فرج العكلوك
كاتب وروائي


اعتاد الإنسان أن يكون سياق حياته التاريخي متقلباً بين يسرٍ وعسر منذ بدء الخليقة، ولأن الإنسان يعيش الاختبار الأعظم على الأرض اليوم، على الأقل بالنسبة لجيلنا الحالي، فإننا ولاشك قد رأينا وعاينّا بأنفسنا كيف أن الإنسان قادرٌ على التكيّف مع الجائحات، مستعيناً بإيمانٍ داخليٍ فطري عنوانه أنّ مدبر هذا الكون، الخالق سبحانه، أرحم بخلقه من أنفسهم، مهما كان الخطبُ جللاً.

ونحن إذ نشهد وعبر العالم كله هذا الارتباك الغير مسبوق في نسيج حياتنا الاجتماعية والإنسانية والعملية منذ عدة شهور حتى يومنا هذا، فإننا ولابد قد رأينا كيف تمكّنا من امتصاص الصدمة الأولى، واستطعنا أن ننتقل إلى مرحلة المواجهة، بمعنوياتٍ لابد وأن للروحانيات الدينية دورٌ أساسيٌ فيها. وإذا ما تحدثنا عن “التعايش”، نستطيع أن نقول بأن التعايش مع الأوبئة سيظل دائماً أحد أكثر الخيارات صعوبةً، ولكنه قد يكون الخيار الوحيد المتاح أمامنا اليوم.

والتعايش مع كوفيد-19، والذي نرجو ألاّ يطول، ليس بالصعوبة التي كنا نتخيلها في بداية الأزمة، فبعد أن تكشفت الكثير من الحقائق حول الوباء، وبعد أن تراجعت شحنة الخوف الهستيرية التي جابت أرجاء العالم محدثةً ضجيجاً نفسياً عارماً، فإننا اليوم أكثر قدرةً على التحكم في سياق مخاوفنا واتجاهاتها، وهذا هو النجاح الأكبر والأهم في مواجهة هذه الأزمة من وجهة نظري. ومن هنا، فنحن اليوم كمجتمعات قد بتنا أكثر قدرة على إنتاج مفاهيم أكثر دقةً وصحةً وإيجابيةً حول معنى التعايش، وكيف يمكن أن نتعايش، وما هي شروط نجاح ذلك التعايش مع وباءٍ كهذا.

التباعد الاجتماعي قد أصبح مصطلح العصر، والعمل عن بعد قد بات أحد أوجه مفاهيم الإدارة الإلزامية التي تواجه اليوم تحدٍ تاريخي على صعيد التطبيق، والذي سيؤثر دون شك في المستقبل على أدبياتها، وسيفتح الباب واسعاً أمام علمائها للتنظير لإدارة الأزمات عبر مفاهيم وسياقات جديدة، والعالم التقني سيكون على موعد مع قفزة جديدة حتمية وضرورية لمواجهة الأزمات الصحية العالمية بأساليب جديدة كلياً، لكي لا يصبح ظهر عالم المال والأعمال مكشوفاً مرةً أخرى كما وقع في هذه الأزمة، ولكي يتمكن طلابنا من مواصلة تلقي العلوم دون انقطاع.

نتعايش اليوم مع أزمة كهذه لأننا محبّون للحياة، نتعايش، لأننا محبّون لأسرنا، لمجتمعاتنا، لأطفالنا، ولبلادنا. نتعايش، ونفكر، ونتوقف عند الأخطاء، ونصححها، ونرفع من قيمة العمل الجماعي أكثر وأكثر كل يوم وكل ساعة، لأن الإنسان لا يريد أن تتوقف عجلة التاريخ، وهو يدرك أن رسالته على الأرض لم تنتهِ بعد. نتعايش وأيدينا متشابكة، مع حكوماتنا، ومع مؤسساتنا، لكي نحمي ميراث الأجداد، ومعه ما أنجزناه، ولاشك أننا قد أنجزنا الكثير مما يستحق أن ندافع عنه.

كوفيد-19 سيرحل عنا بإذن الله، فهكذا هي طبيعة التاريخ، لا يتوقف عند سيناريو واحد، ولكنه تسوقه أقدار الرحمن دوماً إلى حيث مواطن رفق الخالق بعباده الضعفاء أينما كانوا. الوباء الذي شغل سمع وبصر العالم لشهور جاء ليعلمنا الكثير، وسيرحل عنا بقدرة خالقه، ونحن بإذن الله بخير، ومشوارنا الذي بدأناه معه لابد وأن نكمله بذات الشجاعة، وبذات العزيمة والإصرار التي نحن عليها اليوم، ولنروي لأطفالنا في المستقبل كيف أن الله يخوّف بالآيات، لكن رحماته لا تتوقف عن النزول إلى الأرض، وكيف أن الإنسان كما كان دوماً، سيظل وفياً لرغبته في البقاء، لا ينفك يدافع عنها بقوة، حيث الحياة عنده أملٌ وطموحٌ لا ينتهيان، وحبٌ وعطاء لا ينضبان.