الفنون بمختلف أنواعها، وضرورة إخراج هذا الاهتمام من المجال التقليدي في التسويق والعرض للوصول للجمهور، ضرورة لا غِنَى عنها في مُستقبل الدول والشعوب على حدٍّ سواء؛ فهو يعتبر في الكثير من الأحيان بمثابة صمام أمان للكثير من السلوكيات التي لا تتناسب مع القيم الكونية والإنسانية، كما أنه يعتبر دعامة مهمة في الوعي الذي بدوره يُسهم في عملية البناء التنموي.
نماذج لمنطق السوق
ولكي لا تَبْقَى المقترحات المذكورة أعلاه في أعالي النظرية، فمن الضروري قياس الوضع الثقافي المؤمل على الوضع الاستهلاكي والترفيهي كما هو في السوق المحلي؛ ذلك أنَّ هذه الأمثلة تمنحنا إمكانية مُحاكاة هذا الوضع، وتطبيقه على الجانب الثقافي، مع وجود بعض التعديل والتشذيب التي يقتضيها السياق الحالي:
١السينما
يُوفِّر لنا القطاعُ السينمائيُّ في السلطنة نموذجاً جيداً للتنافس، ولوجود سوق جيدة للأنشطة الترفيهية والسينمائية، ذلك أنَّ هذا التعدُّد في صالات العرض، من الممكن أن يتم تطبيقه على استضافة الكثير من المعارض والمتاحف، وإقامة صالات سينمائية جديدة، بأذواقٍ غير هووليودية، تتجه للمعرفة، كما أنها مؤشر جيد على قدرة بقاء واستمرارية هذا الجانب في ظل التنافس الواضح في مجال واحد. وبلغة المال، نجد أنَّ الإقبال على صالات العرض من الممكن استثماره بشكلٍ معرفي؛ ذلك أنَّ مُتوسط سعر دخول الفرد لكل فيلم سينمائي يصل إلى 4 ريال عُماني؛ مما يعني أنَّ الحضور لديه القابلية للدفع والإنفاق في حالة وجود بديل جيد، ومُشجِّع.
٢المراكز التجارية
توفِّر لنا المراكز التجارية صورة إضافية للإمكانيات التي من الممكن استثمارها، أو تطبيقها على القطاع الثقافي؛ فهي -المراكز التجارية- بالرغم من انتشارها الكبير في العاصمة مسقط، ألا أنَّها تتميَّز بالاستمرارية، وتحقيق الأرباح المتزايدة، وهو ما يتَّضح في افتتاح الكثير من المراكز التجارية بشكلٍ مُستمر. وفي هذا السياق، واستمراراً لما جاء في النقطة السابقة، نجد أنَّ المستهلك يُنفق الكثيرَ من المال في سبيل الحاجات الاستهلاكية والترفيهية، وهو ما يَعْنِي أنَّنا من الممكن وضع المعرفة وتغليفها وعرضها بطرق جديدة غير مألوفة، جاذبة للاهتمام.
ولأجل ذلك، وبهدف التنافس على الجمهور من الناحية الثقافية، تضع هذه الورقة بعضَ المقترحات التي ترتبطُ بما وَرَد أعلاه، وتحديداً بالشكل رقم (1)؛ فهذه الشركات المنبثقة عن الشركة الأم القابضة (معرفة)، من الضروري لإنعاش الوضع الثقافي المحلي أنْ تستضيف بشكل مُستمر الكثيرَ من الفعاليات والمقترحات المختلفة، على أن تحقِّق هامشاً معقولاً من الربح بما يَضْمَن لها استمرارية الأنشطة وتطويرها؛ وذلك بفرض رسوم رمزية معقولة بما يتناسب مع القوة الشرائية للمواطن والمقيم؛ ففي مجال المسرح، من الضروري استضافة فعاليات مسرحية مختلفة من جميع الأطياف والتوجُّهات، وهي في ذلك تستهدف جانباً كبيراً من المسارات، على أنْ تكون في أماكن متوسطة المستوى، ولا تقتصر فقط على منطقة دون الأخرى، بل يتم نشرها على الكثير من المحافظات ذات الكثافة السكانية، مع ضرورة التنسيق مع المدارس أو الأندية الرياضية المختلفة.. ينطبقُ هذا الأمر أيضاً على المتاحف، والمعارض التشكيلية المختلفة، ذلك أنَّ هذا التنوُّع كفيل برفد السوق الثقافي، وتنشيطه، وربما الأهم من ذلك، زرع بذرة الإبداع الحُر في نفوس ووعي المتلقي والأجيال القادمة. غير أنَّ السؤالَ التالي يتعلق بكيفية الدعم المالي لإقامة هذه الفعاليات بما يضمن استقلالية المؤسَّسات شيئاً فشيئاً، وفي الوقت ذاته عدم استغلالها من قِبل المصالح الشخصية الفئوية والأجندة الرسمية في الجانب الآخر.
