Haider Ahmed

د. حيدر أحمد اللواتي

أثار كتاب “التصميم العظيم” للفيزيائي الشهير ستيفن هوكنج لغطاً كبيرًا في بعض الأوساط المثقفة والمهتمة بمتابعة التطوُّرات العلمية المختلفة؛ حيث إنَّ الكاتب توصَّل في أبحاثه إلى نتيجة؛ مفادها: انتفاء الحاجة إلى وجود عِلَّة أولى خالقة لهذا الكون، ومن ثم بَدَا وكأنَّ هناك تضاربًا واضحًا وصريحًا بين الديانات السماوية، والتي يُعتبر وجود إله خالق لهذا الكون حَجَر الزاوية في معتقداتها، وبين ما توصَّلت إليه العلوم الطبيعية.

والواقع أنَّ هناك خلطًا لعدد من الأمور التي أدت لهذه النتيجة المغلوطة، ولكي نضع أيدينا على موقع الخطأ، علينا أن نقوم بمراجعة دقيقة لبعض الأمور الأساسية في عملية البحث العلمي، وكيف يقوم الباحث في العلوم الطبيعية بالبحث والوصول إلى نتائجه البحثية.

تُعدُّ التجربة والملاحظة ركنين أساسيين في أبحاث العلوم الطبيعية في عصرنا الحالي؛ فهما أولى الأدوات التي يستخدمها الباحث للوصول إلى نتائج علمية معينة، وبعد أن يُتابع عددا من هذه التجارب العلمية يضع نموذجًا رياضيًّا (أي معادلات رياضية معينة)، تحاكي نتائج تجاربه، ومن ثم يقوم بإجراء تجارب أخرى للتحقق من صحة النموذج الرياضي الذي وضعه؛ فإذا استطاع النموذج الرياضي أن يصْمُد أمام هذه التجارب يقوم الباحث عادة بنشر بحثه والنموذج الرياضي الذي توصَّل إليه، وما إن يتم نشره، حتى يُواجَه بكمٍّ هائل من التحديات التجريبية المختلفة والتي يقوم عادة بعملها علماء آخرون يحاولون إيجاد ثغرة في معادلاته الرياضية. ومن أهم ما يُميِّز المعادلة الرياضة كي تكون مقبولة في الأوساط العلمية أنَّها تستطيع أن تصف الظاهرة بشكل دقيق، كما أنها تستطيع أن تتنبأ بنتيجة التجربة قبل إجرائها في المختبر؛ فإذا نجحت المعادلات الرياضية في هذين الأمريْن تفرض وجودها وتُعدُّ مقبولة في الوسط العلمي.

الكثيرُ من علماء الطبيعة يتوقفون عند هذا الحد، ولا يحاولون تفسير هذه المعادلات الرياضية، ويعتبرون أن ذلك ليس من شأنهم، فما يهمهم هو أن هذه المعدلات الرياضية تستطيع أن تصف لهم الظاهرة بشكل دقيق، وتسعفهم بشكل رائع للكشف عن المستقبل؛ أي أنهم برجماتيون في تفكيرهم.

ولكنْ هناك آخرون لا يتوقَّفون عند هذا الحد، بل ينتقلون إلى مرحلة لاحقة وهي مرحلة تفسير نتائج هذه التجربة والمعادلات الرياضة المنبثقة منها. وأخيرًا: هناك من يقوم بتعميم نتائج التجربة على مختلف مظاهر الحياة، ويحاول أن يستخلص نتائج في مجالات أخرى كعلوم النفس مثلا؛ من خلال ما توصل إليه في معادلاته الرياضية.

ولكي تتَّضح الصورة بشكل أفضل، لنأخذ قانون الجذب العام -الذي اكتشفه العالم الكبير نيوتن- كمثال على ما ذكرناه.. ينصُّ القانون بصيغته الرياضية على أنَّ الجسمين ينجذبان طرديا مع كتلتيهما، وعكسيا مع مربع المسافة بين مركز جذب أحدهما ومركز جذب الآخر.

واستطاع نيوتن -باستخدام هذا القانون- أن يُفسر عددا كبيرا من الظواهر الطبيعية؛ كحركة الأجرام السماوية، وظاهرة المد والجزر؛ مما أعطى أهمية كبيرة لهذا القانون الرياضي.

