Mohd Moosa

محمد حسين بن موسى اللـواتي

بعدما عشنا معا لحظات شاهدنا فيها كيف حلق علمنا وإدراكنا عن «عالم الطبيعة»، من أرض المحسوس نحو سماء المعقول، وخرج مِنْ ثَمَّ مِنْ فَضَاء الزمكان بتجرده من المادة والماديات، ليستقر في عالم النفس العاقلة، بتلك العملية «الإبداعية» المسبوقة بعملية «الانتزاعية»، وسمينا لذلك العلم والإدراك الحاصل من خلال تلك العملية (بالمعقولات الأولية) أو (المعقولات الأولية الفلسفية).

و بعبارة أخرى، بعدما رأينا معا تجربة الذهن الإنساني وهو يعرج بالصور الحسية الجزئية للأشياء – التي حصل عليها بعد ملامسته وتعامله الحسي والتجريبي مع المصاديق الخارجية للأشياء – إلى تصورات ومعاني ومفاهيم عقلية كلية، المتحررة من قيدي الزمكان بعملية «الإبداع» في المقالة السابقة بعنوان (معراج المحسوس).

أمكننا الآن مضي قدما في بيان المزيد من عروجات علمنا وإدراكاتنا الكلية المجردة عن الزمكان، إلى آفاق أرحب وأوسع، والتي تعد من القمم العالية الفاخرة للعلم والإدراك، الذي يمكن للعقل الإنساني أن يصل إليها، ويتوج بها عرش عقله بتعقله لها.

حيث سنعيش معا الآن تجربة أخرى للذهن الإنساني يعرج فيه بمعلوماته وإدراكاته إلى أفق أعلى، يقوم فيها الذهن بالعروج بتلك التصورات الكلية (المعقولات الأولى الفلسفية) إلى تصورات كلية جديدة، إلى نوع آخر من المعاني المسماة في الفلسفة الإسلامية بـ (المعقولات الثانية الفلسفية).

المعقولات الثانية الفلسفية

لعله في البدء من المناسب أن نذكر سبب تسمية هذه المعقولات «بالمعقولات الثانية الفلسفية»، حيث سبب ذلك هو لأنها تأتي بعد «المعقولات الأولى الفلسفية» (1)، التي تعتبر من ركائزها الأولية والأصلية، والتي تؤهل الذهن من «إبداعه» للمعقولات الثانية الفلسفية – كما مر بيانه -.

هي نوعًا من التصورات الذهنية الكلية، التي «تتصف» بها كل الأشياء المتحققة في العالم الخارجي. وبعبارة أخرى، هي عبارة عن نوع من الصفات والأحوال والأحكام للأشياء المتحققة في الواقع الخارجي – سيأتي تطبيق هذا الأمر في السطور القادمة -.

فإن كافة الموجودات، لا تخرج من دائرة إمكانية اتصافها ببعض من هذه الصفات والأحكام، فهي وكما يعبَّر عنها في علم المنطق عبارة عن «محمولات» ذهنية، تحمل وتعرض على «مواضيع» خارجية، فهي أحكام ونعوت تنعت بها – أو بعض منها – كافة الموجودات، ولا يخرج من سلطان أحكامها أي موجود كان.

وبعد هذا التعريف المختصر لهذه المعاني، نأتي إلى ذكر مجموعة منها، فهي من قبيل (العلة والمعلول، الحادث والقديم، الثابت والمتغير، الواجب والممكن، الواحد والكثير، القوة والفعل، الجوهر والعرض، الزمان والمكان، العيني والذهني، التقدم والتأخر، الحركة والسكون، المطلق والمقيد، التضاد، التناقض، الضرورة، الشيئية … الخ) (2).

وهذه التصورات والمفاهيم، تعتبر حقلاً وفضاءً حقيقيًّا لعمل الفلسفة الإسلامية، حيث تعد كل واحدة من هذه المعقولات، مسألة مستقلة للبحث والتحقيق فيها – سيأتي شرح هذا المعنى إجمالا في السطور القادمة -.

