شيخة البادي

لا يبدو موضوع الحديث عن الأزمة التي تواجهها اللغة العربية، ورصد أسبابها، جديدًا على التناول. فثمَّة بحوث، ودراسات، ومؤتمرات، وأنشطة علمية مُختلفة تناولت تلك القضية، وأفاضتْ في مناقشتها، وقدَّمت من الأفكار والتوصيات ما يُمكن أنْ يُقلص من أثر تلك الأزمة لو وَجَد نفسه خارجَ حدود الكتب والأوراق، والحيز التنظيري عمومًا.

ولعلَّ من خير المبادرات وأكثرها علمية، والتزامًا بالمنهج البحثي، وقربًا من القضية ومحتواها: مشروع “لننهض بلغتنا” الذي نفذته مؤسسة الفكر العربي، وأصدرت بحوثه في العام 2012م (في طبعتها الأُولى)، تحت عنوان: “لننهض بلغتنا.. مشروع لاستشراف مستقبل اللغة العربية”.

وتكمن أهمية هذا المشروع في جملةٍ من العوامل؛ لعل أبرزها: خبرات العلماء الذين صاغوا رؤيته، وأجروا بحوثه المستندة إلى نتائج 7863 استبانة بحثية. تلك الخبرات تعدَّدت لتشمل: تدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية والجامعات، وتدريس العربية للناطقين بغيرها، وإعداد المناهج التعليمية، وعضوية ورئاسة مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة، والعمل الإعلامي، والسينما والمسرح…وغيرها من مجالات العمل ذات العلاقة المباشرة باللغة العربية؛ مما انعكس على نضج الرؤية التي قدمها هذا المشروع.

أما العامل الثاني، فيكمن في العمل على إشراك شرائح واسعة من: الشباب، والمبدعين، وطلاب الجامعات، والأكاديميين، والتلامذة الثانويين، والمعلمين في مرحلة قبل الجامعة، والإعلاميين، وأعضاء المجامع اللغوية والباحثين، في أحد عشر بلدًا عربيًّا؛ من خلال الاستمارة الموزَّعة. إضافة إلى العامل الثالث؛ وهو: المنهجية العالية التي خَضَعَ لها هذا المشروع، وفرز نتائج استباناته؛ لتأتي البحوث -ونتائجها- مراعية للقضايا المعاصرة التي تشهدها اللغة العربية.

إنَّ هذا الجهد العلمي مقدَّر وعظيم، ولكنه لن يكون ذا قيمة حقيقية تخدم اللغةَ العربية ما لم يتم التعامل مع نتائجه بجدية أكبر من أصحاب القرار، كل في موضع اختصاصه.

لنبدأ مثلاً ببعض المُشكلات الجوهرية التي تُشارك في تشكيلِ واقع اللغة العربية، وتحدد مسارَ مستقبلها، ما لم توجَّه مساعٍ عملية وجادة لتغيير هذا المسار؛ ولنذكر من ذلك: مستوى المعلمين في المدارس. فتبيِّن نتائج الاستبانة -الموزعة ضمن المشروع المشار إليه سابقًا- أن نسبة 74.3% من الرأي العام ترى هشاشة كبيرة وواضحة في التكوين العلمي للمعلمين (1)، وهذا الرقم كبير وخطير، ويمثل مرآةً تفضح بعض أسباب التدهور الذي تعيشه اللغة، كما يوجه مستقبلها إلى مزيدٍ من التردي والانحطاط والتدهور.

إننا حِيال واقع لا يجب تجاهله البتة، يعكسه ضعف -وهذا أقل ما يمكن أنْ يقال عنه- المستوى اللغوي للطلاب الذي يلتحقون سنويا بمؤسسات التعليم العالي؛ فمن المخزي حقًا: أنَّ منهم مَنْ لا يتمكن من كتابة جملة قصيرة صحيحة واحدة (وهذا ليس من المبالغة!)، ولا يفرق بين الفعل والفاعل، والاسم والفعل والحرف، ولا يتذوق بيتًا شعريًّا واحدًا. وعُمره يشارف العشرين ولم يقرأ كتابًا في حياته، بل لا استعداد لديه لذلك، ولا رغبة لتقديم قليلٍ من الجهد لتطوير نفسه.

