بَدْر بن سالم العبري

سادتْ مُصطلحات التَّسامح والتَّفاهم والتَّجانس والتَّعايش، كمصطلحاتٍ حاليةٍ في تحقيقِ الرَّابط بَيْن الجنس البشري؛ بَيْد أنَّ القرآن الكريم استخدمَ مُصطلح التعارف في سورة الحجرات: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” (الحجرات:3).

وعندما نتأمَّل هذه الآية، نجدها تتضمَّن الأجزاء الثلاثة: الجزء التكويني، والجزء الجزائي، والجزء التشريعي، كخطوط عادلة بين الناس جميعاً.وعندما نتأمَّل ما قبل الآية، نجد الخطابَ داخل المدرسة الإيمانية مُنطلقا من أدبيات الآيات؛ كقاعدة مهمة في إصلاح البيت الإيماني بين الجماعات المؤمنة، قبل البيت الإنساني الكبير؛ حيث يقوله سبحانه: “إنَّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون” (الحجرات:10).
وقاعدةُ الإصلاح قاعدةٌ مُهمَّة سنحتاج إليها في البيت الإنساني؛ لأنَّ انطلاقَ المؤمن انطلاقٌ إصلاحيٌّ في الأرض، يُشارك أخاه الإنسان في بناء الحياة وإصلاحها، وعدم الإفساد فيها؛ لهذا استخدمَ القرآنُ هُنَا أسلوبَ الالتفات من خطاب الإيمان إلى خِطَاب الناس جميعا، وما بَيْنَهما حذَّر من الأمراض المجتمعية كالسخرية واتباع الظَّن والتجسُّس والغيبة، واستخدام أسلوب الالتفات هنا لبيان أنَّ هذه الأدبيات مُتعلقة بالبيت البشري الكبير أيضا، ولو كان غَيْر مُؤمن إلا أنَّ حُرمته كإنسان باقية، ولا ترتفع كحرمة دمه تماما.

الجزء التكويني:
يُقرِّر القرآن في صَدْر الآية حقيقةً تكوينيةً بَيْن الناس جميعا: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل”؛ فالناس أصلهم واحد -ذكرًا وأنثى- إمَّا بالمفهوم التراثي آدم وحواء، أو بالمفهوم التوالدي كسُنَّة طبيعية بين البشر جميعا. وَمَع أصل الناس الواحد، إلا أنَّهم توزَّعوا في الأرض شعوبا وقبائل، واختلفوا في لغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم وطرق حياتهم وطقوسهم الشعائرية، وهي من آيات الله تعالى كاختلاف آيات الكون: “ومن آياتِه خَلْق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” (الروم:22).

واختلافُ الناس آية تكوينية سننية في الكون، التعارض معها كالتعارض في آيات الله تعالى في الوجود، والإقرار بها وتحقيق دائرة التعارف فيها إيمان بهذا الخالق العظيم الذي أوجدها؛ لذا من الإيمان التأمُّل والبحث في سُنن البشر وعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم وأجناسهم؛ كالبحث والتدبُّر والسير في الكون ومجراته، والأرض وطبقاتها، والإنسان وتكوينه الجسدي والمادي والنفسي.

الجزء الجزائي:
وَهَذا يتمثَّل في جزء: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”. وكما جَعَل الله تعالى الجزء التكويني جُملة اسمية مُؤكَّدة بـ”أن” التوكيد؛ جَعَل كذلك الجزء الجزائي جُملة اسمية مُؤكَّدة بـ”أن” أيضًا، والجملة الاسمية تُفيد الثبوت، وتُصْبِح بذاتها قاعدة مُستمرة كمنطلق كلي للمعارف البشرية، والسلوك البشري.

بَيْد أنَّ الجزءَ التكوينيَّ جاءَ عامًّا كقاعدة عامة خلاف الجزء الجزائي، جاء مُقيَّدا بالظرفية “عند الله” المفيدة للتخصيص الإضافي؛ وذلك كما أنَّ الله تعالى خلق الناس مُختلفين في توجهاتهم وأفكارهم، إلا أنَّ التقوى والجزاء الأخروي لا يعرف مصداقيته إلا الله تعالى، وحتى لا يُزكِّي الناس أنفسهم بالنجاة: “فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى” (النجم:32)، وإنَّما يُزكُّون أنفسهم بالفضائل والقيم العليا كالصدق والأمانة، وليس بادعاء النجاة والتقوى، والحكم على الآخر بالهلاك!! لهذا؛ ختم الجزء بقوله: “إن الله عليم خبير”؛ أي: هو العالم الخبير بالبشر ومصيرهم جميعا، ولا يُشاركه في ذلك أحد من خلقه، ولو كان ملكا أو نبيا، فضلا عن غيرهم من البشر.