نبذة عن آلية حصول الذهن عليها

يحصل الذهن على هذه المفاهيم، بعد ملاحظته – أخذه في عين الاعتبار – لصورتين ومفهومين من المفاهيم (المعقولات الأولية الفلسفية)، وبمقارنتهما لبعضهما البعض – حمل أحدهما على الآخر – وبعد إيجاده للعلاقة والرابطة والنسبة الموجودة بينهما، يتأهل للقيام بعملية «انتزاعية» جديدة أخرى – غير تلك التي قام بها لحصوله على المعقولات الأولية – حيث يقوم من خلال هذه العملية بانتزاع تصور ومفهوم عقلي كلي جديد آخر من هذين التصورين الأوليين، بحيث يعد هذا التصور المنتزع الجديد، من ضمن قائمة هذه المعاني الكلية المسماة بـ (المعقولات الثانية الفلسفية).

فعندما نقول مثلا (النار حارقة) فهذه تسمى بـ «القضية»، وهي لها موضوعا (النار) ولها محمولا (حارقة)، وحتى الآن يوجد لدينا هنا مفهومين اثنين (النار والاحتراق)، وهما من مفاهيم (المعقولات الأولية الفلسفية).

والذهن بعد ملاحظته لهذين المفهومين، وكشفه لنوعية العلاقة والرابطة الموجودة بينهما، وهي أن النار سبب للاحتراق، فإنه يصف النار بـ (العلة)، والاحتراق بـ (المعلول)، أي أن النار هي علة للاحتراق، فيحصل – ينتزع – من خلال هذين المفهومين على مفهومين ومعقولين جديدين يسما بـ (العلة والمعلول).

كما يمكنه انتزاع مفاهيم أخرى من هذه المقارنة والعلاقة أيضا، حيث يمكنه انتزاع مفهومي (التقدم والتأخر) فالنار متقدمة على الاحتراق، والاحتراق متأخر عن النار، ويمكنه انتزاع مفهومي (الوجود والعدم) فالاحتراق كان معدوما ووجد لاحقا – بعد ملامسة النار للشيء الذي له قابلية الاحتراق وتحت ظروف معينة -. ويمكنه أن ينتزع مفهومي (الوجوب والإمكان) أيضا، فالاحتراق يمكن أن يوجد – يتحقق – أو لا يوجد، ولا يجب أن يكون موجودا بالضرورة، بمعنى أنه يوجد إذا ما وجدت علته، ولا يوجد إذا ما لم توجد، فهو ممكن الوجود وليس بواجب الوجود – بحيث يعتبر وجوده ضروري التحقق -.

كما يمكن للذهن أن ينتزع من هذه القضية مفهوم (الضرورة) أيضا، بمعنى أنه يمكنه أن يحصل على إدراك وعلم لمفهوم وتصور ومعنى عقلي كلي القائل: متى ما وجدت النار، ولامسة الشيء الذي له قابلية الاحتراق – وتحت ظروف معينة – فمن الضرورة بمكان أن يحترق ذلك الشيء بسببها، لأنه إن لم يتحقق الاحتراق، فإن ذلك «يناقض» قانون العلة والمعلول أو «العلية» التي أفتى به من ذي قبل – المشار إليه في هذا المثال سابقا – والذي يثبت بالتلازم العقلي الضروري بين العلة والمعلول، بمعنى أنه يستحيل وجود المعلول من دون العلة – والعكس صحيح -، وهكذا.

وعليه، فقد علمنا أنه توجد لدى العقل والذهن الإنساني قابلية وإمكانية أعلى وأرقي أخرى، التي عبرها يمكنه أن يحصل على معاني ومفاهيم كلية جديدة، مِن خلال تلك المعاني والمفاهيم الكلية الموجودة عنده من ذي قبل بالفعل (المعقولات الأولية الفلسفية)، وتتمثل تلك القابلية والإمكانية بتلك عملية «الانتزاع» أو التجريد العقلي، بحيث تكون مخرجاتها – مبتدعاتها – تلك المعني والمفاهيم من نوع (المعقولات الثانية الفلسفية).

