مشتاق بن موسى اللواتي

مقدمة:

المعنى المعجمي للسان الحال – حسب المنجد – هو ما دل على حالة الشيء وكيفيته من الظواهر.

وأدرجه الجاحظ في «البيان والتبيين» عند تطرُّقه لأقسام البيان، ضمن قسم النصبة، وهي الحال الناطقة بغير اللفظ. وقال: ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وإن كان صامتًا وأشار إليه وإن كان ساكتًا.

ويمكن أنْ نعرِّفه بأنه المشهد المعبِّر عن نفسه والمنظر الحاكي عن ذاته كما لو كان ناطقًا ومتكلمًا، بل لعله يكون أبلغ وأصدق من القول لكونه يجسد الوضع على واقعه. وقد يأتي من يستلهم معانيه الكامنة ويستنطقها ويصيغها في قوالب لفظية أدبية متنوعة، وهو ما درج عليه الشعراء في العصر الحديث في الشعر الكربلائي.

ونعني بالشعر الكربلائي هو النتاج الشِّعري الذي قيل حول حركة الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده في واقعة كربلاء. والشعر الكربلائي زاخر ومتدفق ومتنوع الأغراض حيث يشتمل على المدح والرثاء والاستنهاض والحماس والنقد والاحتجاج وما إلى ذلك. وقد تحوي مقطوعة شعرية واحدة على أكثر من غرض.

ومن المؤسف أن نشير هنا إلى ظاهرة تجاهل دراسات النقد الأدبي العربي ومناهج التعليم العربية ومنتديات الشعر العربي لهذا النتاج الشعري العربي الأصيل في نظمه والغزير في معانيه والمتنوع في أغراضه وأبعاده والمتدفق في حركته العاطفية والوجدانية والغني في مضامينه. ويرجع ذلك لعوامل أيديولوجية ضيقة معروفة! ولهذا لا يكاد يتعرف الأساتذة والنقاد والكتاب فضلاً عن الطلبة على أبعاد هذا الشعر ولا على شعرائه مع أنه شعر عربي أصيل وشعراؤه ينتمون إلى أعرق البيئات العربية مثل العراق الشام والجزيرة العربية! وأيًّا كان سنورد في هذه الورقة نماذج من الشعر الذي قيل حول واقعة كربلاء في العصر الحديث والذي اشتمل على أسلوب لسان الحال إلى جانب بعض النماذج الحوارية المركبة.

1- وضوح الأهداف في النهضة الحسينية:

إن الانتصار لمبادئ وقيم الإسلام كان من أبرز أهداف حركة الإمام الحسين كما أوضحها في كلماته التي وردت عنه منها: أني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي. ومنها: وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون. ومنها: على الإسلام السلام إن بليت الأمة براع مثل يزيد. ومنها: لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد.

ويعرض السيد رضا الهندي بعض محاججات الحسين يوم عاشوراء مع الجيش الأموي في محاولة منه لثنيه عن ارتكاب الجريمة النكراء، محاولاً إيقاظ صوت الضمير في أعماقه. وينظمها الشاعر المذكور في مقطوعة أدبية جميلة وفي صورة حوارية رائعة بين طرفين أحدهما رسالي إنساني وهو الحسين، وأما الطرف الآخر فتمثل في الجيش الأموي الذي واجهه الحسين بالحجج الدينية والمنطقية التي اقتضاها المشهد، غير أن آلة الحرب هي التي قالت كلمتها، حين أعيت أصحابها حجة المنطق، كما هو دأب الطغاة على مرِّ التاريخ.

لم أَنْسَه إذ قام فيهم خاطبًا *** فإذا هُمُ لا يملكون خطابا

يدعو ألستُ أنا ابنَ بنتِ نبيكم *** وملاذَكم إنْ صرف دهر نابا

هل جئتُ في دين النبي ببدعة *** أم كنتُ في أحكامه مرتابا

أوَ لم يُوَصِّ بنا النبي وأودع *** الثقلين فيكم عترة وكتابا

إن لم تدينوا بالمعاد فراجعوا *** أحسابكم إن كنتم أعرابا

فغدوا حَيارى لا يرون لوعظه *** إلا الأسنة والسهام جوابا

ويتأمل الدكتور أحمد الوائلي في مشهد وقوف سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أشلاء الشهداء من ولده وأخوته وصحبه البررة بعد أن أبلوا بلاءً حسنًا، وكأنه جاء ليعاهدهم بأنه على أثرهم. ولم تظهر على صفحات وجهه المشرق أية ملامح للحزن أو الانكسار، وهذه حقيقة سجلها المؤرخون وأكدتها فصول الواقعة. ولم يسترع نظر الشاعر إلا حركة شفتي الحسين المعبِّرة بحق عن أعماق قلبه المنشغل بمناجاته الخاصة مع الله تعالى، فأنصت إلى ترنيماته ونظمها في خطابه للحسين.

