د‭. ‬سعيدة‭ ‬بنت‭ ‬خاطر‭ ‬الفارسيَّة
كاتبة‭ ‬وباحثة

نتيجةً‭ ‬لكثرة‭ ‬تَكْرَار‭ ‬منع‭ ‬مقالاتي‭ ‬من‭ ‬النشر‭ ‬بالصُّحف‭ ‬العُمانية،‭ ‬بمُختلف‭ ‬مسمياتها،‭ ‬قرَّرت‭ ‬أن‭ ‬أطبع‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬الممنوعَة‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬رُبَّما‭ ‬أختار‭ ‬له‭ ‬عنوان‭ “‬مقالات‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬الاتهام‭”‬،‭ ‬وإلى‭ ‬أنْ‭ ‬يَحِين‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬سنُتَابع‭ ‬النَّشر‭ ‬على‭ ‬سَطر‭ ‬ونترك‭ ‬سطرًا،‭ ‬بمعنى‭ ‬النشر‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع،‭ ‬والمنع‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬التالي،‭ ‬حتى‭ ‬يُقيِّض‭ ‬الله‭ ‬لنا‭ ‬فرجًا‭ ‬من‭ ‬عِنده‭.. ‬ويقولون‭ ‬الإعلام‭ ‬العُماني‭ ‬تغيَّر،‭ ‬والله‭ ‬لو‭ ‬جِني‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬خَرَج‭ ‬من‭ ‬فانوسه،‭ ‬لن‭ ‬يتغيَّر‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬صَحَافتنا‭ ‬المحلية‭!!‬

المُهم،‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حيِّز‭ ‬احتفالات‭ ‬يوم‭ ‬المرأة‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع،‭ ‬ولقد‭ ‬قِيل‭ ‬الكثير‭ ‬والكثير‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬الفنون‭ ‬والآداب‭ ‬عبر‭ ‬كافَّة‭ ‬الأمم،‭ ‬حتَّى‭ ‬صوَّروها‭ ‬لغزًا‭ ‬مُحيِّرا‭ ‬مُربِكا،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬لأحد‭ ‬فهمه،‭ ‬فما‭ ‬سرُّ‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬الشديد‭ ‬بالمرأة؟‭! ‬لعلَّ‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يهتمُّ‭ ‬بالشيء‭ ‬إلا‭ ‬لكونِه‭ ‬مركزيًّا‭ ‬مهمًّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لحياته‭. ‬وعليه‭ ‬نتساءل‭: ‬هل‭ ‬المرأة‭ ‬مُهمَّة‭ ‬بشكل‭ ‬مركزي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لحياة‭ ‬الرجل‭!!! ‬يبدو‭ ‬نظرًا‭ ‬لشدة‭ ‬اهتمامِه‭ ‬بها‭ ‬نعم،‭ ‬إذنْ‭ ‬ما‭ ‬سر‭ ‬حيرته‭ ‬فيها؟‭ ‬أيضًا‭ ‬يَحْتَار‭ ‬الإنسانُ‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬غامِضًا‭ ‬جميلًا‭ ‬مُبهِرا،‭ ‬تحيَّرتْ‭ ‬في‭ ‬روعتِه‭ ‬الأذهان؛‭ ‬فمن‭ ‬هذه‭ ‬الناحية‭ ‬فقط‭ ‬نتقبَّل‭ ‬نحن‭ ‬النساء‭ ‬اهتمامَ‭ ‬الرجال‭ ‬وتحيُّرهم‭ ‬فينا،‭ ‬عمومًا‭ ‬هناك‭ ‬قَوْل‭ ‬يُلخِّص‭ ‬كل‭ ‬هذا؛‭ ‬وهو‭: “‬يقول‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬ما‭ ‬يُريد‭.. ‬لكن‭ ‬المرأة‭ ‬تفعل‭ ‬في‭ ‬الرجل‭ ‬ما‭ ‬تُريد‭”‬،‭ ‬ونقول‭ ‬لهم‭ ‬شُكرًا‭ ‬لحُسن‭ ‬الظنِّ‭ ‬والثقة؛‭ ‬فالفعل‭ ‬مُقدَّم‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬مُعظَم‭ ‬الأحوال‭.‬