وإنَّ بعض هؤلاء يتخصَّصون في دراسةِ اللغةِ العربية، ويسعون -لا سيما الإناث منهم- إلى العمل في مجالات التربية والتعليم، والصحافة والإعلام؛ مما يعني تنميط النتائج، وتكرارها.

أما المثال الثاني، فنقدمه من خلال السؤال: ما إذا عمل الإعلام العربي (السمعي، والمرئي، والمقروء) على تطوير اللغة العربية والارتقاء بمستواها؟ ويأتي تقديم هذه الفكرة إشارة إلى أهمية العلاقة بين وسائط الإعلام واللغة.

فعلى سبيل المثال: يأتي الحوارُ في أَغلب الأَفلام السينمائية والمسلسلات بالعامية، وهذا لا تفرضه بالضرورة حاجة النص الإبداعية، بل أمور أخرى على غرار قصة “دعاء الكروان” لطه حسين؛ إذ كُتب الحوار بالفصحى، وظهر بين الممثلين باللهجة المصرية. ويرى 29.8% من المشاركين في استبانة مشروع “لننهض بلغتنا”، أن السبب يكمن في ضرورات الإنتاج والتوزيع أو الربح المالي، و36.5% يرون السبب يمثل في سهولة مفردات وتراكيب اللهجة المصرية، و31.4% يُرْجِعُون الأمر إلى ضعف ثقافة العربية الفصحى لدى روَّاد السينما. أما نسبة 81.6%، فترى أن السبب هو عدم تقبل الممثلين تأدية الدور بالفصحى! (2). ونلاحظ أن جميع هذا لا يبرر دخول العامية في هذا العمل، بل إنَّ هذا الأمر يتنافى مع شعارات اعتزازنا باللغة العربية الفصحى، ودعمنا لها.

أما القضية الثالثة التي نمثل من خلالها على واقع اللغة العربية، فتحضرُ في جهود مجامع اللغة العربية في الإسهام في خدمة اللغة العربية، والعمل على مواكبة مستجدات الحياة؛ فاللغة العربية -بصفتها لغة حية- تأخذ من لغات العلوم الأخرى، وتعطي تلك اللغات من مُفرداتها أيضًا، و هذا الأمر سِمَة من سمات الحياة والتطور. وهذا يُحتِّم ضرورة تحديث معاجمها اللغوية بصفة دورية ومنتظمة، وليس كما هي الحال مع “المعجم الوسيط”، الذي صدر منذ أكثر من خمسين عامًا، ولم يُحَدَّث إلى اليوم، وكأننا نقول بهذا إن 1960م، هو العام الذي توقفت فيه هذه اللغة عن التطور؛ في حين أن بعض المعاجم في اللغات العالمية -ومنها: الإنجليزية والفرنسية- تُحَدَّث كل عشرة أعوام؛ مُواكبة ما يدخلها من تطورات.

ومما تتوجَّب الإشارة إليه وتأكيده؛ هو: أننا لا ننكر الدور الذي قامت به هذه المجامع في خدمة اللغة العربية من جهود؛ سواءً: في تعيين المعاجم، أو في تحقيق الكتب وإخراجها، وإنجاز البحوث والمجلات…وغيرها، وإنما نؤكد على أهمية تفعيل هذا الدور، ودعمه وتطويره ليواكب قضايا اللغة في ظل العولمة الاقتصادية السياسية.

قضايا أخرى يجب أنْ نلتفت إليها؛ منها: واقع المحتوى الرقمي للغةِ العربية، بموادِه النصية الحرفية، أو السمعية، أو البصرية؛ فهي ورغم المبادرات المقدَّمة في هذا السياق، غير أنها لا تزالُ محدودة، وتحتاجُ إلى مزيدٍ من الدعم والتطوير، فـ”اللغة العربية لا تزال تحتل المرتبة الـ131 على صعيد المحتوى المطروح ضمن مادة موسوعة (Wikipedia) من اللغات الــ140 الموجودة فيها؛ إذ بلغ عدد المقالات العربية 154 ألف مقالة تشكل نسبة 0.007% من عدد السكان الناطقين باللغة العربية، كما أنها تشكل فقط 0.82% من عدد المقالات الموجودة على الموسوعة، وبواقع 500 مقال لكل مليون مواطن عربي” (3).