وتمشيت تستبين الضحايا *** وزواكي الدماء منها تسيلُ

ومشت في شفاهك الغر نجوى *** نم عنها التحميد والتهليلُ

لك عُتْبى يا رب إن كان يرضيـــ *** ـــك فهذا إلى رضاك قليلُ

ويستدعي الشاعر محسن أبو الحب الحويزي فصول كربلاء الدامية الزاخرة بقيم التضحية بالأبناء والأحباب والنفس والنفيس. فينسج منها مشهدًا حواريًّا مركبًّا في صورة فنية مبدعة، صوَّر فيها الحسين وهو يحاور نفسه ويحثها على المضي قدما نحو الشهادة في سبيل إحياء قِيم الرسالة. وفي الصورة الأخرى غاص الشاعر في الأدعية الحسينية مستوحيًا منها حال الحسين وهو في مكاشفة عرفانية مع ربه يؤكد فيها أن وجوده كله رهن رضاه سبحانه وأنه مصمم على السير في هذا الطريق، وإن أدَّى إلى استباحة دمه لترتوي منه الرماح والنصول الظامئة، وكانت نتيجته سَبي نسائه بعد مقتله.

أعطيت ربي موثقًا لا ينتهي *** إلا بقتلي فاصعدي وذريني

إن كان دين محمد لم يستقم *** إلا بقتلي يا سيوف خذيني

هذا دمي فَلْترْو صادية الظبا *** منه، وهذا للرماح وتيني

ثم يقترب الشاعر منه فينقل مناجاته لربه الكريم بلسان حاله:

أنفقتُ نفسي في رضاكَ ولا أرا *** ني فاعلاً شيئًا وأنت معيني

هذي رجالي في رضاك ذبائح *** ما بين منحور وبين طعينِ

رأسي وأرؤس إخوتي مع نسوتي *** تهدى لرجس في الضلال مبينِ

وإليك أشكو خالقي مِن عصبة *** جهلوا مقامي بعدما عرفوني

2- تصوير البطولة والصمود على المبدأ:

لقد تجلت البطولة بأجلى مستوياتها في كربلاء واستجمعت كمالاتها في أبي الشهداء الحسين، فكلما كان يسقط شهيد يزداد وجهه بشرًا لقرب اللقاء مع الله تعالى. يروي المؤرخون عن عبد الله بن عمار بن يغوث وهو من المقاتلين في الجيش الأموي قال: والله ما رأيت مكسورًا (و في رواية مكثورًا قط )، قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشًا ولا أمضى جنانًا ولا أجرأَ مقدمًا منه. وقد رسم الشعراء صورًا متنوعة عنها ولم يفتهم استيحاء بعض الكوامن النفسية والدوافع الباطنية للشخوص الكربلائية في قصائدهم.

ويتأمل السيد حيدر الحلي مواقف الحسين يوم عاشوراء حيث خيره الجيش الأموي بين حياة الاستكانة أو القتل فأجابهم: هيهات منا الذلة. ولم يكتف هذا الشاعر بقراءة المواقف الظاهرية بل عَبَر إلى ما وراءها ليستنتج الحديث الداخلي للحسين مع نفسه الكريمة، يستحثها على الثبات على مواقف العزة والكرامة.

وسامته يركب إحدى اثنتين *** وقد صرَّتِ الحرب أسنانها

فإما يُرى مذعنًا أو تموت *** نفس أَبَى العزُّ إذعانها

فقال لها اعتصمي بالإباء *** فنفس الأَبِيّ وما زانها

رأى القتل صبرًا شعار الكرام *** وفخرًا يزين لها شانها

وعلى نفس النسق الحواري للحسين مع نفسه وهو يحثها للسير في مقارعة الذلة والمهانة:

وقال قفي يا نفس وقفة وارد *** حياض الردى لا وقفة المترددِ

رأى أنَّ ظهر الذل أخشن مركبًا *** من الموت حيثُ الموت منه بمرصدِ

فآثر أن يسعى على جمرة الوغى *** برجل ولا يعطي المقادة عن يدِ

3- مشاهد الوداع:

إن مشاهد الوداع التي نقلتها المصادر التاريخية قليلة. ويُستفاد من بعض المصادر كمقتل الحسين للخوارزمي أن الرجل من أبطال كربلاء عندما كان يعزم على القتال كان يقول للحسين: السلام عليك يا أبا عبدالله، فيرد عليه: وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ قوله تعالى: منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. وأبطال كربلاء من أكثر الناس شفافية وحميمية، ولهذا من الطبيعي ان تأتي مشاهد وداع الأهل والأحبة مفعمة بالعواطف الجياشة ومحفوفة بالعناق الطويل ونظرات الفراق وانسياب الدموع.

وتأمَّل الشاعر محمد سعيد المنصوري أجواء ليلة عاشوراء ونهاره، فاستوحى من جنباتها أحاديث الوداع بين الحسين وأخواته وبناته وعياله، فهي آخر ليلة يقضونها معًا. وقد عرضها الشاعر في صورة رقيقة تأخذ بشغاف القلوب.