ولكنَّ نيوتن لم يستطع أن يفهم كيف أنَّ جسميْن يبعدان عن بعضهما البعض مسافات كبيرة تصل إلى آلاف الكيلومترات، ومع هذا فهما يُؤثران في بعضهما.. يقول نيوتن بهذا الصدد: “إنَّ القول بأنَّ الجاذبية خاصة ملازمة للمادة وضرورية لها -بحيث يُمكن لجسم أن يؤثر في آخر عن بُعد، وفي الفراغ، ودون توسط جسم ثالث ينقل التأثير إليه- قول ينطوي في نظري على سخافة هي من الوضوح؛ بحيث لا يمكن أن يقع فيها من كانت له القدرة على البحث العلمي”.

لذلك؛ فعندما حاول أن يفسر قانون الجذب العام، افترض وجود مادة أسماها الأثير، والتي تخترق جميع الأجسام، وبهذه المادة تنجذب الجسيمات إلى بعضها، وتشكل الأجسام المادية المعروفة.

لم يكتف نيوتن بطرحه لفكرة الأثير، بل ذهب إلى أكثر من ذلك؛ فقال إنَّ الكونَ بأسره يسبح في فضاء محيط هو عبارة عن بحر من الأثير، واعتبره المكان المطلق، واعتبر حركات الأجسام بالنسبة لهذا المكان المطلق حركة مطلقة، وهذا أدى به إلى القول بفكرة الزمان المطلق، أنْ قانون الجذب الذي تناولناه، إضافة إلى قوانين نيوتن الثلاث التي توصَّل لها، أقنعت البعض بأنَّ الكون خاضع لقانون السببية، وهذا القانون هو الذي يقف وراء قوانين نيوتن، ويساعدنا على التنبؤ الصحيح بالمستقبل حالما علمنا بالحاضر؛ فإذا علمت أنَّ سرعة القطار 50 كم في الساعة، وأن المسافة التي سيقطعها القطار هي 50 كم؛ فإنك ستتنبأ بأن القطار سيصل بعد ساعة من تحركه؛ فإذا ركبته في التاسعة صباحا، علمت أنَّك ستصل في تمام العاشرة.

بل ادَّعى بعضُهم بأنَّه لم يعد هناك داعٍ للقول بوجود إله؛ فكلُّ شيء خاضع لهذه القوانين العلمية، وعليه فلا جدوى من القول بوجود الله؛ لهذا فعندما طرح لابلاس على نابليون فهمه للعالم والقوانين الفيزيائية السائدة فيه، سأله نابيلون: ولكن، أين الله في منظومتك؟ فأجاب لابلاس: إنني لا أحتاج إلى فرض وجوده!!!

بَيْنما رأى آخرون أنَّ هذه القوانين كشفت عن قانون السببية، وأكدت ما توصل إليه الفلاسفة الإغريق منذ القدم؛ لذا فهم لا يرون أية إضافة لمعرفة جديدة في هذا الخصوص.

ومما سبق يتَّضح لنا أنَّ هناك فارقا كبيرا بين التجربة والمعادلات التي تصف الظاهرة الفيزيائية من جهة، وبين التفاسير التي تطرح لهذه المعادلات والتعميمات التي تتبع التفسير من جهة أخرى.

… إنَّ ما توصَّل إليه العلم من نتائج، إنما يتمثَّل في التجربة والمعادلات أو القوانين الفيزيائية التي انبثقت من التجربة. أمَّا التفاسير التي تتبع هذه المعادلات الرياضية؛ فليست النتائج التي توصل إليها العلم، بل هي تفاسير بشرية لظواهر علمية خاضعة للصواب والخطأ.

فمثلا: نلاحظ أن التفسيرَ الذي طرحه نيوتن لقانون الجذب مثلا -والمتمثل بوجود مادة الأثير- لا يُمثل القانون الرياضي الذي توصل إليه عبر التجربة، والذي أثبت قدرته على التنبؤ بالمستقبل بشكل رائع، بل إنَّ إيمانك أو رفضك لفكرة الأثير لا علاقة لها بنتائج التجربة التي توصل لها نيوتن، وقد تبيَّن لاحقا أنَّ نيوتن لم يكن على صواب في تفسيره، ولكن لا يزال قانون الجذب العام يُعد قانونا صحيحا لا غبار عليه.

كما نلاحظ أيضًا أنَّ نيوتن مرة أخرى استخلص نتائج وعممها -الزمان المطلق والمكان المطلق- ولكن هذه النتائج ليست نتاجا مباشرا للقانون الرياضي الذي صاغه، وإنما بناء على تفسيره ورفضه لفكرة أنْ يكون هناك تأثير لجسم على آخر عن بُعد ودون توسُّط جسم ثالث، ومرة أخرى أخطأ نيوتن في تفسيره، وأثبت آينشتين لاحقا نسبية الزمان والمكان.

