محمد بن رضا اللواتي

العديد منا لم يغمض له جفن مساء الجمعة الفائتة، فلقد كُنا بين ترقب وحذر، وصلاة ورجاء، وعمل ميداني لثلاثة أيام متواصلة انخرط فيه الجيش السلطاني العُماني وقوة السلطان الخاصة وبقية الجهات المعنية واللجان التطوعية، على أرض اللبان التليدة، تحسبا لما ينجم عنه من ضرر، بناء على التحذيرات المتكررة الصادرة من المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، عن الحالة المدارية التي شاءت الأقدار لها أن تمضي عبر صلالة إلى وجهتها.

ورغم أن الحدث كان عصيبا، وفرص انفلات العواطف فيه كانت تزداد بوتيرة عالية، لارتفاع معدلات الشعور بالخوف على النفس والأسرة والممتلكات من جهة، والترقب في هذا الضغط، من جهة أخرى، عادة، لا يقبل الانضباط كلما إزدادت مؤشرات الخطر الماحق، إلا أن العمل الميداني والذي كان عمانيا خالصا، بدا بنحو احترافي للغاية حتى أن البعض علق مغردا بأن ميدان ظفار قد أوجز له 7 مؤتمرات في إدارة الأزمات والكوارث كان قد حضرها في مجموعة من الدول الأوروبية مدتها في حوالي خمس وأربعون يوما، أوجزها له التعاطي العماني مع الحدث في ثلاثة أيام فقط!

لقد كُنتُ ضمن زملاء نتابع الحدث عبر التلفزيون العماني، دون أن ننقطع عن متابعته عبر قنوات التواصل الاجتماعي، وكان أسلوب المذيعين العمانيين المُتسم بالهدُوء والابتسامة يثير البعض منا إلى أبعد الحدود، فلقد كانوا يبدون تعجبا بالغا من هذا الهدوء في متابعة الحدث، في حين أن المؤشرات كانت مقلقة للغاية، فعين الإعصار بات مروره عبر قلب ظفار النابض وشيكا، والله وحده العالم إلى ما ستؤول إليه الأمور حينها، فما بال هؤلاء المذيعين وقد بدا وكأنهم يتحدثون عن أن أخدودا على وشك المرور عبر أجواء صلالة في نزهة؟!

ذكرني هذا التعجب، والذي كان ينقلب أحيانا إلى حنق، ذكرني بنظرية “تأثير فراشة” الفيزيائية والتي تُستخدم أيضا في الفلسفة وفي علم الاجتماع كذلك.

“نظرية تأثير فراشة” التي دشنها رسميا “أدوارد لورينز” الامريكي الذي كان يعمل في قسم التنبوأ بتقلبات الطقس أبان الحرب العالمية الثانية، والذي كان يتساءل دوما لماذا لا يستطيع التكهن بما ستؤول إليه الأحداث من أوضاع رغم ملاحظته لجميع مسبباتها؟ لماذا يجب على الأرصاد دائما أن يقول بعد كل توقع يعلن عنه، أنه محتمل وقوعه وليس حتما؟! ألم نقم بدراسة كل شروط الحدث؟ لقد درسنا معطيات تكون الأعاصير وحجمها واتجاهها، فلماذا تتغير الأمور في اللحظات الأخيرة إما سلبا وإما إيجابا؟

وذات يوم، قرر “لورينز” أن يُدخل بيانات حدث ما متوقع، في حاسوبه، بكل تفاصيله، ليقوم الحاسوب بتحليله والخروج بنتائج ذلك الحدث، ولنفترض أن الحدث الذي حوله “لورينز” إلى رقم، كان (0.50527 ) فخرجت النتائج بشكل معين، ثم أعاد التجربة وهذه المرة وضع الرقم ذاته ولكن بدون (527) وإذا بالتحليل يخرج مختلف تماما عما كان عليه في السابق.

ما معنى ذلك؟ معناه أنه أهمل تفاصيل صغيرة جدا، لأنه ما توقع أن يكون لها ذلك التأثير، ولكن تأثيرها كان هائلا للغاية. من هنا قال جملته الشهيرة: “هل بإمكان رفرفة جناح فراشة في البرازيل تسبب في وقوع إعصار في تكساس؟”!

الجواب: نعم وبالتأكيد!

ذلك، لأن الرفرفة التي تبدو لنا حقيرة للغاية، توجد تأثيرا ما غفلنا عنه وأهملناه من حساباتنا، فلم نعطها أدنى أهمية، وإذا بالحدث قد خرج عما كنا نتوقع له من تأثير، كل ذلك لأننا لم نحسب حساب “التفاصيل الصغيرة”.

دخل مبدأ “تأثير فراشة” في علم النفس وعلم الاجتماع، فباتوا اليوم يقولون: لا تتوقع أن لا تكون لابتسامتك في حالات الضيق تفريجا لهم، ولا تظن أنه لن يكون لهندامك الأنيق في اللحظات الحرجة تأثيرا في بث الأمل، كما ولا تعتقد أن اهتمامك بأدق التفاصيل لن يكون مريحا لنفسية مستمعك.

ذلك الهم الذي زال بفعل ابتسامتك، أزال هموما أخرى لدى آخرين، فخرج الحدث بنحو لم يكون متوقعا، وهكذا فإن أناقتك أوجدت رغبة في حب الحياة والأمل، فجاءت النتائج عكس المتوقع، وكما أن اهتمامك بالتفاصيل أثناء حديثك مع مرضاك أو المتابعين لك، جعلهم يخرجون بروحية مختلفة أوجدت انعكاسا على الأوضاع فخرجت الأمور خلاف المتوقع.

لقد أظهر أداء التلفزيون العماني هدوءا في متابعته للحالة المدارية على مدار الساعة، دون أن يتوقف عن بث الارشادات الهامة، هذا الهدوء جاء وكأنه وضع في حسبانه “تأثير فراشة” فلو لم يتسم بهذا الهدوء لكان إنعكاسه على المتابعين للأخبار وهم في حالة حرجة من القلق سيئا للغاية، ومن يدري ما كان مؤداه أن يكون، والسُحُحب المركومة فوق بعضها البعض تجول في أفق صلالة وقد أفلتت بروقها مصحوبة بهزيم مخيف! في ذلك الوضع من الجو المكفهر والمطر الغزير والريح العاتية، لم تفارق الابتسامة الخفيفة مذيعي أخبار الحالة المدارية، رغم أن قلوبهم حتما كانت تتضرع إلى العلي القدير أن يجعلها نزهة مع أقل المخاطر الممكنة.

قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  .

تحية إلى الزملاء الاعلاميين على الجهد الاستثنائي في الظرف الاستثنائي.

1,501 total views, 5 views today