مريم العدوية

عندما كُنت في الثامنة عشر من عمري كانت أقصى أحلامي نشر كتاب من تأليفي الشخصي، وكنتُ أظن أن رحلة الكاتب تنتهي عند تلك الرغبة محققة أقصى أهدافها، ولكن أحلامي في ذلك الجانب أخذت منعطفًا آخر مع الوقت.

ليس من الصعب اليوم أن تنشر كتابًا كما قد يظن البعض، على الرغم من أن الأمر ليس بهين من ناحية أخرى، فبعد أن تصبح كتاباتُكَ جاهزة وفق ما تراه أنت مناسب وبعد أن تمر بعمليات التدقيق النحوي والرقابة ونحوه تأتي محطة البحث عن دار نشر ومن ثَمَّ تستطيع أن تحظى بنشوة توقيع كتابك في معرض الكتاب القادم.

ذلك السيناريو الذي كان بالنسبة لي حلم طويل المنال، وقد كُنتُ منذ نعومة أضفاري أحلم به أصبح في بداية تحقيقه باهتاً وهشًّا للغاية، وغابت بدورها منه نشوة السعي والحلم.

فعند انتهائي مِن كتابة نص – أزعم – أنه رواية وبعد أن تم تدقيقه من قبل كذا كاتب متمكن وفي أقصى نشوة لي سقط حلمي من شاهق، فبينما كنت أطير فرحًا؛ لأن روايتي البسيطة جدًّا نالت شرف القراءة والمناقشة من قِبل أعلام في الأدب العُماني الحديث ما كنتُ لأحلم من قبل بأكثر من شرف مقابلتهم أمطرتني الأسئلة … هكذا بالاقتراب من الحلم وعلى عتبات الوصول إليه وجدته باهتًا جدًّا وقلت لنفسي: ليس هذا ما أريده بالضبط؟ حسنًا … وماذا بعد النشر؟

فلطالما تعرفت على كُتَّاب عمانيين كُثر وأنا أتجوَّل بين الرفوف، أجدُ كتبهم مغمورة بين الكتب، عناوين يكسوها الغبار وكلمات ميتة ومؤلفين مندسين أو بالأحرى مغيبين!

إن رحلة الكاتب الحقيقية تبدأ -وفق رأي الشخصي الهزيل- بعد نشر الكتاب وليس بالانتهاء من نشره، ولا تنتهي بعدها أبدًا، ذلك اليقين تملكني وأصبحتُ أراهن عليه منذُ أن قرأتني مؤلفات الأدب العالمي لكبار الكُتَّاب؛ حيثُ وجدتها دائمًا تُحدث في داخلي تغيرًا وشيئًا أشعر به ولكن يصعب وصفه بدقة.

وكثيرًا ما تساءلت عن السر العظيم الذي يقف وراء تلك المؤلفات الغنية بمعنى الكلمة التي حقًّا استطاعت أن تثري المكتبات على مدى السنوات الماضية وظلت مؤثرة بصورة لا يمكن تجاهلها. ولا يأتي هذا الحديث الآن من باب البكاء على الأطلال ولا التقليل من شأن الإصدارات الحديثة بكل تأكيد.

 ونستطيع هنا أن نقف على بعض النقاط التي تسببت في هشاشة الإصدارات الحديثة والعُمانية منها خاصة وذلك وفقًا لقراءتي البسيطة لساحة الثقافية العُمانية:

المجتمع الذي لا يقرأ، وثقافة النخبة

فالكتاب يبقى رهين الأدراج ومن ثم الرفوف، وليس هناك من جدوى في الدفع بركب النشر طالما لا يوجد خطة واضحة المعالم لنهضة بالمجتمع أولاً نحو القراءة، فالمجتمع القارئ هو من يصنع الكاتب الجيد ومن ثم الإصدار الجيد.

الانبهار بالآخر

للأسف ما زالت ثقة القارئ العُماني بالكاتب الأجنبي أكثر من ثقته بالملكة الإبداعية التي قد يمتلكها كاتب عُماني، فتراه يفضل القراءة لكاتب أجنبي بل وقد يدفع مبلغًا وقدره تكسوه عين الرضا بينما يرفض دفع مبلغ زهيد لإصدار عُماني! وذلك لما حظي به الكاتب الأجنبي من تلميع ودعم جعله يصل إلى الآخر بأبهى صوره بينما الكاتب العُماني ما زال يركض في كل الاتجاهات من أجل هدفه بمفرده.

اندفاع الشباب

كثيرة هي تلك الإصدارات التي أكتفي بتقليب صفحاتها من إصدارات الشباب ومن ثم أفضل أن أنتقل إلى كتاب أكثر نفعًا منها، حيثُ أجد أن أفكارها غير ناضجة كفاية وفكرها ما زال ضيق، وتحدثك بملء فيها: (وجدتُ لأكون كتابًا في رف والسلام)، حيث يتسرع الكثير من الشباب العُماني في النشر، تستهويه الفكرة وينطلق بها غير آبه بالنتيجة التي ستؤول عليها بعد ذلك.

الدعم المادي

في بعض الأوقات قد يجد المؤلف دعمًا ماديًّا من بعض الجهات مثل: النادي الثقافي والمنتدى الأدبي والجمعية العُمانية للكتَّاب والأدباء وهو دعم جيد ويثمن لهذه الجهات، ولكنه من ناحية أخرى بحاجة إلى المزيد من الجهود للأخذ بيد الكُتَّاب الشباب، فالمؤلف في الغالب يدفع من جيبه الشخصي ولا يحصل بالمقابل على أي عوائد مادية تذكر مقابل مؤلفاته. فلا يوجد بند لدى الجهات المختصة في السلطنة يضمن للكاتب مكافآت مادية على إصداراته. ناهيك عن التكلفة التي لا تتوفر لدى كل الكُتَّاب للتدقيق والطباعة والنشر من ثم للتوزيع.

الرقابة

يجد الكثير من الكُتَّاب العمانيين أريحية أكبر في نشر كتبهم من خلال مكتبات ومطابع خارج السلطنة حيثُ كما أشار لي أحدهم، أن الرقابة المفروضة عليهم في السلطنة تعد بيروقراطية تحد من حرية الكاتب.

التجويد

تعاني الكثير من الإصدارات العُمانية من غياب تجويد الكتاب بدءًا من نضج أفكاره ومن ثم تدقيقه اللغوي وإخراجه المناسب، وفي هذا المقام يحق للكتَّاب الشباب منهم خاصة أن يوجهوا عتابهم إلى بعض الجهات المعنية والأشخاص بعينهم، فيجب على الجامعات والمراكز الثقافية أن تمد يد العون لهذه الفئة للأخذ بأعمالهم نحو مستوى أرقى، كما إن بعض الأكاديميين من ذوي الاختصاص والخبرة يرفضون مساعدة الطلاب متحججين بالوقت، وفي ذلك نؤكد بأن لأقسام اللغة العربية في الجامعات والكليات دور كبير في إخراج الأدباء لساحة العُمانية ولذا وجب على الأكاديميين بذل شيء من الجهد والوقت في سبيل ذلك.

كاتب يكتب ولا يقرأ

 الكاتب الذي يرفض القراءة للآخر، ولا يتابع الساحة الثقافية العُمانية والعربية سيصعب عليه مع الوقت الإبداع؛ فالقراءة رافدًا أساسيًّا للكاتب تمده بالحصيلة اللغوية والأفكار كما تفتح الآفاق نحو مخيلته لإبداع أكثر قوة وأفقًا.