الله يا ليل الوداع لما جرى *** فوداع آل الله فيك مهولُ

حيث الحسين يروح فيك مودعا *** آل الرسول بلوعة ويقولُ

هذا الوداع أحبتي والملتقى *** بجنان خلد ظِلُّهن ظليلُ

فغدت بنات المصطفى في عولة *** وعراهُمُ مِن هَول ذاك ذُهولُ

ناداهمُ صبرًا فقد نزل القضاء *** وبُكَاكُم بعدي غدًا سيطولُ

أما الحالة الوجدانية الداخلية لبنات الرسالة في ليلة الوداع، فقد تكالبت على أفئدتهن الهواجس المظلمة فتمنين لو أن هذه الليلة لم تحل، وإن حلت فليتها تمتد حتى يطول مكث الحسين معهن فيتزودن من أنواره للأيام الموحشة القادمة:

يا ليل عاشوراء ليتك لم تكن *** فعظيم خطب حل فيك جليلُ

فإذا حللت فليت تبقى سرمدًا *** وظلام ليل منك ليس يزولُ

إذ في صباح من ظلامك ينجلي *** لشموس خير الأنبياء أُفولُ

ويرسم الشاعر محمد نصار النجفي، لوحة وداع الإمام الحسين لنساء الرسالة، بعد أن قُتل جميع الأبطال ظهيرة يوم عاشوراء، وبقي وحيدًا فريدًا. وعزم الحسين على التوجه نحو المعركة لمواجهة مصيره المحتوم، فهو يعلم بأنه هو المستهدف من وراء تجييش هذا الجيش المدجج بالسلاح والعتاد والرجال. ولما علمت أخته زينب بعزمه، سرعان ما هرولت إلى بنات الرسول (ص) تخبرهن بالنبأ العظيم.

ورنت إلى نحو الخيام بعولة *** عظمى تصب الدمع وهي تقولُ

قوموا إلى التوديع إنَّ أخي دعا *** بجواده إنَّ الفراق طويلُ

حقًّا إنه منظر مؤلم حيث يترك الحسين بناته وأخواته ونسائه وأطفاله بين أعداء انسلخوا من آدميتهم. وما إن سمعت النساء ذلك النبأ المرعب، حتى أسرعن جميعًا تاركات كل شيء كان في أيديهن ولحق لفيف من الأطفال بهن، وتحلق الجميع حول الحسين وقد خيَّم الذهول والرعب عليهم. ويصور الشاعر المشهد المهول بقوله:

فخرجن ربات الخدور عواثرًا *** وغدًا لها حول الحسين عويلُ

وكان للإمام الحسين وداع خاص مع ابنته سكينة التي رآها حزينة خيمت الكآبة على وجهها وكأني به يسكن روعتها.

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي *** منك البكاء إذا الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة *** ما دام مني الروح في جثماني

فإذا قُتِلت فأنتِ أَولَى بالذي *** تأتينه يا خيرة النسوانِ

وعبَّر الشيخ مسلم بن محمد علي الجابري عن لسان الحسين وهو يودِّع ابنته العزيزة سكينة ويهيئها لمشقة السبي ويحثها على الصبر ملمحًا بأنه لا لقاء بعده إلا على حوض الكوثر يوم القيامة:

هذا الوداع عزيزتي والملتقى *** يوم القيامة عند حوض الكوثرِ

فدَعِي البكاء وللأسار تَهيئي *** واستشعري الصبر الجميل وبادري

غير أن الإمام الحسين خصَّص لأخته زينب وداعًا منفردًا، حيث حملها مسؤولية الفصل القادم من حركته ضمن مسيرة السبي الطويلة المرهقة، وحثَّها على التماسك حسبما تقتضيها المسؤولية الجسيمة. وقد رسم لنا الشيخ حسن الدمستاني البحراني في ملحمته الكربلائية هذا المشهد الرائع على لسان الحسين.

أخت يا زينب أوصيك وصايا فاسمعي *** إنني في هذه الأرض ملاق مصرعي

فاصبري فالصبر من خِيم كرام المُترع *** كل حي سينحيه عن الأحياء حين

في جليل الخطب يا أخت اصبري الصبر الجميلْ *** إن خير الصبر ما كان على الرزء الجليلْ

والحسين كان معروفًا بحبه للصلاة والمناجاة مع ربه وكان يأنس بها. فقد طلب من قائد الجيش الأموي أن يؤجِّل المعركة يوم التاسع من المحرم ليتفرغ للصلاة والدعاء ليلة العاشر من المحرم. فبات هو وأصحابه ليلة العاشر ولهم دوي كدوي النحل. وها هو يفارق الدنيا، ولهذا لم يستطع الشاعر محسن أبو الحب الحويزي أن يتخيل الحسين يغادر الدنيا دون أن يوصي أخته زينب بأن تذكره في صلاتها آناء السَّحَر.