وأمرٌ آخر: يتمثل في إدارة أعمال مؤسساتنا بلغات أجنبية -أولها: الإنجليزية- وتباهينا بهذا، في حين أن منظومتنا التشريعية والقانونية تؤكد أن اللغة الرسمية هي العربية. ولا بأس أنْ تُستخدم اللغة الأجنبية في حال الضرورة، في مراسلاتنا، واجتماعاتنا…وغيرها من أوجه النشاط العملي. ولكن: ما الذي يبرر استخدام الإنجليزية -أو غيرها- لغةً في اجتماعٍ جميع حضوره عرب، وناطقين بالعربية؟ أو لغة تقرير أو مراسلات أو عقود عمل بين مؤسستين عربيتين ناطقتين بالعربية؟! هل هو إقرار بشعورٍ بدونية اللغة العربية وعجزها، وضمورها، وتراجعها؟!

إنها ليست دعوة للتقليل من أهمية تعلم لغات أخرى، وإجادتها؛  فالأمر هذا ضرورة ملحة، لتقليص الهوة الثقافية والإنسانية والحضارية بين شعوب العالم. ولكن، الأمر هذا يجب ألا يكون محرضًا أو دافعًا للتقليل من أهمية التعامل بجدية مع تعلم اللغة العربية وإتقانها، وتوظيفها لغة فكرٍ وحياة يومية.

ومن قبيل الشيء بالشيء يذكر، فإنَّني أستشهدُ برأي محمود فهمي حجازي، في ورقته التي قدمها في هذا المشروع -أي مشروع مؤسسة الفكر- إذ كَتَبَ: “من ظن أن اللغة شيء والسياسة شيء آخر، فقد وضع نفسه خارج منطق التاريخ. إن المسألة اللغوية قائمة في جوهر التصور السياسي؛ من حيث هو إدارة حياة الناس في معاشهم، وفي إنجازاتهم، وفي أحلامهم» (4).

فاللغة قوة، وعلى مر التاريخ نجد الدول المُسْتعمرة تعملُ على نشرِ وتعليم لغتها في مناطق استعمارها، ومحاربة لغة البلد المُسْتَعْمَر، ولنستشهد على هذا بما فعلته فرنسا في الجزائر في هذا السياق؛ إذ عملت على محاربة اللغة العربية، وتعطيل تعلمها وتعليمها تمامًا على مدى عقودٍ من الزمن، وقامتْ بإنشاء المدارس الفرنسية ودعمها لنشر لغتها بين الناس؛ بهدف إرساء منطقها، وتأكيد حضور بيانها الفكري وسيادتها؛ حتى صارت قراءة كتابٍ باللغة العربية جريمة تستحق العقاب، واستمر هذا الأمر حتى بعد إقامة المشروع النهضوي الذي أرسى دعائمه الإمام عبد الحميد بن باديس، والمتمثل في مشروع “جمعية التربية والتعليم الإسلامية”، الذي كان نواةً لنظام تعليمي مغاير، فُرِضت عليه، وعلى مناهجه رقابة مشددة من السلطات الفرنسية.

أما بشأن: كيف يبدو واقعُ اللغة العربية بعد عقدٍ من الزمان أو أكثر أو أقل؟ فإنَّ الإِجابة التي تبرز من خلال الحديث السابق، لا تبدو على درجةٍ عالية من التفاؤل ما لم نقم بثورة تغيير هائلة وممنهجة، وموحَّدة تشملُ: التربية، والتعليم، والإعلام، والقانون -بمستواه التشريعي والإجرائي- والاقتصاد، والثقافة، والأنظمة التقنية، وتعريب المصطلحات…والمجالات كافة.