الأمر ذاته ينطبق على فكرة أنَّ الله لا علاقة له بما يحدث في الكون؛ لأن القوانين الفيزيائية هي الحاكمة، وهي فكرة مبنية على أنَّ المعلول يحتاج إلى علته للحدوث، ولا تنظر إلى المعلول على أنْ لا وجود مستقل له،  فلا يمكن له أن يوجد حال فناء علته. إنَّ كلمة المعلول تستبطن بالضرورة استحالة وجوده دون علته؛ لذا فهو محتاج إلى علته حدوثا وبقاء.. ولتوضيح الأمر؛ لنأخذ مثالا عن الصور الذهنية؛ فهذه الصور الذهنية تتمثَّل في ذهن الإنسان وهو علة وجودها. لذا؛ فحالما يغفل عنها للحظة تضمحلُّ وتنعدم. هكذا هي حال المعلول مع علته, وهذه هي حال الكون مع الله؛ فالكون مُحتاج ومُفتقر إليه حدوثا وبقاء.

ويزداد الأمرُ سوءًا وتعقيدا عندما ننتقل إلى فيزياء الكم، والتي اعتمد عليها ستيفن هوكنج في تفسيره لنشأة الكون، وتوصل من خلالها إلى نتيجة مفادها: نفي وجود العلة الأولى لهذا الكون، وأنَّ المادة أوجدت نفسها. أما: لماذا يزداد الأمر سوءًا؟ فلأن هناك جدلا حادًّا بين علماء الطبيعة أنفسهم حول مدى واقعية معادلات فيزياء الكم، وهل هذه المعادلات الرياضية هي وصف رياضي بحت لا علاقة له بالواقع، أم أنَّ هذه المعادلات هي معادلات تصف الواقع بشكله الصحيح؟ فهل موجة شرودينجر مثلا واقعية ولها وجود واقعي، أم أنها مجرد أداة رياضية تسمح لنا بأن نتنبأ بالمستقبل بشكل صحيح؟

لقد أدَّى الوصف الرياضي الكمي في فيزياء الكم إلى وجود عشرات التفاسير العلمية لهذه المعادلات؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: تفسير كوبناهجن، وتفسير المتغيرات الخفية، وتفسير آخر يعود للعالم ديفيد بوم، إضافة إلى تفسير العوالم المتعددة…وغيرها من التفاسير.

… إنَّ تعدُّد التفاسير العلمية ناتجٌ من عدم وجود تفسير معين؛ فمنها ما يستطع أن يفسر لنا الظواهر الكمومية بشكل علمي موافق للنتائج التجريبية والحس البشري العام؛ لذا فهذه التفاسير لا تعدُّ سوى محاولات تفسيرية لم تنضج بعد.

وفي هذا المقال، سنتناول التفسير الذي يميل إليه ستيفن هوكنج؛ وهو التفسير المعروف بتفسير العوالم المتعددة. ويُوصلنا هذا التفسير إلى نتيجة مفادها: أنَّ الكون نشأ من فراغ كمي (من فيزياء الكم)، ولا يعنينا كثيرا هذا الفراغ الكمي. ولكن نظرا لأنه كمي، فتنطبق عليه قوانين فيزياء الكم. وعليه؛ فإنَّ هناك عددا كبيرا جدًّا من الأكوان انبثق من هذا الفراغ الكمي بعدد الاحتمالات الممكنة حسب فيزياء الكم، وهذه الأكوان قد يكون لها نظمها الخاصة.

هذا التفسير لا يتعارض مع مبدأ العلة الأولى؛ لأنَّ الفراغ الكمي الذي ذكره ليس عدمًا بالقطع، نعم هو أمرٌ قد لا يكون ماديًّا، ولكن ما نفرضه نحن هو أن يكون خلق المادة من العدم أو أنها خلقتْ نفسها بنفسها، وهو أمر مُحال؛ كاستحالة الخلق من العدم. ولكن ستيفن استنتج من هذا التفسير أنَّ الكون خُلق من العدم؛ لأنه لا يُؤمن بوجود شيء سوى المادة. وبما أنَّ الفراغ الكمي ليس مادة، إذن فالمادة خلقت نفسها من العدم.