وإذا قمتِ إلى نافلة الليل اذكريني *** وإذا استعبدتِ مولاك صلاة فصِلِينِي

وودَّع الحسين عياله الوداع الأخير، وورد أنه أمرهم بالصبر ولبس الأزر وقال لهم: استعدوا للبلاء واعلموا أن الله حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شر الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير. ولاحقته نظرات الأطفال وحسرات النساء مع سيل من العَبَرات الرقراقة.

4- الوقوف على مصارع الشهداء وتأبِين الأبطال:

ذكر المؤرخون أن الإمام الحسين كان يقف على مصارع الشهداء يتودَّع منهم ويؤبنهم ويذكر خصائصهم ويشيد بمواقفهم. وقف على مصرع مسلم بن عوسجة وكان به رمق فقال له: رحمك الله يا مسلم وتلا قوله تعالى: منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. ولما قطع رأس حبيب بن مظاهر الأسدي، هدَّ مقتله الحسين فقال: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي. ويذكر الخوارزمي بأنه استشهد غلام تركي من أنصاره، وكان قارئًا للقرآن فجاء إليه الحسين فوضع خده على خده ففتح عينيه مبتسمًا وصعدت روحه إلى بارئها. ووقف على جثمان ولده علي الأكبر شبيه المصطفى المقطع بالسيوف، فوضع خده على خده قائلاً: قتل الله قومًا قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله r. ولما قتل أخوه أبو الفضل العباس، قال: الآن انكسر ظهري وقلَّت حيلتي.

 وتوقَّف الشعراء على هذه المحطات التأبينية المتدفقة بمعاني الحب والنبل والممزوجة بعَبَق الطمأنينة والرضا بقضاء الله تعالى، فتفاعلوا معها واندمجوا مع مشاهدها وما تخللتها من آلام ومشاعر إنسانية معطرة بشذى التضحية ومضَمَّخَة بقِيم الإيثار والتصميم على الهدف.

 يصف السيد جعفر الحلي حال الحسين عند مصرع أخيه العباس، مستحضرًا العلاقة الحميمية والرسالية الخاصة بين الحسين وأخيه. فيتصور أن أهم فعل تلقائي يصدر منه آنئذٍ وهو يودع أخاه، هو قُبلة يطبعها على جبينه أو خده أو أي موضع من جسمه المبضَّع، غير أن عضَّات السيوف والسهام في جسم أخيه، وكسرات السيوف والنصول والحجارة التي غطت جسمه لم تترك للحسين موضعًا يضع عليه قُبلته الأخيرة، فما كان منه إلا إن انحنى على جثمانه وقد ترقرقت دموعه الحارة من عينيه.

قد رام يلثمه فلم يرى موضعًا *** لم يُدمه عض السلاح فيُلثم

فأكب منحنيًا عليه ودمعه *** صبغ البَسيط كأنما هو عَندَم

تخيَّل الشاعر حالة الحسين وهو يقف على جثمان أخيه وقد قطعت يداه ونبت السهم في عينه وسيفه ولواؤه مطروحان في الأرض، فأبنه بأرق الكلمات وأدقها واصفًا عُمق الفراغ الذي تركه العباس في نفسه وفي معسكره وعائلته. كان ألم الحسين بمصرع العباس عميقًا بحيث هوَّن عليه آلام مصارع أبنائه كما يفعل الجُرح الموغِل في الألم مع سائر الجراحات.

لقد ترك مقتل العباس أثرًا بالغًا على الحُسين، وهو ناتج من طبيعة العلاقة الرسالية العُضْوية بينهما.

وقد أجاد الشاعر في توصيفها عبر إيحاء فني استبطاني بأن العباس كان يمثل بالنسبة له باصرته وساعديه، وبفقد العباس فقدهما معًا.

أَأُخَيَّ من يحمي بنات محمد *** إن صِرن يسترحمن مَن لا يرحمُ

ما خلت بعدك أن تشل سواعِدي *** وتكف باصرتي وظهري يقصمُ

هَوَّنت يا ابن أبي مصارع فتيتي *** والجرح يسكنه الذي هو آلمُ

لقد كان العباس حامل اللواء والسِّقَاء والرجل الثاني في معسكر الحسين. ولهذا تخيَّل الشاعر محمد رضا الأزري أن الحسين خاطب أخاه في تلك اللحظة الحرجة بأسَى بالغ مستعرضًا أدواره وكأنها أوسمة بطولية يضعها على رُفَاتِه.

وهوى عليه ما هنالك قائلاً *** اليوم بان عن اليمين حسامها

اليوم سار عن الكتائب كبشها *** اليوم بان عن الهداة إمامها

وتمضي الساعات يوم عاشوراء سريعًا ولم يلبث الحسين هنيهة، إلا وقد قتل جميع صَحْبِه وأهل بيته وأولاده وإخوته، فيقف الحسين بين جثثهم المضَّرجة بالدماء ويطيل النظر إليهم.