لماذا‭ ‬تخصيص‭ ‬يَوم‭ ‬للمرأة؟‭ ‬طبعًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬فِكر‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة،‭ ‬معروف‭ ‬سلفًا‭ ‬أنَّه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التكريم‭ ‬للمرأة‭ ‬العُمانية،‭ ‬وتشجيعها‭ ‬على‭ ‬مُوَاصلة‭ ‬مَسِيرة‭ ‬العطاء،‭ ‬كشريكة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬التنمية؛‭ ‬فدور‭ ‬المرأة‭ ‬كبيرٌ‭ ‬جدًّا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬الحديثة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬قبلها،‭ ‬لكنَّه‭ ‬دَوْر‭ ‬تاريخي‭ ‬قديم‭ ‬ومُقدَّر؛‭ ‬ففي‭ ‬قائمة‭ ‬تراجِم‭ ‬النساء‭ ‬العُمانيَّات‭ ‬على‭ ‬مرِّ‭ ‬التاريخ‭ ‬أسماء‭ ‬لامِعة‭ ‬حُقَّ‭ ‬علينا‭ ‬اليوم‭ ‬أنْ‭ ‬نُعيد‭ ‬إحياء‭ ‬سيرتها،‭ ‬وتراثها‭ ‬المميز؛‭ ‬فإذا‭ ‬بَحثنا‭ ‬عن‭ ‬شخصيَّات‭ ‬نسائيَّة‭ ‬عُمانيَّة،‭ ‬لن‭ ‬يخذُلنا‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬نماذج‭ ‬نسائية‭ ‬ناجحة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المجالات؛‭ ‬ففي‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭: ‬سنجد‭ ‬السيدة‭ ‬موزة‭ ‬بنت‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬البوسعيدي‭ ‬مُؤسِّس‭ ‬الدولة‭ ‬البوسعيدية،‭ ‬والتي‭ ‬عاشت‭ ‬في‭ ‬الفتره‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬حتى‭ ‬1832م،‭ ‬وهي‭ ‬شخصية‭ ‬سياسية‭ ‬عسكرية‭ ‬فذة؛‭ ‬حاولتْ‭ ‬أن‭ ‬تنقذ‭ ‬عرش‭ ‬الطفل‭ ‬سعيد‭ ‬ابن‭ ‬أخيها‭ ‬السيد‭ ‬سلطان‭ ‬بن‭ ‬أحمد،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬تُوفِّي‭ ‬عنه‭ ‬والده‭ ‬وهو‭ ‬طفلٌ‭ ‬صغير،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تنصيب‭ ‬وَصي‭ ‬عليه؛‭ ‬نتيجة‭ ‬للأطماع‭ ‬المُحِيطة‭ ‬به،‭ ‬أعلنتْ‭ ‬أنَّها‭ ‬ستتولى‭ ‬بنفسِها‭ ‬حُكم‭ ‬البلاد،‭ ‬والوصاية‭ ‬على‭ ‬ابن‭ ‬أخيها‭ ‬حتى‭ ‬يبلُغ‭ ‬سنَّ‭ ‬الرُّشد،‭ ‬ويتولى‭ ‬شُؤون‭ ‬الملك‭ ‬بنفسه؛‭ ‬لعبت‭ ‬السيدة‭ ‬موزة‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬وتربيته،‭ ‬وأثَّرت‭ ‬عليه‭ ‬بقوة‭ ‬شخصيتها،‭ ‬وغذَّته‭ ‬بالحِنكة‭ ‬والدَّهاء،‭ ‬وقد‭ ‬تعرَّضت‭ ‬عُمان‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والمحن‭ ‬أثناء‭ ‬وصايتها‭ ‬وحُكمها‭ ‬فصدَّتها‭ ‬بنجاح‭ ‬كبير،‭ ‬وأمسكتْ‭ ‬الأمور‭ ‬بقوَّة‭ ‬وحزم،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كبُر‭ ‬السيد‭ ‬سعيد،‭ ‬وسلَّمته‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم،‭ ‬وصار‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬هو‭ ‬السلطان‭ ‬الذي‭ ‬اتَّسع‭ ‬النفوذ‭ ‬العُماني‭ ‬في‭ ‬عهدِه‭ ‬إلى‭ ‬أقصَى‭ ‬مَداه؛‭ ‬حيث‭ ‬امتدَّت‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العُمانية‭ ‬من‭ ‬بندر‭ ‬عباس‭ ‬على‭ ‬ضِفَاف‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬زنجبار‭ ‬على‭ ‬السَّاحل‭ ‬الشرقي‭ ‬لإفريقيا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الجزر‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬وبحر‭ ‬العرب،‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬أرخبيل‭ ‬جزر‭ ‬القمر‭.‬

‭- ‬عائشة‭ ‬بنت‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬خصيب‭ ‬الريامي‭ ‬البهلوي،‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬بهلا،‭ ‬عاشتْ‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬اليعاربة‭ -‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬العاشر،‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭- ‬وقد‭ ‬اتصفتْ‭ ‬بالزهد‭ ‬والورع‭ ‬والتُّقى،‭ ‬وتتلمذتْ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬كبار‭ ‬المشايخ‭ ‬والعلماء‭ ‬في‭ ‬عصرها،‭ ‬اشتهرتْ‭ ‬بقوَّة‭ ‬علمها‭ ‬وغزارة‭ ‬اطلاعها،‭ ‬وتبوَّأت‭ ‬مكانةً‭ ‬علميةً‭ ‬راسخة،‭ ‬تتَّضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نَعتها‭ ‬بالشيخة‭ ‬والعالمة‭ ‬والفقيهة،‭ ‬ذكرت‭ ‬بعضُ‭ ‬المصادر‭ ‬أنَّ‭ ‬مدينة‭ ‬بُهلا‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تغص‭ ‬بالعلماء‭ ‬كان‭ ‬مرجعُها‭ ‬امرأة‭ ‬عمياء،‭ ‬هي‭ ‬الشيخة‭ ‬عائشة‭ ‬الريامية،‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬الشاعر‭ ‬الغشري‭:‬
هي‭ ‬امرأةٌ‭ ‬عمياءُ‭.. ‬لكن‭ ‬بفضلها
توازنُ‭ ‬ألفاً‭ ‬من‭ ‬رجالٍ‭ ‬ضراغمِ

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مكانتها‭ ‬العلمية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬سياسي‭ ‬عظيم،‭ ‬ذكَره‭ ‬عبدالله‭ ‬الطائي‭ ‬قائلا‭: “‬ولقد‭ ‬شاركتْ‭ ‬هذه‭ ‬العالمة‭ ‬الجليلة‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الحُكم‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬اليعاربة‭ ‬في‭ ‬عُمان؛‭ ‬فبعد‭ ‬أنْ‭ ‬خَرَج‭ ‬سيف‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬على‭ ‬أخيه‭ ‬الإمام‭ ‬بلعرب،‭ ‬طالباً‭ ‬توسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬الخارجي،‭ ‬ومُطَاردة‭ ‬البرتغال،‭ ‬تمكَّن‭ ‬سيف‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الحُكم‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬أخيه‭ ‬في‭ ‬الحصن‭ ‬الذي‭ ‬حُوْصِر‭ ‬فيه؛‭ ‬فبُويع‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬الكثيرين،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬عائشة‭ ‬بنت‭ ‬راشد‭ ‬رفضتْ‭ ‬مُبايعته،‭ ‬وأصرَّت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يلزم‭ ‬بيته‭ ‬أولاً،‭ ‬وأنْ‭ ‬يبتعدَ‭ ‬عن‭ ‬الحكم،‭ ‬ثمَّ‭ ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أولِي‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ولم‭ ‬يستَطِع‭ ‬سيف‭ ‬أنْ‭ ‬يُعَارِض‭ ‬هذه‭ ‬المرأة،‭ ‬فيحدث‭ ‬لعهده‭ ‬ثغرة‭ ‬بعدم‭ ‬انتخابه؛‭ ‬فترك‭ ‬مقر‭ ‬الحكم‭ ‬فعلا،‭ ‬ولزم‭ ‬بيته‭ ‬يَوْمين،‭ ‬حتى‭ ‬أرسلت‭ ‬إليه،‭ ‬وناقشته‭ ‬بجانب‭ ‬جَماعة‭ ‬من‭ ‬أعيان‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مُخَالفته‭ ‬لأخيه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يَرى‭ ‬قصر‭ ‬الاهتمام‭ ‬بإصلاح‭ ‬الداخل،‭ ‬ثم‭ ‬بايعته‭ ‬على‭ ‬أساسِ‭ ‬الجهاد‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬الإصلاح؛‭ ‬وبذلك‭ ‬عادَ‭ ‬إلى‭ ‬مُمَارسة‭ ‬الحكم،‭ ‬وأَصْبح‭ ‬فيما‭ ‬بَعد‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬أئمة‭ ‬عُمان،‭ ‬حتى‭ ‬سُمِّي‭ ‬بقيد‭ ‬الأرض؛‭ ‬لسِعَة‭ ‬نفوذه‭”.‬

‭- ‬السيدة‭ ‬ميزون‭ ‬بنت‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬المعشني‭ -‬رحمها‭ ‬الله‭- ‬أم‭ ‬صاحبِ‭ ‬الجَلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ -‬أمدَّ‭ ‬اللهُ‭ ‬في‭ ‬عمره‭- ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الشخصيات‭ ‬النسائية‭ ‬التي‭ ‬قامتْ‭ ‬بدَوْر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تَرْسِيخ‭ ‬حكم‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬المعظم،‭ ‬وتشجيع‭ ‬المرأة‭ ‬العُمانية‭ ‬على‭ ‬المُسَاهَمة‭ ‬في‭ ‬بِناء‭ ‬الوطن،‭ ‬كانت‭ ‬السيدة‭ ‬ميزون‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬الطُّراز‭ ‬الأول،‭ ‬وقد‭ ‬تشرَّبت‭ ‬فنَّ‭ ‬السياسة‭ ‬وحنكتها‭ ‬ودربتها‭ ‬من‭ ‬زوجها‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬والد‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ -‬حفظه‭ ‬الله‭- ‬وقد‭ ‬جمعتنِي‭ ‬بالسيدة‭ ‬الجليلة‭ ‬عِدَّة‭ ‬مناسبات؛‭ ‬أبرزها‭: ‬عندما‭ ‬كانتْ‭ ‬تجمع‭ ‬النساء‭ ‬العُمانيات‭ ‬البارزات‭ ‬والمساهمات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬القصر‭ ‬السلطاني‭ ‬ببيت‭ ‬البركة،‭ ‬كلَّ‭ ‬عام،‭ ‬ومن‭ ‬حِنْكَتها‭ ‬كانتْ‭ ‬تجمع‭ ‬كلَّ‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬آنذاك،‭ ‬من‭ ‬مديرات‭ ‬المدارس،‭ ‬ورئيسات‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية،‭ ‬وزوجات‭ ‬الولاة،‭ ‬وزوجات‭ ‬السفراء‭ ‬العُمانيين،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬المتميِّزات‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬الوظائف،‭ ‬تجمعهن‭ ‬في‭ ‬جَمْع‭ ‬كبير‭ ‬ومهيب،‭ ‬وتحثُّهن‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬للنهوض‭ ‬بعُمان‭. ‬وفي‭ ‬أحد‭ ‬اللقاءات‭ ‬المهمة،‭ ‬رافقتُ‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬القيادات‭ ‬العُمانية‭ ‬وفدًا‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬البحرينيات‭ ‬المتميِّزات‭ ‬ثقافة‭ ‬وعلمًا؛‭ ‬حيث‭ ‬التقَيْن‭ ‬السيدة‭ ‬ميزون‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬الرباط‭ ‬بصلالة،‭ ‬وطرحتْ‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬الوفد‭ ‬سؤالا‭ ‬سياسيُّا‭ ‬ظنته‭ ‬السائِلة‭ ‬أنَّه‭ ‬سؤالٌ‭ ‬صَعْب،‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬البريطانية‭-‬العُمانية،‭ ‬والقواعد‭ ‬في‭ ‬السلطنة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬السيدة‭ ‬ميزون‭ ‬ناقشتْ‭ ‬الموضوع‭ ‬كأفضل‭ ‬استاذة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية،‭ ‬وأسهبتْ‭ ‬في‭ ‬الشَّرح‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العَلاقة‭ ‬التاريخية،‭ ‬والمعاهدات‭ ‬السياسيَّة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عامَّة‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬كان‭ ‬الوفدُ‭ ‬يصغي‭ ‬باندهاش‭ ‬شديد‭ ‬وهي‭ ‬تُفصِّل‭ ‬الأحداث‭: ‬بتواريخها،‭ ‬وشخصياتها،‭ ‬وأماكنها،‭ ‬عندما‭ ‬خَرجنا‭ ‬حَرصتُ‭ ‬أنْ‭ ‬أكونَ‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يُسلِّم‭ ‬عليها،‭ ‬نظرتْ‭ ‬إليَّ‭ ‬بتلك‭ ‬النظرة‭ ‬التي‭ ‬تُجسِّد‭ ‬الثقة‭ ‬والشموخ،‭ ‬وابتسمتْ‭ ‬قائلة‭: “‬الشاعرة‭… ‬سعيدة‭ ‬خاطر‭… ‬أخبريهن‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬عُمان‭ ‬وأمجادها‭ ‬وشخصياتها‭”‬،‭ ‬وفهمتُ‭ ‬الرسالة‭.. ‬في‭ ‬الباص،‭ ‬كانتْ‭ ‬النِّساء‭ ‬يُبدين‭ ‬شدة‭ ‬الاندهاش،‭ ‬ويتساءَلن‭: ‬جلالتها‭ ‬خريجة‭ ‬أيِّ‭ ‬جامعة؟‭! ‬قُلت‭: ‬ألم‭ ‬تَسْمعنَها‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬تتلمذتْ‭ ‬سياسيًّا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ -‬رحمه‭ ‬الله؟‭ ‬قُلن‭: ‬والله‭ ‬وَدِدنا‭ ‬لو‭ ‬الأرض‭ ‬انشقتْ‭ ‬وبلعَتنا،‭ ‬ولا‭ ‬تجرَّأنا‭ ‬على‭ ‬سؤالها‭! ‬لقد‭ ‬أحرجنا‭ ‬أنفسنا،‭ ‬وتبيَّن‭ ‬لنا‭ ‬أنَّنا‭ ‬لا‭ ‬نفقه‭ ‬شيئا‭ ‬بالسياسة‭.‬
وفي‭ ‬يوم‭ ‬المرأة‭ ‬العُمانية،‭ ‬علينا‭ ‬أنْ‭ ‬نذكُر‭ ‬تلك‭ ‬الشخصية‭ ‬الرائعة‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬عَوْنًا‭ ‬كبيراً‭ ‬وملاذًا‭ ‬للمرأة‭ ‬العُمانية،‭ ‬فاتحةً‭ ‬قلبَها‭ ‬قبل‭ ‬أبواب‭ ‬بيتها‭ ‬للجميع‭.‬
