السيد قصي الخباز


يبدو أن هذا العنوان يلفت النظر لغرابته، ولأنه غير مألوف يحرك فضول النفس لمعرفة المحتوى.

هذه إحدى مهارات الكتابات الإعلامية، وسوف يتضح لك عزيزي القارئ أن هذه المقدمة لها صلة بموضوع بحثنا.

لا يخلو أي مجتمع متماسك تماسكا اجتماعيا من شبهات ومسائل تطرأ عليه لتحرك أركان هذا التماسك بين فينة وأخرى، تثور هذه الشبهات لدى المثقفين وأبناء هذا المجتمع وتحرك المياه الراكدة لتتمخض عن أبحاث ومعارف علمية تضاف لهذا البناء.

هذا كله حركة صحية في الجملة مع مراعات الأدوار والمسؤوليات التي ينبغي للمجتمع الوعي لها وهي على النحو التالي:

أولا: – دور الباحث أو السائل أو من يطرح الشبهات

لابد للباحث أن يحدث نفسه قبل العرض بمجموعة من الأسئلة قبيل، من أسئل؟ ولماذا هذا السؤال؟ ومتى أسأل؟ وأين أسأل؟ ولماذا وما هي ثمرة هذا العرض؟

هذه الأسئلة تعطي صورة خارجية تتسم ببعض الوضوح حول الهدف الذي يقدمه هذا العرض، ولكن تبقى الصورة الداخلية النفسية التي لا تخفى على المولى عز اسمه قال عز وجل: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [1]

ربما تستطيع النفس خلق بعض الحيل لأقناع الأخرين بخلاف الواقع والدافع النفسي الذي قد يكون حب الشهرة أو زعزعة التماسك أو أي غرض آخر ولكنها لا تستطيع خداع نفسها وسوف يلتفت لهذه الحيلة بعد عمرا ربما يكون الأوان قد فات لتداركها.

ثانيا: – دور المتصدي للإجابة أو دفع الشبهة.

لا تقل المسؤولية لدى المتصدي عن المسؤولية لدى العارض لذا؛ يجب عليه كذلك أن يحدث نفسه ببعض الأسئلة قبيل هل أمتلك المعرفة اللازمة؟ هل الوقت مناسب للرد؟ هل تستحق الشبهة التصدي لها؟ أين يمكن تقديم العرض؟ ما هو غرضي من الرد؟

ثالثا: – مسؤولية المجتمع.

يجب على أفراد المجتمع الواعي أن يكونوا على دراية بالدور المنوط بهم فإذا لم يكونوا من أهل الربط والحل مثلا لا أقل إن لا يساهموا بالدخول فيما لا يعنيهم ونشر الغث والسمين عبر وسائل تواصلهم وفي نواديهم ومجالسهم، ويكفي أن يسأل المراء منهم نفسه هذا السؤال هل هناك مصلحة مرجوة أكبر من المفسدة التي لا أعلمها إذا أقدمت على الفعل أو القول؟

مما ينسب في الشعر لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام[2]:

إنّ القليلَ من الكلامِ بأهلهِ

حَسَنٌ وإِن كثيرَهُ ممقوتُ

ما زلَّ ذو صمتٍ وما من مكثرٍ

إِلا يزلُّ وما يُعابُ صَموتُ

إِن كان ينطقُ ناطقاً من فضةٍ

فالصمت درٌ زانَه الياقوتُ

لا تبدأنَّ بمَنْطِقٍ في مجلسٍ

قبل السؤالِ فإِن ذلكَ يشنعُ

هنا أحب أن أقول: إن مراعاة المسؤوليات السابقة لكلٍ بدوره فكرا وعملاً يوجب محافظة على البنيان والتماسك للمجتمع الذي ينتمي إليه الفرد ويرجوا نماءه وازدهاره ليترك بيئة صحية يعيش فيها أجيالاً لاحقة بما نتركه لهم نحن الآن.

لابد من مراعاة الجوانب الروحية والارتباط بالله عز وجل وطلب الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا فإنا نؤمن بأن أمامنا حياة غير هذه نزود لها بما نفعله ونقوله لبقى أثره حتى حين.

فإن قلت: قليلٌ من يستطيع مراعاة ذلك وعليه لن يبقى لنا أن نتحدث أو ننشر أو نعرض فماذا نصنع؟

أقول: ما الضير في الصمت بما لا يضر على الكلام بما لا ينفع، ثم ألا يكون ذلك دافعا للتزود والتعلم وعدم تلقي كل ما استحدث دون القدرة على التمييز؟

لعل السطور السابقة كشفت لك أيها القارئ العزيز مضمون العنوان فأين تصنف نفسك الآن؟

والحمد لله رب العالمين ،،،


[1] سورة غافر آية 19

[2] الديوان المنسوب للإمام علي ابن أبي طالب

 80 total views,  2 views today