لمَّا رأى السبط أصحاب الوفاء قتلوا *** نادى أبا الفضل أين الفارس البطل

وأين من دوني الأرواح قد بذلوا *** بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلفوا في سويدا القلب نيرانا

شهادة الرضيع في يدي والده:

لقد قُتِل في واقعة كربلاء عدد من الأطفال والصِّبْية، فقد قُتِل عبد الله بن الحسن بن علي في حجر عمه، ورُمِي عبد الله بن الحسين الرضيع بسهم وهو في يدي والده، وَثَمَّةَ طفل حديث الولادة رمي بسهم في حجر أبيه كما ذكر اليعقوبي في تاريخه.

غير أن مقتل الطفل الرضيع كان له وقع مميز، حيث ترك جرحا عميقا لدى أهل البيت. كان خاتمة القرابين التي قدمها الحسين بنفسه من أهل بيته. يَذكر بعض المؤرخين -كابن طاووس في اللهوف- أنَّ الحسين حَمَل طفله إلى القوم طالبًا منهم أنْ يسقوه ماءً، وبينما هو يخاطبهم إذ جاءه سهم فذبحه في يديه. إن مجرد حمل الحسين طفله وطلبه الماء له من الجيش الأموي يُشَكل إدانة صارخة لهذا الجيش، الذي بلغ به الانحدار الأخلاقي مبلغًا، جعله يستخدم الماء كوسيلة ضغط في معركته مع الحسين، فيحول بينه وبين أهله وصحبه وبين ماء الفرات الجاري. وقد رَسَم الشيخ حسن الدمستاني البحراني في ملحمته الشعرية المعروفة قصة مقتل الرضيع في يدي والده في لوحة فنية حَيَّة ناطقة، استوحاها مِن هذا المشهد الكربلائي المأساوي.

فَدَعَا فِي القَوْمِ يَا للهِ مِنْ خَطْبٍ فَظِيعْ *** نَبِّئُونِي أَأَنَا المُذْنِبُ أَمْ هَذَا الرَّضِيعْ

لاحِظُوهُ فَعَلَيْهِ شبهُ الهَادِي الشَّفِيع *** لا يكنْ ‏شافعُكُمْ‏ خصمًا لكم ‏في ‏النشأتين

عَجِّلوا  نَحوِي بماءٍ أَسقِهِ هذا الغلام *** فحشاهُ‏ من‏ أوامٍ ‏في ‏اضطرابٍ‏ وكِلام

فاكتفى ‏القومُ ‏عن‏ القولِ ‏بتكليمِ السهام *** وإذا  بالطّفلِ  قد خرّ صريعًا لليدين

5- السيدة زينب مع الإمام الحسين في مسيرته:

كان للمرأة مُمَثَّلةً في السيدة زينب وبقية بنات الحسين وعائلته دور كبير في مسيرته. إن إسهام المرأة في كربلاء يتجلى في تمازج وتداخل الوجع والمعاناة والصبر وبذل فلذات الأكباد والإخوة والأزواج على مذبح الحق والفضيلة، إلى جانب ما تعرضن له من آلام أثناء مسيرة الأسر والسبي، ومسيرة كفاح السيدة زينب مع أخيها الحسين لم تنته بمقتله؛ بل بدأ فصل جديد مِن فصولها حيث كانت زينب بطلة المرحلة، والمسبية الأولى مِن بنات عليّ وفاطمة مع بقية النساء من آل رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- وقد سجل المؤرخون خطاباتها ومحاججاتها البليغة مع والي الكوفة وحاكم الشام.

وفي مقطوعة شعرية رائعة يعرض الشاعر محمد نصار مشهدًا نابضًا بالحركة، فيصور الإمام الحسين وقد فارق جميع أحبته من أهل بيته ورفاقه، وقد قرر المضي في نفس الطريق الذي سبقوه إليه؛ ولكنه غدًا في ساعة فريدة ليس معه أحد، وقد عزم على البراز، ولم يبق مع القائد أحد من جنده ليهيئ له فرسه -كما جرت العادة- ليقتحم به إلى ساحة القتال. فَتَخَيَّلَه الشاعر واقفًا بين جثث الأبطال المطرحة على الأرض، يستنهض هممهم قائلا: مَن يقدم لي جوادي وأنا ابن أمير المؤمنين؟ ولم يجد الشاعر أحدًا ينجز هذه المهمة فيقدم له فرس المنية غير أخته زينب بنت عليّ، بطلة كربلاء. وقد سجل الشاعر المشهد في حوارية فنية رائعة بين الحسين وأخته زينب على صيغة لسان الحال.