كما قال هوكنج أيضا بما أنَّ عدد الأكوان التي وُجدت من الفراغ الكمي هو عدد كبير جدًّا؛ لذا فلا غرابة في هذه الحالة أن ينمو ويتطوَّر أحد هذه الأكوان إلى وضع يسمح لكائن مثل الإنسان أن يعيش فيه، وهو بذلك يريد أن يحل مشكلة كبيرة اقضَّتْ مضجعَ الماديين لسنوات عديدة؛ وهي: النظام الكوني الدقيق والمدهش، والذي يدل على أنَّ هناك صانعا حكيما صنعه، بل هذا الصانع يكفله بعناية فائقة ليحفظه من الانهيار. وهذا مربط الفرس في التفسير الذي يرتئيه ستيفن هوكنج، لكن هذا التفسير فيه خطأ كبير جدًّا؛ بناءً على التفسير المادي لنشأة الكون؛ فلقد ذكرنا آنفا أنَّ التجربة تعدُّ الركنَ الأساسيَّ في العلوم الحديثة؛ لذا فقد انتقد بعض علماء الطبيعة القول بوجود قوة خارقة كانت وراء نشأة هذا الكون نقدًا عنيفًا؛ حيث اعتبروه محاولة لجر عوامل ميتافيزيقية إلى العلوم الطبيعية. وهذا يعني إخراجَ العلم من طبيعته التجريبية. وعليه؛ فلا يُمكن أن تُعدُّ هذه النظرية “علمية”، ولكن هذا الإشكال نفسه يطرح على تفسير العوالم المتعددة؛ حيث لا يمكن إثبات وجود هذه العوالم المتعددة (الملايين منها) بأي تجربة؛ لأنه لا يوجد أي ارتباط بين عالمنا وتلك العوالم؛ لذا فالإيمان بوجود تلك العوالم يخرج العلم أيضا من طبيعته المادية.

فنحن أمام نظريتين؛ كلتيهما تنتهي إلى نتائج لا يُمكن للتجربة أن تبرهن عليها بشكل مباشر؛ الأولى تفيد بأنَّ تجمع هذا العدد الكبير من الظواهر الطبيعية الدقيقة عن طريق المصادفة أمر لا يقبله عقل، ولا يمكن للصدفة أن تفسِّره، بل لا بد من الإذعان إلى أنَّ قوة خارقة كانت وراء نشأة الحياة في هذا الكون، وهذه القوة هي التي نعرفها نحن في عقيدتنا الإسلامية بـ”العلة الأولى” وهو الله -جلَّ وعلا- وتتميَّز هذه النظرية بأنها تستخدم نفس المنهج العلمي المتبع في الدراسات العلمية، ولا تحتاج إلى فرض احتمالات ضعيفة جدًّا لا يعتد بها عقلا.

… إنَّ احتمالَ وجود قوة جبارة وراء خلق هذا الكون -نتيجة لاجتماع هذا العدد الكبير من الظواهر الطبيعية الدقيقة- وصل إلى حدِّ الاطمئنان الذي تأخذ به البشرية عموما في شتى النواحي العلمية، وتخطط على أساسها للكثير من الأمور، وأنها -أي البشرية- وبطبيعتها، لا تعوِّل كثيرا على الاحتمالات الصغيرة، وعادة ما تهملها لحساب القيم الاحتمالية الكبيرة. وعليه؛ فإمَّا أن نرفض المنهج العلمي برمته، وإمَّا أن نقبل به؛ وبالتالي نقبل بهذه النتيجة التي توصلنا إليها باستخدام نفس المنهج المذكور.

أمَّا النظرية الأخرى، وهي “تعدد العوالم”؛ فهذه النظرية لا يمكن أن نثبتها بالتجربة؛ إذ لا تواصل بيننا وبين العوالم الأخرى المفترض وجودها، كما أنَّ هذه النظرية لا تقدِّم دليلا علميًّا واحدًا، يُثبت مدعاها، بل هي محاولة تفسيرية ليس إلا.

وهكذا.. نجد أنَّ الخلاف مع ستيفن هوكنج ليس في الوصف الرياضي والمعادلات الرياضة التي توصل إليها العلماء، بل الخلاف معه فيما يتبناه من تفسير استنتجه من استنتاجات جراء إيمانه بتفسير تعدد الأكوان؛ لذا فالخلاف ليس بين الديانات السماوية والعلوم الطبيعية، إنما الخلاف الحقيقي هو بين هذه الديانات السماوية وبين تفسيرات مبنيَّة على خلفيات فكرية وميول نفسية تفرض نفسها على العقل؛ فيقوم بتوجيه الوصف الرياضي والمعادلات الفيزيائية بما يوافق هواه، وإلا فمَنْ ينظر بعين الإنصاف إلى هذا الكون الرحيب لا يجد مهربا من القول بوجود قوة جبارة تأخذ بزمام أمور هذا الكون الرَّحب؛ لتصل به إلى برِّ الأمان؛ لذا نقول بكل اطمئنان ويقين “لا مجال للصدفة.. فالتصميم عظيم”.

5,986 total views, 2 views today