المسؤولية الاجتماعية والتنوير
لا شكَّ أنَّ الدَّعم المالي في الكثير من الأحيان قد يكون هو العامل الرئيسي الموجَّه في نوعية الأنشطة، وكثافتها، ذلك أنَّ الدعمَ لهذه الأنشطة ليس مجانيًّا؛ فالدَّاعم يَرْغب في الحصول على النتائج بالطريقتين: المادية المباشرة، والمعنوية غير المباشرة، أو طويلة الأمد. ففي حالة وجود المؤسَّسات الرسمية التقليدية، نجد أنَّ المواضيعَ التي يتم مُناقشتها تتَّسم بالبرود، والجمود، والابتعاد عن مُناقشة المواضيع الحساسة، والتي تتداخل مع شرائح المجتمع المختلفة، تلك التي تستطيع جَذْب نسبة كبيرة من المتابعين، وربما نستطيع القول بأنَّها تتَّسم بالجانب الشكلي الذي يُعتبر في الكثير من الأحيان “تحصيل حاصل”. غير أنَّه في المقابل، نجد أنَّ المؤسَّسات الأخرى الربحية تبحث عن المردود المادي دون الاهتمام بالمضمون إلى درجةٍ كبيرة. وبشكلٍ خاص، إذا أخذنا في الحسبان الاهتمام الشعبوي الكبير في الوقت الحاضر ببعض الأسماء، والشخصيات الإعلامية، التي لا تُسهم في تعميق الاختلاف الفكري والفلسفي الجذري، أو طرح المواضيع التنويرية المستقلة، بقدر ما تُسهم في جعل المعرفة نوعًا من الوجبات السريعة، التي يتم التهامها في ظرفٍ زمني وجيز والإيهام بالامتلاء.
وللخروج من هذا التأرجُح بين الشعبوية التبسيطية المُخلة، وبين الشكلانية التقليدية الممُلة، من الضروري إبراز دور النماذج الوطنية في هذا الشأن من جهة، وتحمُّل المسؤولية الاجتماعية من قبِل الكثير من المؤسَّسات التعليمية والشركات الكبرى المختلفة في الجهة الأخرى. ففي الجانب الأول (النماذج الوطنية)؛ ومن خلال الكثير من النماذج التاريخية المختلفة، وبعيداً عن التركيز على بعض الأسماء دون غيرها، نجد أنَّ هذا الدَّعم السخي لبعض الأسماء التنويرية، والفكرية، في مرحلة معُينة من مراحل المجتمع، كان بمثابة الواجب الأخلاقي الذي لا يُمكن التفريط فيه؛ فعن طريق هذا الدعم متعدد الجوانب من الممكن لهذه الأفكار التنويرية أن تزدهر، وتترسخ، وتنمو في مقابل الكثير من الأفكار المتطرفة، والرجعية، والمنغلقة؛ الأمر الذي يُسهم في تغيير مسار المجتمع؛ بما يعني التغيير الفكري، وخدمة مصالح الفئات الغنية من جهة، وتغيير وجهتها للجانب الإيجابي. كما أنَّه وفي الجانب الآخر، فإنَّ دعم المؤسَّسات التعليمية والشركات الكبرى للبحث العلمي الحُر والمستقل، وتحديداً في جانب العلوم الإنسانية والفلسفية، يعُتبر حاسماً في هذا السياق، فهذه المؤسَّسات -وعن طريق هذا الدعم لبعض الشخصيات- بإمكانها تعزيز التنوُّع الثقافي في البيئة الاجتماعية، كما تُسهم أيضاً في تشكيل مساراتٍ تخدم المعرفة على المدى الطويل؛ مما ينعكسُ إيجابًا على المخرجات التعليمية والمهنية؛ الأمر الذي يرفد سوق العمل بعقول نشطة، ومنفتحة، ولا يقتصر فقط على تناسخ موظفين إداريين يؤدون المهام المطلوبة منهم، دون أنْ ينعكس ذلك على السياق الاجتماعي والحضاري للبلد.