مَن ذا يقدم لي الجواد ولامتي *** والصحب صرعى والنصير قليلُ

فأتته زينب بالجواد تقوده *** والدمع مِن ألم الفراق يسيلُ

وتقول: قد قطعت قلبي يا أخي *** حُزنًا فيا ليت الجبال تزولُ

ما في الخيام وقد تفانى أهلها *** إلا نساء وُلَّهٌ وعليلُ

أرأيتَ أختًا قدمت لشقيقها *** فرس المنونِ ولا حمى وكفيلُ؟

فتبادرت منه الدموع وقال يا *** أختاه صبرًا فالمصاب جليلُ

وعلى عكس ما وصفت به السيدة زينب مِن تحمل وتجلد يصورها الشاعر في هذا الظرف المرير بأنها -رغم الشجاعة التي أبدتها بتقديمها فرس المنية لأخيها- لم تستطع تحمل هذا الموقف الجلل:

فبكت وقالت يابن أمي ليس لي *** وعليك ما الصبر الجميل جميلُ

يا نور عيني ياحشاشة مهجتي *** مَن للنساء الثاكلات دليلُ؟

ويتخيل الحاج هاشم الكعبي موقفا آخر للسيدة زينب، حيث تأتي إلى أخيها الحسين وهو صريع على الأرض، وقد أعيته الجراحات، ونزف الدماء. ويأتي شمر بن ذي الجوشن -وهو أحد قادة الجيش الأموي، وهو ممن باشر قتل الحسين- مع سنان بن أنس النخعي. ويتصور الكعبي السيدة زينب في تلك اللحظات الحاسمة وهي توبخ شمرا وتحذره من مغبة الإقدام على ارتكاب هذه الجريمة النكراء، فيقول:

وجاءت لشمر زينب ابنة فاطم *** تعنفه عن أمره وتعذلُ

أيا شمر هذا حجة الله في الورى *** أعد نظرا يا شمر إن كنتَ تعقلُ

أيا شمر مهما كنت للناس جاهلا *** فمثل حسين أمره لست تجهلُ!

وظل الحسين طريحا على الأرض، وحاولت زينب أنْ تكلمه في تلك الساعة، وتاقت نفسها لسماع صوته في تلك الساعة، ولكنه لم يقدر على جوابها، فخاطبته بصوت شَجيّ سجله هاشم الكعبي:

نادت فقطعت القلوب بشجوها *** لكنما انتظم البيان فريدا

أنعم جوابا يا حسين أُخَيُ يا *** أملي وعقد جماني المنضودا

ما لي دعوتك لا تجيب ولم تكن *** عودتني من قبل ذاك صدودا

غير أن الشاعر محمد حسين الحلي لم يستسغ أن يترك الموقف دون جواب من الحسين لرفيقة دربه زينب، وإن كان في ساعة عَصيبة فتصور أنه أوصاها بالاسترجاع وحفظ أيتام البيت النبوي:

فأجاب زينب وهْو يفحص في الثرى *** قُضِيَ القضاء بما جرى فاسترجعِي

وتكفلي حال اليتامى وانظري *** ما كنتُ أصنع في حماهم فاصنعِي

وفي المقابل أطل الشاعر رضا الهندي فنظر إلى جلل الخطب أمام ناظري زينب، حيث الحسين مقطع بالسيوف والرماح، فلم يجرؤ أنْ ينسب إليها أنها كَلَّمَته في تلك الحالة الشديدة. فتصور أن هَوْل المصيبة فرض عليها حالة الصمت، لقد رامت أن تقول شيئا غير أن الخطب غالبها وأخرس نطقها! ولكن دموعها الغزيرة التي غالبتها كانت أَبلَغَ مِن كل قول، وَأَنْطَقَ من كل كلام.

أَخرس الخطب نطقها فدعته *** بدموع بما تجن فصاح

يا منار الضُلال والليل داجٍ *** وظلال الرميض واليوم ضاح

كنتَ لي يوم كنتَ كهفًا مَنيعًا *** سجسج الظل خافق الأرواح

ولم تمض سويعة إلا وجواد الحسين يرجع إلى مخيمه رافعًا صوته بالصهيل كأنه يخبر النساء بسقوطه عن ظهره ليواجه مصيره المحتوم. وتحسب النساء في البداية أن الحسين قد عاد إليهن سالمًا فتسارعن لاستقباله، فأدركن هَولَ المصيبة من خلال حالة الجواد. وقد رسم الشاعر حسن الدمستاني البحراني في هذه اللوحة حالة الذهول التي انتابت أخته زينب.

خَرَجَتْ مُذْ سَمِعَت زينب إعوال الجوادْ *** تحسب السبط أتاها بالذي يهوَى الفؤادْ

ما دَرَت أنَّ أخاها عافر في بطن وادْ *** ودم المنحر جارٍ خاضبا للمنكبينْ

وهي مِن عُظْمِ مُصابٍ لَبِسَت ثوب السوادْ *** وهي بالكفين فوق الرأس تحثو بالمدادْ

وتنادي أين خلفت حسينا يا جواد *** كن خبيري أي أرض ضمنت جسم الحسينْ

ويخيم الليل على عائلة الحسين كئيبًا ثقيلاً بعد أُفُول الشموس المشرقة، وبعد رحيل الحماة والأحبة، غير أنَّ ظلام الليل من جهة أخرى كان يشكل ستارًا وحماية لهنَّ مِن عيون الذئاب البشرية التي انسلخت من القيم، فسرعان ما هجموا على المخيم، وسلبوا ما فيه.