الجزء التشريعي:
بَيْن دائرتيْ التكوين والجزاء في الآية، تأتي الدائرة التشريعية في قوله تعالى: “لتعارفوا”، وهي وإنْ كانت كلمة واحدة ظاهرة، إلا أنها بالتقطيع النحوي ثلاث كلمات: اللام، والفعل المضارع، وواو الجماعة.

وُهُنا التفت القرآن إلى الجُملة الفعلية بَيْن جُملتين اسميتين، وَبَيَّن أنَّ الغاية من اختلاف الناس تحقيق التعارف؛ لهذا كان الفعل المضارع مربوطاً بلام الغاية، وجعل الفاعل في الفعل المضارع واو الجماعة، وواو الجماعة تفيد -كما عند الأصوليين- عمومَ الجنس، لكي يُشارك الجميع تحقيق التعارف والاستفادة بين البشر في جميع مجالات بناء الحياة وإصلاحها: معرفيًّا، وإنتاجيًّا، وصناعيًّا. ومجيء الفعل المضارع يفيد استمرارية التعارف والبحث في آيات الله تعالى؛ لهذا جاءت الجملة بعد الجُملة الاسمية في البحث في آيات الله تعالى، وسبقتْ الجُملة الجزائية ليترك الناس الصراع حول جدليات غيبية من حيث الحكم على البشر، ومشاركة الله في ذلك، وهذا لا يجنون منه إلا الصراع والشقاق، وإنما عليهم البحث في آيات الله في الكون، ومنها الآيات المتعلقة بالبشر وطبائعهم وخلقهم ونحو ذلك.

أبعاد لفظة “لتعارفوا”:
قديماً، قال المفكِّر الليبي علي يحيى معمر (ت1980م): المعرفة والتعارف والاعتراف، ونحن عندما نتأمَّل كلمة التعارف نجد لها بُعدين:
– البعد الأول: التعرُّف على الآخر؛ وهو يعني البحث والسماع والسير والكشف. أما البحث والسير والكشف، فيكون إمَّا بالخلطة وكشف الآخر والسفر، وإما بالقراءة والاطلاع على ثقافات الناس وأفكارهم وتوجهاتهم. أمَّا السماع للآخر، فيعني الإنصات له، وفتح الحرية ليتحدَّث عن نفسه، وعدم الحكم على الآخر من خارج الدائرة، خصوصا إذا كان خصما؛ فشهادة الخصم غير مقبولة. والمشكلة التي نُعانيها أنَّنا لا نقرأ عن الآخر، وإنْ قرأنا فنقرأ للبحث عن العيوب وتضخيمها، لا لفهم الآخر، والبحث عن المشتركات مع الآخر، وإصلاح الكلمة، والاستفادة من الغير، أيًّا ما كان هذا الغير، وأيًّا ما كان توجهه وفكره.

والتعرُّف على الآخر تعرُّف على آيات الله في الوجود؛ لذا من الأخطاء مثلا ذم تعلم لغات الآخرين، إلا لأمن المكر أو الشر، والصَّواب أنْ تعلم لغات الأمم هو تعلم لآية من آيات الله تعالى، وتدبُّر أحوال المجتمعات هو تدبُّر لآيات الله المبثوثة في الكون. لذا؛ نحن بحاجة إلى أنْ نتعرَّف على الآخر بعَيْن التأمُّل والتدبُّر وفهم الآخر، لا بعين البحث في النقائص والسوءات ثم تهويلها!!

– البُعد الثاني: الاعتراف بالآخر؛ بَعْد التعرُّف على الآخر تأتي ضرورة الاعتراف بالآخر من جميع الجوانب؛ وأولها حقُّه في الشراك المدني؛ فالمجتمع المدني لا يُكون على أساس التوافق في القبيلة أو اللون أو الدين أو المذهب أو اللغة، وإنما يكون على أساس التوافق في الذات كذات، ويدخل فيها ما يُسمَّى الآن بـ”المواطنة”، فيكون جميع المواطنين أكفاء على اعتبار ذات الإنسان أو المواطن في الوطن الواحد، أو في بقعة معينة من الأرض.

ثمَّ يأتي حقُّ مُمارسة الشعائر والطقوس كحقٍّ ذاتيٍّ لا يمكن التضييق فيه، أو منع الإنسان منه، ولا يصح الإكراه في الدين أو الشعائر أو المذهب لقوله تعالى: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (البقرة:256)، وقوله: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (الكهف:29). بل جعل الله من غايات التدافع في الأرض حفظ المعابد من كنائس وصوامع…وغيرها، كما في قوله تعالى: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”، واعتبرتْ هذه الدُّور دُوْر أمان لا يجوز إلحاق الضرر بها بحال من الأحوال.