فالمعقولات الثانية الفلسفية حقيقة هي أوصاف وأحوال وأحكام ذهنية كلية للمعقولات الأولية الفلسفية، وهي منتزعة منها. فبينما نرى أن المعقولات الأولية الفلسفية هي معاني ومفاهيم كلية منتزعة مباشرة من واقعية الأشياء المتحققة في العالم الخارجي – ماهيات الأشياء -، فإن المعقولات الثانية الفلسفية هي عبارة عن معاني ومفاهيم كلية منتزعة بدورها من هذه المعقولات الأولية الفلسفية.

وعليه، فهي في الحقيقة لها جنبتان وجهتان، جنبة منشأ وجودها، والتي هي عبارة عن هذه المعقولات الأولية الفلسفية المتحققة في عالم الذهن، وجنبة اتصافها، والتي هي عبارة نفس تحقق الأشياء – موصوفاتها – في عالم الخارجي.

فهذه المعاني والمعقولات، كما أنها ليست وليدة العقل خالصة، فهي ليست وليدة الحس والتجربة خالصة أيضا، فهي ليست من نوع المعاني والمفاهيم (المعقولات المنطقية) والتي منشأها عقلي بحت، كما أنها ليست من نوع المعاني والتصورات (المعقولات الأولية الفلسفية) والتي منشأها حسي بحت، بل هي بين البين، حيث كما لها جنبة عقلية، فإن لها جنبة حسية أيضًا.

وبعبارة أخرى، فإن المعقولات الأولية هي عبارة عن حركة الذهن من الخارج إلى الداخل، أما المعقولات الثانية فهي حركة الذهن من الداخل إلى الخارج، ولكن بالاستعانة والاعتماد على الداخل- يرجى التأمل -.

ومن هنا يمكننا أن نلاحظ أن عمل الذهن ليس هو فقط أن يحصل على علم ومعرفة – تصورات ومفاهيم – عبر انعكاس صور الماهيات – الأشياء – في الذهن، والتي هي عبارة عن (المعقولات الأولية الفلسفية) فحسب، بل عمله يتعدى إلى أكثر من ذلك بكثير، حيث توجد هنالك نوعا من المعرفة عن الواقع الخارجي، التي لا تورد للذهن مباشرة عبر طريقه – وإن كان لها ربطا معينا بالخارج، من حيث هي عبارة عن صفات وأحكام للماهيات والأشياء كلها – وهي تلك المعرفة التي تندرج في الفلسفة الإسلامية تحت تصورات (المعقولات الثانية الفلسفية).

وهذه النظرة للمعرفة الذهنية، تقف تمامًا في الجهة المقابلة لبعض من نظريات المعرفة الموجودة في الغرب – العقلية والحسية -، والقائلة أن المعرفة البشرية لا تحصل إلا عبر طريق الحس والحواس والتجربة المباشرة مع الواقع الخارجي، أو التي تقول بأنها وليدة لقوة العقل والتعقل خالصة، من دون دخالة لأي نوع من أنواع التدخل الواقع الخارجي في إيجادها ونشأتها. (3)

فكما رأينا فإن الذهن يحصل على هذه المفاهيم عبر واسطة وليس بدون واسطة، وواسطته للحصول عليها هي (المعقولات الأولية الفلسفية) التي أخذت هي بدورها من دون أي واسطة، حيث إنها قد أخذت من واقع العالم الخارجي بما يحفل به من موجودات وأشياء مختلفة.

وعليه، فمثل هذه المفاهيم يمكننا اعتبارها بأنها (حركة الذهن من الداخل إلى الخارج) وذلك اعتمادًا وتأسيسًا على (حركة الذهن من الخارج إلى الداخل).

ولعله يمكننا تسميتها – وهذا ليس مصطلحا فلسفيا – بـ (المعقولات البرزخية)، فهي كما أنها لم تأخذ من الواقع الخارجي مائة بالمائة، فهي لم تأخذ من والواقع الذهني مائة بالمائة أيضا، فلا هي حسية محضة ولا عقلية محضة، بل هي بين البين.