هذا التغيير سيكفلُ للغة العربية قدرتها على الصمود في خضم تدافع الحضارات، وسيادة قوى عظمى، وتصدر لغاتٍ ما مستوياتٍ متقدمة. فما تشهده اللغة العربية اليوم، تعيشه لغات أخرى بشكلٍ أو بآخر؛ فاللغة الفرنسية مثلاً، تشهد مزاحمة اللغة الإنجليزية، وخطر استخدام العاميات الفرنسية؛ وأبرزها: عاميات الجماعات المغلقة، المعروفة بلغات “السيم” أو “السين”.

وثمَّة أمم تعملُ جاهدة لتسويق لغاتها، حتى باتت هذه اللغات تنافس الإِنجليزية التي تُعد اللغة الأولى عالميا؛ ومن هذه اللغات المُنَافِسة: الصينية؛ التي تنتشر وتتوسع بسرعة كبيرة عبر معاهد “كونفوشيوس” (Confucius). والإسبانية؛ من خلال شبكة معاهد “ثرفانتس” (Cervantes)؛ مما دفع بهاتين اللغتين إلى القدرة على منافسة لغات عالمية؛ أولاها: الإنجليزية.

***

إن التغيير -بالإضافة إلى ما سبق- يتطلب من وزارات التربية والتعليم أنْ (تُخْضِع) المعلمين إلى برامج علمية مكثفة، ودورات وورش تدريبية، وفق مناهج وخطط مفصَّلة ومنسجمة مع الأهداف، كما يجب عليها أن تبني هذه البرامج بمقتضى تقييمات ميدانية تعين لهذا الغرض. وقبل هذا عليها أنْ ترصد الموازنات المالية لتحقيق هذا الاستثمار الحقيقي.

ومن زاوية مهمة أيضًا؛ يتوجَّب على مؤسسات التعليم العالي تغيير نظرتها لتخصص اللغة العربية، وعدم اعتباره (التخصص السهل!). وعليها أنْ تضع شروطًا جادة للالتحاق بدراسة تخصص اللغة العربية، واجتياز متطلباته، كما هي الحال مع بعض التخصصات الأخرى. كما يجب أنْ تسعى إلى إيجاد وتطبيق اختبارات الكفاءة اللغوية (كما هو في اللغة الإنجليزية مثلاً)، والتطوير المستمر للمدرسين ولمناهج التعليم بشكلٍ عام، وأدوات تقييم الطلاب، وتوظيف مبادئ القواعد الوظيفية في تعلم اللغة العربية، واختيار النصوص اختيارًا علميا دقيقاً، وتوظيف الوسائل المناسبة في التعليم، ومتابعة العملية التعليمية من قِبَلِ لجانٍ مؤهلة وخاصة، وتشجيع البحث العلمي في المجالات اللغوية المختلفة ودعمه، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا الشأن.

إن القائمين على العملية التعليمية بشكلٍ مباشر، لا يستطيعون وحدهم تغيير هذا الوضع. ومن واقع تجربة، أؤكد أن توجه المؤسسة التعليمية التي تسعى حقًا لتطوير المجتمع وبنائه يجب عليها أنْ تؤكد رؤيتها “عمليا”، وعليها أن تعملَ على مَحْوَرة مساعيها في أرض الواقع، لا الاكتفاء بهذا في وسائلها الترويجية والتسويقية فحسب!

كما نؤكد أهميةَ تسخير التطور التقني لتطوير اللغة العربية عبر وسائل الإعلام؛ وذلك من خلال: إنتاج أعمال مسموعة ومرئية تجعلُ من النص الفصيح مادة للتعبير والإبداع والابتكار، وتأهيل المذيعين ومقدِّمي البرامج والإعلاميين لغويا وثقافيا، ورفع مستوى الكتابة الصحفية ومواد البرامج الإعلامية المختلفة؛ بما يساعد على تحقيق خصائص قوة اللغة، ونهضتها المنشودة.

ولا نشير من خلال هذا إلى الاقتصار على مراعاة تركيب الجملة وضبطها النحوي والصرفي فحسب، بل أشير إلى أهمية العمل على تنويع الأسلوب اللغوي، وتوظيف المعطيات البلاغية المناسبة، والمصطلحات والمفاهيم الحديثة، وفق ما يساعد على إِكساب اللغة روحًا جديدة خلاقة ومؤثرة.