ويَخَيَّل للشاعر عبد الله الذهبة أنَّ مخدرات بيت النبوة تمنين لو يخيم الظلام بشكل مستديم عليهن؛ لكي يشكل حاجبا لهن عن أنظار أولئك البشر المتوحشين، فصور السيدة زينب وكأنها تخاطب الصبح:

وإن بَدا الصبح دعت مِنْ أسى *** يا صبح لا أهلا ولا مرحبا

أبديت يا صبح لنا أوجها *** لها جلال الله قد حجبا

تراك قد هانت عليك التي *** عن شأنها القرآن قد أعربا

ويصف الشاعر عبد الحسين شكر حالها بعد فَقْدِ إخوتها وأبنائها وأهلها، فيسقط صورة المرأة العرفية -حسب النظرة الثقافية المجتمعية- على بطلة كربلاء، والملاحظ أنَّ جملة من الشعراء الكربلائيين سلكوا ذات المسلك في تصوير بعض الشخوص الكربلائية البارزة، وذلك لإذكاء الجانب العاطفي عند المستمعين. والشاعر عبد الحسين شكر في هذه الأبيات يَعرِض السيدة زينب في صورة المرأة التقليدية التي أَلِفَها في بعض المجتمعات الريفية العربية، فيصورها في صورة امرأة أسلمها حُمَاتُها ومَن معها من النساء والأطفال بِيَدِ الذئاب البشرية، فلم يبق أمامها إلا استنهاض والدها الإمام علي –عليه السلام- مِن ضريحه ليأتي لنجدتها.

قُم يا علي فما هذا القعود وما *** عهدي تغض عن الأقذاء أجفانا

فانهض لعلك مِن أَسرٍ أَضرَّ بنا *** تفكنا أو تولى دفن قتلانا

وتدعو تارة أخرى عشيرتها لتهب فتنقذ البقية الباقية مِن هذه الأسرة الكريمة المعرَّضة للإبادة.

قوموا غِضابا مِن الأجداث وانتدبوا *** واستنقذوا مِن يَدِ البلوَى بقايانا

وفي اليوم التالي يقرر عمر بن سعد بن أبي وقاص قائد الجيش الأموي مغادرة كربلاء، تاركًا الجثث الزاكية مقطوعة الرؤوس على الأرض، فقد رُفِعت الرؤوس على الرماح العالية؛ لتكون شاهدة على الهمجية التي مُورِسَت مع آل الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- وقرروا حمل عيال الحسين سبايا إلى الكوفة، حيث مقر الوالي الأموي عبيد الله بن زياد الذي يقيم أضخم احتفال بالنصر بقتل ابن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- وتأتي زينب وبقية النسوة والأطفال لتوديع تلك الأجساد الطاهرة الملقاة على الأرض، وما أَنْ هَمَمْنَ بالاقتراب منها وملامستها حتى جاء الجلاوزة فمنعوهن، فودعنها بنظرات الحسرة عن بُعد، إلا أنَّ وداع زينب لأخيها كان متفردًا، وقد رسم الشاعر رضا الهندي حالة زينب مع أخيها الحسين في صورة بلاغية متقابلة، فتصور أنها لم تقدر على مفارقته، فتركت قلبها معه، وفي المقابل كان رأسه الشريف يرافقها ويطل عليها مِن فوق السنان.

همت لتقضي من توديعه وطرا *** وقد أبى سوط شمر أن تودعه

ففارقته ولكنْ رأسه معها *** وودعَتْه ولكن قلبها معه

وصار ركب السبايا مسرعًا يَجِدّ السير تقوده مجموعة من القتلة الجزارين، لا يهمهم إلا أنْ يصلوا الكوفة في أسرع وقت؛ ليشاركوا في مهرجان النصر، ويصور الشاعر جعفر الحلي الحالة المؤلمة لبنات الرسالة، وهن يخاطبن الجنود بأن يُسَيِّروا الرواحل هونًا هونًا فلا يرهقوهن:

ورحن بالأسر بنات الهدى *** تطوي الفيافي موطنًا موطنا

يَدعين والعَيْسُ تجد السرى *** ياحادي العيس ألا ارفق بنا

يا حادي العَيْس أتدري بنا *** ربات خدر لا نطيق العَنا

وصل ركب السبايا إلى مجلس الوالي الأموي عبيد الله بن زياد بالكوفة فانتشى بالنصر، وتوجه إلى زينب متهكمًا شامتًا: الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب أحدوثتكم! فردَّت عليه سليلة بيت النبوة: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (ص) وطهَّرنا تطهيرًا، إنما يفتضح الفاسق ويكذَّب الفاجر. فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فأجابته زينب بوعي وحزم: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ. فاستشاط غضبًا من شجاعتها وقوة منطقها وهم بها فحال دونه بعض الحاضرين!