مميزاتها

من أهم مميزات هذه المعاني والمعقولات الفلسفية الثانية، هي أنها إدراكات ومفاهيم «اعتبارية»، بمعنى أنه ليس لها في الواقع الخارجي وجودا ومصداقا مستقلا عن وجود ومصداق تلك الموجودات التي تتصف بها وتطلق عليها، وإن كان – وبالطبع – لها تحققا ووجودا مستقلا في عالم الذهن، متمثلا بهذه المفاهيم والمعاني الكلية – كما تم بيانه -. وبعبارة أخرى – وكما تذكر في كتب الفلسفة – أنها تصورات ذهنية، تحكي – تعبر – عن الأشياء الخارجية.

ومن مميزاتها الأخرى هي أنها – أو البعض منها – تصدق بحق جميع الأشياء والموجودات المتحققة في العالم الخارجي، ولا يخرج أي شيء وموجود من نطاق أوصافها وأحكامها.

الفلسفة والمعقولات الثانية

سنلقي الآن نظرة على مكانة هذه المعقولات في علم الفلسفة الإسلامية، لنعلم درجة وأهمية وجودها فيه.

فكما نعلم، فإنه يوجد لكل علم موضوع ومسائل تدور حوله، فإذا ما أخذنا لعلم الطب مثلا، فإننا نرى أن موضوعه هو بدن الإنسان، ومسائله عبارة عن أنواع الأمراض والآفات التي يصيب بها البدن. فإن علم الفلسفة – وبالطبع – لا يشذ عن هذه القاعدة أيضا، بل هو يتميز عنها بأنه مصدر إثبات للكثير من مواضيع العلوم الأخرى.

فلنرى ما هو موضوع علم الفلسفة؟ يعرف موضوع علم الفلسفة بأنه (الموجود بما هو موجود)، وهو ينقسم إلى قسمين (الأمور العامة والإلهيات بالمعنى الأخص)، فماذا يعني ذلك؟

نحن عندما نقول (الموجود بما هو موجود) فإننا نعني «بالموجود» كل شيء له تحقق ومصداق في واقع الخارجي – والذي يأتي في مقابله العدم -، ونعني «بما هو موجود» أي موجود من حيث هو موجود بحد ذاته، فلم يأخذ الذهن لأي تعيين وتشخيص معين في عين الاعتبار حين ملاحظته، فمهما كان وجوده (ماديا كان أو مجردا، صغيرا كان أم كبيرا، إنسان كان أم جماد أو حيوان، قديما كان أم جديدا، كما كان أو كيفا، حيا كان أم ميتا، … الخ) لا يهم، فالذهن يبعد ويجرد كل هذه الصفات عنه حينما يلاحظه ويحاول إدراكه. وبعبارة أخرى، فإن الذهن يهمل ولا يلاحظ له أية اعتبارات – لا يعطيه أي أحكام وصفات – أخرى عدى تحققه وتشخصه وجوده في عالم الخارجي، بمعنى أن الذهن يلاحظه بلحاظ واحد فحسب، وهو عبارة عن «وجوده»، أي أنه موجود ومتحقق وله وجود بالفعل، من دون أخذه لأي قيد وتعيين وشرط في حقيقة ونوعية وجوده وتحققه، غير أنه موجود ومتحقق فحسب.

أما عندما نقول أنه ينقسم إلى (الأمور العامة والإلهيات بالمعنى الأخص)، فإننا نعني «بالأمور العامة» جميع الموجودات والأشياء المتحققة في الواقع الخارجي عدا الله جل جلال، والذي يأتي تحت القسم الثاني من موضوع علم الفلسفة، والمسمى بـ «الإلهيات بالمعنى الأخص» حيث يبحث فيه عن وجود الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وبعبارة أخرى: ينقسم موضوع علم الفلسفة إلى قسمين رئيسين، أحدهما هو «الأمور العامة» المسمى بـ (مطلق الوجود) والآخر «الإلهيات بالمعنى الأخص» المسمى بـ (الوجود المطلق).