ولتحقيق هذا، ثمَّة ضرورة واجبة أيضًا لتوجيه الإعلاميين إلى مصادر الثقافة العربية، وتنظيم دوراتٍ تخصصية تطور من كفاءاتهم اللغوية، وإنشاء دوائر خاصة تعُنى بمتابعة هذا الجانب. وقبل هذا، يجب أن ينشأ جسر حي وفاعل بين: مؤسسات الإعلام ومؤسسات التعليم العالي؛ لمراجعة خطط تدريس تخصص الإعلام والصحافة، وزيادة الجانب التطبيقي في مقرَّرات اللغة العربية التي تتضمنها هذه الخطط، قياسًا مع المخرجات.

***

وأخيرًا؛ فإنَّ واقع اللغة العربية اليوم، ورغم كل شيء، قد لا يكون بأسوأ من تجارب لغات أخرى، تغلبت على أزمتها، ونهضت بقوة؛ ولنمثل على هذا باللغة العبرية؛ فبعد ألفي عامٍ من اندثار العبرية، وجد الكيان الإسرائيلي نفسه أمام مشروع ضروري يتمثل في إحياء هذه اللغة؛ وذلك لإيجاد نوعٍ من التجانس الفكري بين أفراده، وقبل هذا، ليؤكد سيادته وهويته وأصالته ورمز وحدته الاجتماعية، “حتى إن بن جوريون في يومياته يعترف بأن عددًا قليلاً من اليهود في “أرض فلسطين” كانوا يفهمون اللغة العبرية عندما وصلوا إليها مهاجرين في أربعينيات القرن الماضي، بل إن الدليل الحكومي الإسرائيلي يؤكد أنه في العام 1961م لم يكن داخل إسرائيل من يتكلم اللغة العبرية سوى 67% من المجتمع اليهودي” (5).

ماذا فعلت إسرائيل إذنْ كي تحيي العبرية؟ هل اكتفت بتأسيس الجامعة العبرية في القدس عام 1925م؟

سُئل جبران خليل جبران عن خير الوسائل التي بها يتم إحياء اللغة العربية، فأجاب في إشارة إلى العلاقة بين قوة الفكر واللغة: “الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعه […] أعني بالشاعر كل مخترع كبيرًا كان أو صغيرًا، وكل مكتشف قويًا كان أو ضعيفًا، وكل مختلق عظيمًا كان أو حقيرًا… وكل محبٍّ للحياة المجردة إِمامًا كان أو صعلوكًا، وكل من يقفُ متهيبًا أمامَ الأيام والليالي فيلسوفًا كان أو ناطورًا للكروم”.

وحتمًا، فإنه لا يعني المقلد الذي يسيء إلى اللغة والشعر أكثر من إحسانه إليهما. لا يعني صاحب المعاني الميتة المكررة، والصور العتيقة، وقصة صعوده “الجبل الأخضر” و”اللحم الأحمر”! لا يعني من استوحش السير في طريقٍ لوحده، واستأنس دربًا مرت فوقها قصائد الشعر جميعًا بغثها وسمينها؛ فالمقلد -كما يقول جبران أيضًا- “يسمم ببلادته جسم اللغة، ويمتهن بسخافته وابتذاله شرفها…”، ويشارك في هدمها وموتها. أما الشاعر، فيفعل كما الشاعر الأعظم دانتي ألجييري، الذي بفضل ملحمته الشعرية “الكوميديا الإلهية”، ساهم في خلق اللغة الإيطالية الحديثة، بعد أنْ كانت مجرد لهجات معروفة على نطاق محدود وضيق، واستمر الاهتمام بهذه اللغة، ومن مظاهر هذا الاهتمام إنشاء جمعية “اللغة الجميلة” بإيطاليا في العام 2000م؛ لحمايتها من التراجع، وللعمل على نشرها وتسويقها عالميا.

————

المراجع:

(1) – “لننهض بلغتنا”، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، ط1، 2012م، ص: 68.

(2) – نفسه، ص: 116-117.

(3) – نفسه، ص: 330.

(4) – نفسه، ص: 174.

(5) – نفسه، ص: 30.

5,428 total views, 2 views today