وَبَعْد حقِّ الشراك المدني، وحق ممارسة الشعائر والطقوس؛ يأتي حق الحرية الذاتية، لكرامة الإنسان كذات، إلا أنَّ هذه الحرية تكون وفق ضوابط التقنين المدني التي يرتضيها الناس في مجتمع ما، شريطة أن يكون هذا التقنين حافظا لحريات الناس كذوات، لا أن يكون حافظا للبعض دون الآخر، وكما أنه حافظ للذات يكون في الوقت نفسه حافظا للمجموع والجماعة.

مفاهيم مغلوطة في التعارف:
هُنَاك العديدُ من المفاهيم المغلوطة في دائرة التعارف، ونشير في هذا اللقاء إلى مثالين:
* المثال الأول – التبليغ والنقد:
حقُّ التبليغ حقٌّ ذاتي، وكذا حقُّ النقد، وهو لا يتعارض مع دائرة التعارف، إلا إذا ارتبط البلاغ بالإقصاء والإكراه، أو استغلال حاجة الناس كفقر أو حاجة، وهو الابتزاز المقنَّع، أو استغلال أموال الناس العامة في التبشير الطائفي أو المذهبي، وأن يكون التبليغ خاليا من دعوات التضييق وإقصاء الآخر، والسب واللعن والاستهزاء.

وكذا الحال في النقد؛ إذ إنَّه لا يتعارض مع التعارف، شريطة أنْ يكون أكاديميًّا خاليًا من عبارات تقزيم الآخر، يكُوْن هدفُه الإصلاح والمعرفة العلمية، والبحث عن أيِّ مُشترك وحُسن ظن، ثم يكون البرهان والدليل هو الأصل لا الأهواء والتشفي.

* المثال الثاني – الحوار:
الحوارُ مع الآخر لا يتعارض مع التعارف؛ بل هو طريق التعارف، ووسيلة لتحقيقه، والله تعالى اشترط أن يكون الحوار مع أهل الكتاب “بالتي هي أحسن” في قوله تعالى: “لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون” (العنكبوت:46).

ولفظة “أحسن” من أفعل التفضيل؛ أي على أفضل صورة من صور الحوار. وقد يقول قائل: نستخدم الشدة مع “إلا الذين ظلموا منهم”، والاستثناء المراد به هنا في قنواته الخاصة في الحوار، مثال ذلك: أنْ يحدث سبٌّ أو ضربٌ أثناء الجدال، فيكون رد الاعتبار بيد الجهات القضائية، وليس معناه استخدام الشدة والغلظة والعنف اللفظي والبدني، وإلا لا فائدة من الحوار هنا.
ونجدُ في الآية البحثَ عن أيِّ مُشترك مع الآخر في التعرُّف على الآخر والحوار معه؛ فيجمعنا مع أهل الكتاب: الإيمان بالله والإيمان بالتوراة والإنجيل كأصل جامع بيننا: “وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون”.

وإذ كان الحوار والتعرُّف مع أهل الكتاب “بالتي هي أحسن”، فإنَّ الحوارَ مع الناس جميعا والتعرُّف عليهم عن طريق هذه الوسيلة يكون “بالحُسنى”، كما في قوله تعالى: “وقولوا للناس حسنًا” (البقرة:83)، وهي على صيغة المبالغة فعل؛ أي المبالغة في الحسن في الحوار وفهم الآخر، والتعرف على الأمم والملل.

الخُلَاصة:
التعارف اليوم داخل البيت المسلم بمدارسه المتعددة، وتعدُّد بلدانه ولغاته، خاصة في الوقت الراهن الذي استُخْدِمَت فيه السياسة الطائفية لتحقيق مصالحها، مع إيماني بأنَّ المدارس الإسلامية طائفة واحدة؛ لأنهم يشتركون في نسبة كبيرة جدًّا لا تقل عن خمسة وثمانين بالمائة، والمختلف لو بحثنا عن مشتركاته لضاق. ومن هنا، ينبغي أنْ نُفرِّق بين السياسات والمجتمع المدني؛ فإذا بنينا المجتمع المدني على التعارف ضاق الخلاف السياسي.بل إنَّ التعارف أصْبَح ضرورةً مُلحَّة في البيت الإنساني؛ لأنَّ الإنسانية أصبحتْ أمَّة واحدة بفضل الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العالمية وسهولة السفر والتنقل، والشراك في السوق والمنافع المالية والاقتصادية والمعرفية.
ومن هنا، أرَى أنَّ تحقيق دائرة التعارف سابقٌ عن دائرة التسامح والتعايش والتفاهم؛ بل حتَّى عِنْد دَعَوات الوحدة والتقريب في الأمة الواحدة.

113 total views, 2 views today