د. محمد الوهيب

يُطرح موضوع الهوية اليوم، ويفرض نفسه علينا بقوَّة في العالم العربي، ولكنه أيضا كذلك في السياق الغربي.. هذا وقد ظهرتْ على أثر هذا الطرح مدارس كثيرة في الفلسفة السياسية والاجتماعية الغربية؛ مثل: (multiculturalism) التعددية الثقافية والـ(cosmopolitanism) النزعة الكونية…إلخ، أضف إلى ذلك أيضا الـ(feminism)، أو النزعة النسوية. وهي المدارس التي تبدأ من وجهة نظر خاصة حول الهوية؛ على سبيل المثال: هوية المرأة واختلافها عن الرجل؛ وبالتالي مساواتها للرجل وعلى أي أساس؛ ولكلٍّ وجهة نظر تطرح في هذا السياق مبرِّراتها التي تدفع بها.. ولكن، لماذا يُطرح هذا الموضوع علينا اليوم؛ سواء في السياق العربي أو الغربي، وبشكل قوي في الواقع أكثر من أي وقت سبق؟ سنُحاول فيما يلي مناقشة بعض هذه الأسباب.

أحد أسباب الطرح القوي لقضية الهوية -حسبما نعتقد- يعود إلى أنَّ السياسة اليوم -أو الفكر السياسي، الفلسفة السياسية، أو النظرية السياسية- قد اتجهت اتجاها كبيرا نحو الشأن الخاص. لقد كانتْ السياسة غالبا ما يُنظر لها على أنه ما يجري “هناك” أو “فوق”، لدى الحكومة أو “المسؤولين”، مُتسائلين عن هذه الكيفية الخاصة التي ستمكن الحكومة من تنظيم الواقع. أما اليوم، فلقد أصبح الفكر السياسي مُتجها للشأن الخاص (حقوق الأفراد واختلافاتهم بين بعضهم). أما وقد اعترفنا بأنَّ هناك اختلافات جوهرية بين الأفراد على الأرض؛ فهذا أمرٌ يجعلنا نقف وجها لوجه مع ضرورة وجود نظرية، أو مبادئ تمكننا من التعامل مع هذه الاختلافات بشيء من العدالة.

السبب الآخر الذي دَفَع لهذا الحديث الكثير حول مسائل الهوية، يرجع لكون الليبرالية اليوم قد أضحت مثلا أعلى تجري خلفه كل النظم السياسية المتحضرة، بل حتى تلك التي تخلفت عن الركب فإنها لا تزال ترفع الديمقراطية الليبرالية كشعار لها. تقوم الليبرالية على مبدأين مُهمين: الحرية والمساواة. وإن أدركنا ذلك فإننا سنتحدث عمليا عن حقوق معطاة لبعض الأشخاص يجب أن تكون مساوية لأشخاص آخرين في المجتمع. ومن هنا، توجب الحديث أيضا عن الأقليات وهويات الأقليات بوصفهم شريحة اجتماعية مساوية لباقي شرائح المجتمع الذي ينتظمهم بوصفه منظومة قانونية، أو الدولة على وجه التحديد، الجهة المنوطة بحمايتهم. لقد أصبح الفكر السياسي الليبرالي مُستغرقا في معظمه اليوم بالحديث عن حقوق الأفراد وأفعالهم وعلاقاتهم فيما بينهم (الشأن الخاص).

السبب الآخر الذي دفع النظرية السياسية للتفكير بقضية الهوية اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ هو: الانتشار الواسع لثقافة حقوق الإنسان؛ وذلك بسبب العولمة، وفتح المجال لأول مرة لإمكانية مقاضاة الفرد لدولته أمام المحافل الدولية. وفي السابق كان الفرد أو المواطن (sub-ject) وهي المفردة التي تعني حرفيا: من يقع تحت الدولة. فالفرد في نهاية الأمر ليس سوى أحد الرعية التي ينتظمها الراعي. والحال هي أنَّ هذا التباعد بين الفرد والدولة -بسبب الانتشار الواسع لهذه الثقافة الجديدة- قد زاد واستمر في الازدياد.

سبب آخر: لقد ساهم سماح بعض الدول اليوم للأفراد بأن يحصلوا على أكثر من جنسية بظهور مسافة بين المواطن وبين الدولة أو بين هويته وهوية الدولة، وهذه المسافة قد بدأت بالاتساع اليوم أكثر فأكثر بالنظر لهذه الحرية التي أعطتها الدول للأفراد؛ بمعنى آخر: لم يعد الفرد محاصرا في دولة واحدة توسع أو تضيق عليه الخناق متى ما شاءت. لقد وجدت الدولة الليبرالية الحديثة نفسها أمام وضع جديد من تعدُّد الهويات التي يجب أن تتعامل معها أيضا وفق منطق جديد، وهو الأمر الذي دفع لضرورة وجود الكثير من النقاشات حول التعامل الأمثل مع هذه الهويات.

لقد ساهم أيضا الانتشار الكبير للتعليم الأجنبي والتعليم الغربي في أماكن كثيرة من العالم بخلق أزمة حقيقة في الهوية: الكثير منا في العالم العربي اليوم يرسل أولاده للتعليم الأجنبي الخاص، وهذا التعليم له عواقبه الخاصة؛فهذا التعليم الأجنبي في النهاية ينتهي بخلق وعي مُختلف تماما عن الثقافة المحلية بما تحويه من لغة وعادات وتقاليد…إلخ. فينتجُ لدى الشباب حينها وعي مُبتعد بطبيعته عن هذا الوعي الذي تريد الدولة تشكيله أو حتى الثقافة المحلية. وهكذا نرى جيلا كاملا من المواطنين الجدد (الشباب) مُغتربين عن هويتهم الوطنية، على الرغم من وجودهم داخل الوطن. كلُّ ذلك بسبب التعليم.

يحدُث أحيانا ألا تقوم الدولة بدورها بشكل جيد في الحفاظ على المساواة بين الأفراد. ويحدُث في الغالب أن تطرح موضوعات الهوية وبصورة قوية في مثل تلك الأوقات من الأزمات؛ نتذكر الاحتجاجات الأخيرة في أمريكا بعد مقتل شاب أسود على يد شرطي أبيض -على سبيل المثال- تبعها فجأة الكثير من التحليلات والإحصائيات من حيث لا ندري عن هذه الجرائم التي قام بها أفراد من الشرطة البيض ضد السود ولم يُحاسبوا… لقد طُرحت قضية المساواة هنا مُجدَّدا ودخلتْ للمجال السياسي من باب النقاش حول الهوية. أمَّا لجوء الناس لهذه الهوية وانضواؤهم تحت لوائها فلا يمكن تفسيره إلا بالعودة للشعور الذي قد يتملَّك البعض بأن الدولة لا تقوم بدورها الحقيقي في الحفاظ على المساواة.

3,691 total views, 2 views today