انتصار السنانية 
كاتبة عُمانية


(1)

مسقط

يناير 1970

2:30 مساءً

شمسٌ عظيمة تتوسَّط كبد سماء مطرح، والناس تتلظَّى بنارها الملتهبة، تأكًل رؤوسهم العارية، وتطبع على سِحنتهم آثارَ حَرْقِها المستمر لهم.

لا يَزَال التجار القادمون من شتى البلدان يتوافدون الى ميناء مطرح.. رائحة العرق المنبعثة من ملابسي الرثة تكاد تخنقني، وتضيِّق علي منافذ النفس، ما زلت أحرس دكان العم الموسوس قاسم العطار، الوحيد الأحوج لعقاقيره من غيره.

على شِدة لهيب هذه الشمس، إلا أنها غير قادرة على تبديد هذا الظلام الذي أشعُر به.. لا معنى للحياة سوى أمي، التي تنتظر رُبع آنة أو غازي التي يعطيني إياها هذا العم على مَضَض نظير حراستي ومساعدتي له.. متى تُشرق شمسي؟؟!!

يبتسم القدر لي، وتظهر شمسٌ صغيرة موازية لشمسنا العظيمة، بل إنَّ الشمس ألقت عليها شيئا منها فتلألأت.. إنَّها قطعة نقود لا شكَّ، انطلقتُ كالمجنون لالتقاطها، وما إنْ رفعتها باتجاه الشمس لأتفحَّصها إلا زادت سطوعاً، لم أُكمِل مراسم الدهشة بعد حتى سرق اللحظة ذلك العم الذي يعرفنُي وأعرفه، وهو يُشير إليَّ: لص.. لص. نظرتُ إليه والدهشة والغيظ تفُوران من عيني، وانطلقتُ بسرعة كالمجنون وأنا أدس القطعة الفضية في جيبي، دسستها مع يدي، مخافة أن تسقط فتسقط روحي، كنت أركض بجسدي الضئيل الذي لم يبلُغ العاشرة بعد، أركض والخوف يكاد يُكبِّلني، حتى انتهيت إلى إحدى سُفن التجارة التي تُوشك على المغادرة، حاولتُ أن أجد لنفسي منفذا بين البضائع، ولجت بخوف وحذر، وأنا أمُوت مع كل خطوة، أموت حُزنا وخوفا.. إذ لا أدري هل لي من عودة إلى أمي؟!!!

نجحتُ في التسلُّل، وساعدني في ذلك رجل كبير في السن، ملامح وجهه هادئة، لكنه يملك جسدا صلبا، جسد بحَّار بالفعل.. انطلقتْ السفينة وغرقت أنا في نومٍ طويل حتى انتبهت إلى أحدهم وهو يُزيل بعض البضائع: هناك طفل.. هناك طفل.

هنا، تجمهر عددٌ منهم حولي، حاولوا استجاوبي، لكني كنت أرفض الحديث، إلى أن جاء ذلك المُسن مُقاطعا: “سامحوني، هذا ابن أختي، أصرَّ على القدوم، وأظن أنه دخل في غفلة منا.. أعتذر”.

شعُرت بامتنانٍ عظيم له، غادرنا عُمان الضبابية، على أمل أن نعود إليها بعد ستة أشهر كما أخبرني العم الطيب.

بعد بضعة أيام، كُنَّا على شواطئ ميناء اكتظَّ بالناس، ميناء تحيط به قراميدٌ من حديد عبثتْ بها الشمس.. كانت عظيمة جدا، قيل لي فيما بعد إنها الهند.

كانت رحلة شاقة، لكنها صنعتْ مني شخصًا آخر.. لا يزال يراودني حلم الشمس الكبيرة، شمسي، وأنها لا بد أن تسطع.

كنت أسَابق اللحظات، أنتظر بشوق لقائي بأمي.. رحلة العودة كانت ألذ، ما زلت اتحسَّس القطعة المعدنية كل يوم، هذه القطعة مُعيَّنة الشكل، التي أخرجتني من مطرح إلى الهند.

(2)

ألف فتحة (أَ)

لام سُكون (إل)

واو فتحة (وا)… ألو

ألف فتحه (أَ)… ألوا

ثاء كسرة (ثي)… الواث

قاف سكون (إق).. الواثق

قاطعني ذلك الطيب: “ماذا تقرأ؟”.

– أهلا يا عم، إذا كُنت تجيد القراءة، أُرِيدك أن تقرأ لي ماذا نُقِش على هذه القطعة.

– هاتها.. عُملة ظفارية يا بُني، كُتِب عليها الواثق بالله سعيد بن تيمور سلطان مسقط وعمان، تساوي عشرين بيسة.

قالها، وأنا ابتلع رِقيا من الدهشة، أَلأجلِها خرجت، لكن لا يَهُم هي تعني لي الكثير.

أخذتُ القطعة، وزاد إصراري على الحفاظ عليها.

(3)

وصلنا مطرح في يوليو 1970

ما إنْ وَطئت أرض مطرح حتى تناهَى إلى مسمعي: “سُلطان جديد.. سلطان جديد”.

جُلت ببصري، أفتِّش في الوجوه علَّني أجد وجهًا أعرفه.

حمل الهواء صَوتا رخيما وقورا، أحسستُ به يعبُر روحي فيملأني.. ما هذا الصوت؟ هجع الناس، توقفت الحركة، جميعهم يشعرون بمثل ما أشعر.

“سأعمل بأسرع ما يُمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُّعَدَاءِ لمستقبل أفضل.. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب.. كان بالأمس ظلام، ولكن بعون الله غدا سيشرق الفجر على مسقط وعمان وعلى أهلها”.

انطلقتُ بكل قوتي، أشق الطريق بين الأجساد المتسمِّرة، التي وقفت تستمع، وأنا أقول غدا تشرق الشمس، احتضنتُ أمي، وأنا أقول عُدت ومعي شمسي.

وانقضتْ سُنون طوال، بدَّدت ذاك الضباب.

مرَّ بخُلدي كل ذلك، وأنا أدير مفتاح سيارتي الذي ينتهي بشكل معين فضي نُقِش عليه ما نُقِش، لكنها كَنز.

(4)

انطلقتُ لأشهد جَنازة شمسي التي طُبِعت برُوحي بعد خمسين عامًا من أعوام لا تُذكر.. رحمك الله.