أمَّا‭ ‬إذا‭ ‬بَحثنا‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬العُمانية‭ ‬المثقَّفة‭ ‬الأديبة،‭ ‬فسيرفدنا‭ ‬التاريخُ‭ ‬بأسماءٍ؛‭ ‬مِثل‭: ‬هند‭ ‬بنت‭ ‬المهلب‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬صفرة‭ ‬العتكي‭ ‬الأزدي‭ (‬102هـ‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬سيِّدة‭ ‬فاضلة،‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الشهيرات‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬الثاني،‭ ‬وبنت‭ ‬القائد‭ ‬المهلب‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬صفرة‭ (‬ت‭:‬82هـ‭). ‬نشأتْ‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عزٍّ‭ ‬وشَرف،‭ ‬عُرِفت‭ ‬برجاحة‭ ‬عقلها،‭ ‬وفصَاحتها‭ ‬النادرة،‭ ‬وحِكمتها‭ ‬البالغة،‭ ‬ومَكارمها‭ ‬العالية‭. ‬تزوَّجت‭ ‬بالحجاج‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬الثقفي،‭ ‬ثم‭ ‬طلَّقها‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬قلب‭ ‬على‭ ‬آل‭ ‬المهلب‭ ‬ظَهْر‭ ‬المجن،‭ ‬وخاف‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬منها،‭ ‬ولها‭ ‬روايات‭ ‬طريفة‭ ‬تحكيها‭ ‬كُتب‭ ‬التراجم‭.‬
أخذتْ‭ ‬نصيبًا‭ ‬وافرًا‭ ‬من‭ ‬العِلم‭ ‬والرُّواية‭ ‬عن‭ ‬كِبار‭ ‬التابعين؛‭ ‬فحدَّثت‭ ‬عن‭ ‬أبيها‭ ‬المهلَّب،‭ ‬والحسن‭ ‬البصري،‭ ‬وأبي‭ ‬الشعثاء‭ ‬جابر‭ ‬بن‭ ‬زيد‭..‬‭. ‬وغيرهم‭. ‬ولها‭ ‬رُوَايات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬كُتب‭ ‬التاريخ‭ ‬والطبقات‭ ‬والفقه‭. ‬وقيل‭ ‬انتقلتْ‭ ‬إلى‭ ‬عُمان،‭ ‬وعاشتْ‭ ‬بمدينة‭ ‬أدم،‭ ‬وأقامتْ‭ ‬بها‭ ‬مَسْجدًا،‭ ‬يُعرَف‭ ‬بمسجد‭ ‬المهلبية،‭ ‬قُرب‭ ‬محلة‭ ‬الجامع،‭ ‬وأوقفت‭ ‬عليه‭ ‬أموالًا‭.‬

‭- ‬السيِّدة‭ ‬سالمة‭ ‬بنت‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬آل‭ ‬سعيد،‭ ‬وُلِدت‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬عام‭ ‬1844م،‭ ‬من‭ ‬أمٍّ‭ ‬شركسية‭ ‬الأصل،‭ ‬ورحلتْ‭ ‬إلى‭ ‬زِنجبار‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1866م،‭ ‬وكان‭ ‬عُمرها‭ ‬آنذاك‭ ‬عشرين‭ ‬عاما،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنَّ‭ ‬وفاتها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1922م،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الثمانين‭ ‬من‭ ‬عُمرها،‭ ‬وهي‭ ‬صاحبة‭ ‬كتاب‭ “‬مذكرات‭ ‬أميرة‭ ‬عربية‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬تُرجم‭ ‬إلى‭ ‬6‭ ‬لغات،‭ ‬وتعُود‭ ‬شهرتها‭ ‬الثقافية‭ ‬إلى‭ ‬أنَّها‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬كَتَب‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬الرِّجال‭ ‬والنساء‭ ‬بمُوَاصفات‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬وتُرجم‭ ‬كتابها‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬وصَدَر‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬التراث‭ ‬القومي‭ ‬والثقافة،‭ ‬وليس‭ ‬صحيحًا‭ ‬أنَّ‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ “‬الأيام‭” ‬هو‭ ‬أوَّل‭ ‬من‭ ‬كَتَب‭ ‬السيرة‭ ‬من‭ ‬الكتُاب‭ ‬العرب،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬سيرة‭ ‬السيدة‭ ‬سالمة‭ ‬تسبقه‭ ‬بكثير؛‭ ‬إذ‭ ‬صدرتْ‭ ‬الطبعة‭ ‬الأصلية‭ ‬لكتاب‭ ‬سالمة‭ ‬باللغة‭ ‬الألمانية‭ ‬عام‭ ‬1886م،‭ ‬وصدر‭ “‬الأيام‭” -‬وهو‭ ‬كتابٌ‭ ‬يَحْكِي‭ ‬قصة‭ ‬حياة‭ ‬الأديب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1929م،‭ ‬أما‭ ‬كتاب‭ “‬الساق‭ ‬على‭ ‬الساق‭” ‬لأحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ -‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1855م‭- ‬واصفاً‭ ‬فيه‭ ‬أهم‭ ‬مراحل‭ ‬حياته‭ ‬منذ‭ ‬نشأته‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬عشقوت‭ ‬بلبنان،‭ ‬مُرُوراً‭ ‬بأسفاره‭ ‬الكثيرة،‭ ‬فحقًّا‭ ‬هو‭ ‬أَسْبَق‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬السيِّدة‭ ‬سالمة،‭ ‬ويُعتبر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬كُتبت‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وهو‭ ‬وإنْ‭ ‬صُنِّف‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬لكن‭ ‬الكتاب‭ ‬بلغته‭ ‬الوصفية‭ ‬والبلاغية‭ ‬يهتمُّ‭ ‬ببلاغةٍ‭ ‬تبتعدُ‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬فنية‭ ‬كِتابة‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تُحدِّده‭ ‬عناصر‭ ‬السيرة‭.‬

‭- ‬الشاعرة‭ ‬عائشة‭ ‬بيت‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬الحارثية‭: ‬هي‭ ‬عائشة‭ ‬بنت‭ ‬الشيخ‭ ‬العلامة‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬الحارثي،‭ ‬وُلدت‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬عاشتْ‭ ‬في‭ ‬المضيرب‭ ‬بشرقية‭ ‬عُمان،‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عِلم‭ ‬وأدب،‭ ‬كتب‭ ‬عنها‭ ‬مُحمَّد‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬الخصيبي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬شقائق‭ ‬النعُمان‭”‬،‭ ‬ومن‭ ‬قصائدها‭ ‬الجميلة‭ ‬وصفها‭ ‬لرحلة‭ ‬الحج؛‭ ‬تقول‭ ‬فيها‭:‬

وصلنا‭ ‬ضحىً‭ ‬أمَّ‭ ‬القُرى‭ ‬منبع‭ ‬الهدى‭…‬
فقرّتْ‭ ‬بها‭ ‬عيني‭ ‬وسُرَّ‭ ‬فؤاديا
وجئنا‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬العتيق‭ ‬لعُمْرةٍ‭…‬
فكم‭ ‬من‭ ‬مُلَبٍّ‭ ‬كان‭ ‬لله‭ ‬داعيا
وكم‭ ‬طائفٍ‭ ‬بالبيت‭ ‬يرجو‭ ‬مثوبةً‭…‬
وكم‭ ‬وَجِلٍ‭ ‬من‭ ‬خشية‭ ‬الله‭ ‬باكيا
فطفنا‭ ‬به‭ ‬والعين‭ ‬جادت‭ ‬بدمعها‭…‬
وكان‭ ‬مُلِحّاً‭ ‬بالدعاء‭ ‬لسانيا

وللموضوع‭ ‬بقية‭ …‬،

926 total views, 2 views today