وفي المقابل، فإنَّ هذا الجانب الثقافي ليس في مُتناول اليد؛ فالتحديات التي يواجهها ليست مالية أو تمويلية، رغم عُمق وأهمية هذه الإشكالية ودورها في صعود الكثير من الاهتمامات والتيارات عن طريق دعمها، ودورها أيضاً في الجانب الآخر في إضعاف بعض التوجهات والتيارات المختلفة، ذلك أنَّ هناك مصاعبَ وتحديات مؤسَّساتية، مرتبطة ببعض المواقف الرسمية من المسألة الثقافية، وهو ما نتناوله في الفقرة المقبلة.
تحديات أمام الحرية الثقافية
مُنذ فترة زمنية طويلة، لم يعُد النظر لمفهوم الثقافة كما هي الحال فيما مَضَى؛ حيث تجاوزتْ الثقافة ذلك المفهوم الماركسي الذي يتأثر بنمط الإنتاج، لتصبح هي بحدِّ ذاتها نمطاً إنتاجيًّا مُستقلاً، يستطيع من خلاله الفرد التأثير في المجتمع وتغييره؛ ذلك أنَّ الثقافة ليست ذلك الجانب النخبوي، المتمثل في الندوات الروتينية، والحضور الصامت، كما أنها ليست تلك الأفكار والمعتقدات عتيقة العهد، التي تحاول الكثير من المؤسَّسات والتعريفات على حدٍّ سواء وضعها في صيغة حديثة الشكل، بل أصبحتْ في العقود الأخيرة تَحْظَى بالكثير من الاهتمام والتقدير من جهة، وهذا دليل واضح على أهميتها المتزايدة، كما أنها في المقابل تُواجه الكثيرَ من التضييق والقمع من الجهة الأخرى، وهو ما يثبت أهمية الفعل الثقافي.
فمع الدراسات الثقافية، قفزتْ إلى السطح الكثيرُ من المواضيع التي تعُتبر مُهمَّشة، وغير ثقافية لفترة طويلة، بل كان يتم النظر إليها على أنَّها خارج مفهوم الثقافة، وهو ما يَعْنِي أنَّ المفهوم التقليدي للثقافة قد تراجع، وأننا أمام صعود مفهوم جديد للفعل الثقافي، يتأثر بشكل كبير بالأحداث والمنتجات العالمية المختلفة، وتحديداً مع ظهور التليفزيون والموسيقى الشعبية والإنترنت، وسرعة التبادل الاقتصادي والمعدلات الكبيرة للهجرة، والتدفُّق البشري الهائل بين الحدود…وغيرها من المواضيع والاهتمامات الأخرى، غير أنَّ ثمة تحديًا آخر يفرض نفسه بقوة أكثر من أي وقتٍ مَضَى؛ وهو تغوُّل الدولة بشكلٍ عام في جميع مناحي الحياة، ورغبتها الهستيرية وغير المعقولة في فرض الرقابة على كلِّ حركات وسَكَنات التحرُّكات البشرية المختلفة، وقمع -أو التضييق على- الاختلافات الفكرية الطبيعية في سياق المجتمع؛ فالاختلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لم تعد خياراً من الممكن التحكُّم به عن طريق القبول أو الرفض، بل أصبح حتميًّا، لا يمكن إيقافه أو تحجيمه؛ فهو يعتبر علامة صحية في مسار المجتمعات، وعاملاً من عوامل الغنى والجذب الثقافي في الكثير من السياقات الثقافية المختلفة؛ ذلك أنَّ عناصرَ الجاذبية لا تقتصر فقط على الجانب المالي بالرغم من أهميته، بل -وهذا هو الأهم- بمستوى الحرية المتوفرة في هذا المجتمع، وهذا الحرية ليست السياسية فقط، بل أيضاً كما سبق القول ترتبط ببعضها البعض في شبكة متراصة، ولا يمكنها الانفصال.

شكل رقم (1)

824 total views, 2 views today