ويستوحي الشاعر رضا الهندي الهواجس التي كانت تدور في خاطر العقيلة زينب بعد رحيل الأبطال فيتساءل بلسان حالها مَن الذي سيقود النساء والأطفال في مسيرة السبي الشاقة الطويلة من الكوفة ال الشام؟ هل سيوكل أمر بنات علي وفاطمة إلى أناس انسلخوا من بشريتهم بعد أن كان الحسين والعباس يتوليان رعايتهن:

لم أنس إذ هتكوا حماها فانثنت ***  تشكو لواعجها إلى حاميها

هذي نساؤك من يكون إذا سرت *** في الأسر سائقها ومن حاديها

أيسوقها «زجر» بضرب متونها *** و«الشمر» يحدوها بسب أبيها

وفي بعض تلك المواطن المقفرة وحين لعبت السياط على ظهور النساء والأطفال، تخيَّل الشاعر عبد الحسين شكر بأنها لما واجهت هذا الموقف لم تتمالك نفسها أن نادت بصوت شجي وقلب خافق واصفة حالها وسط أولئك الجلاوزة الهمج.

تنادي بصوت طبق الكون شجوه  *** وقلب كأجناح الحمائم خافقِ

أُقَلِّب طرفي لا حَمِيٌ ولا حِمَى  ***  سوى هفوات السوط من فوق عاتقي

وإذا أرهقها المسير وما تلاقيه فيه من أذى وقسوة وسوء معاملة، لا تملك إلا أن تبث همومها إلى رأس أخيها الذي كان رفيقها وأنيسها في السبي، فقد كان يطل على عائلته مِن على رأس الرمح. وتخيل الشاعر محمد مال الله القطيفي كأن حوارًا داخليًّا جرى بينها وبين رأس أخيها المفصول عن الجسد والذي لم يكن بوسعه إلا أن يصبِّرها.

أنْعِم جوابًا ياحسين أما ترى ***  شمر الخنا بالسوط كسَّر أضعلي

فأجابها من فوق شاهقة القنا *** قُضي القضاء بما جرى فاسترجعي

وبعد انقضاء مسيرة السبي الطويلة الشاقة من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ثم منها إلى المدينة المنورة. وفي طريق العودة، لما لاحت للنساء مشارف مدينة الرسول، بدا لهن وكأن شريط كربلاء بفصوله الكاملة مبثوث أمامهن، كأني بإحداهن تخاطب مدينة جدها المصطفى (ص):

مدينة جدنا لا تقبلينا  ***  فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهلين جمعًا  ***  رجعنا لا رجالَ ولا بنينا

وتوجهت السيدة زينب إلى قبر جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبثه آلامها وتخبره بما لاقته في طول رفقتها مع أخيها الحسين، فمسكت بعضادتي باب مسجد جدها الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وقالت:

ياجداه يارسول الله: إني ناعية إليك أخي الحسين.

الخاتمة:

إن أهمية أسلوب لسان الحال في الشعر الكربلائي تكمن في انتشاره الواسع في مختلف مفاصِل هذا الشعر لاسيما في المقاطع الرثائية منه، بحيث لا يمكن لهذا الشعر أن ينفصل عنه. ولا نبالغ إذا قلنا بأنه إذا جرد منه سيفقد كثيرًا من الأخيلة التصويرية الرائعة والاستيحاءات الجميلة التي تجلي زوايا مختلفة وتحكي أغراضًا متنوعة من الملحمة الحسينية. إن واقعة كربلاء هي واقعة نادرة في كثير من أبعادها فقد تمثلت فيها البطولة والشجاعة والإقدام مع العزة والكرامة والصلابة بأجلى الأمثلة. وتجسدت فيها قيم الحب والصدق والاخلاص والوفاء والإيثار والتضحية والتفاني بأعلى المراتب. وتجلَّى فيها الألم والوجع والتأثر والحسرات والعَبَرات بأعمق الدرجات. وإذا تقبلنا ما يذكره الدارسون الاجتماعيون عن الطبيعة البشرية عبر التاريخ بأنها تميل إلى حب البطولات وتنزع نحو المثاليات، فإن كربلاء تجلَّت في جنباتها كل تلكم المعاني إلى درجة يخيل لقارئ كربلاء بأنها من ضروب الأساطير نسجتها أخيلة القصاصين وريش الفنانين. ولأجل ذلك فقد كانت كربلاء – ولا تزال – مصدر إلهام للخطباء والأدباء والشعراء والفنانين، حيث يقفون عليها فتندمج مشاعرهم مع آلامها وأناتها وتمتزج انفعالاتهم بدموعها ودمائها وتندك قرائحهم بمبادئها وبطولاتها التي تنبض عزَّةً وشموخًا، فيصوغون كل ذلك في قوالب لفظية معبِّرة عن صنوف الدلالات الشعورية والوجدانية والفكرية والثقافية.

—————————————

أهم المراجع:

  • تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبري.
  • المنجد.
  • مقتل الحسين للخوارزمي.
  • اللهوف للسيد ابن طاووس.
  • أدب الطف لجواد شبر.

7,713 total views, 5 views today