كان ذلك تعريفا لموضع علم الفلسفة لدى الفلاسفة المسلمين، أما ما هي مسائلها – وبمعنى آخر وظائفها – عندهم، فهي كالآتي:

بعد معرفتنا لموضوع الفلسفة، والذي قلنا بأنه (الموجود بما هو موجود) والذي تدور جميع البحوث الفلسفية حوله، نأتي الآن إلى بيان مسائلها، التي تبحث فيها.

إن المسائل الفلسفة الإسلامية التي تدور حول موضوعها عديدة – وهي إن بدت بأنها على عدة أنواع ولكنه توجد فيما بينها وحدة واحدة – ويمكننا اعتبار البحث الفلسفي في هذه المسائل، كوظيفة للفسلفة.

وعليه فإن وظيفة الفلسفة الإسلامية – بشكل إجمالي – هي على ثلاثة أقسام (4):

1 – يتم فيه إثبات ماهيات الأشياء المشكوكة الوجود، بمعنى يتم فيه إثبات وتشخيص الواقعيات (الماهيات) المتحققة في الواقع الخارجي فعلا، من تلك التي هي معدومة فيه، ويتخيل لنا بتحقق واقعياتها فعلاً.

2 – يتم فيه تشخيص وبيان حقيقة وماهية تلك الموجودات المتحققة بالفعل في الواقع الخارجي، بعدما أثبتنا لها وجودا وتحققا فعليا فيه.

3 – يتم فيه بيان وإثبات سلسلة من المسائل التي تعد أحكاما وعوارضا – صفاتا – للموجودات (بما هي موجودة).

ونحن إذا ما لاحظنا لنوعية مسائل القسم الثالث، للاحظنا بأنها ليست في صدد إثبات لموجود ما، ولا في صدد بيان لماهية موجودة معينة، بل هي في صدد بيان وإثبات لسلسلة من أحكام وعوارض لموضوع علم الفلسفة (الموجود بما هو موجود) فحسب.

فوظيفة الفلسفة وعملها في هذا القسم، ومن خلال هذه الأحكام هي تصنيف وتقسيم الوجود إلى أقسام مختلفة، وغالبا ما «تختزل» فلاسفة المسلمين لوظائف علم الفلسفة الإسلامية بهذا القسم، وتعرف الفلسفة بأنها (أحكام الموجود بما هو موجود).

وعندما نقول (أحكام الموجود بما هو موجود) فإننا نعني «بالأحكام» هنا هي ما من أجلها كتبت هذه المقالة أصلا!

أجل، هذه الأحكام عبارة عن كافة تلك المفاهيم والتصورات (المعقولات الثانية الفلسفية) التي قلنا عنها بأنها تحكي – تعبر – عن الموضوعات والأشياء الخارجية.

هذه الأحكام والعوارض – التي تعرض على الموجود – تعد من الأحكام والعوارض «الذاتية» للموجود، بمعنى أن الموجود لا يحتاج في اتصافه ونعته بها لأي أمر آخر غير تحقق وجوده فحسب، من دون حاجته إلى أن يتلبس بأي لباس معين من الألبسة الماهيات تحدد حقيقة وجوده، ليتسنى لنا من ثم إطلاق هذه الأحكام والصفات عليه. وبمعنى آخر، ليس من الضرورة أن يكون مندرجا تحت أية مقولة من هذه المقولات الأرسطوئية العشرة (الأين، الكيف، الكم، الوضع، الفعل، الانفعال، متى، الإضافة، الجدة، الجوهر)، التي تقسم االموجودات عامة إلى هذه الأقسام العشر، وتحددها بهذه الماهيات العشر.

فمثلا لا يمكننا أن نصف الأشياء (بالبياض أو السواد، وبالكبر أو الصغر، وبالطول والعرض، وبالحار أو البارد… الخ) إلا أن تكون «جسما» المعبر عنه في مقولات الأرسطوئية (بالجوهر)، أي تكون واقعة تحت قسم من الموجودات والماهيات «الجسمية».

ولكن أن نصف موجود ما (بالجوهر أو العرض) مثلا، فهو لا يحتاج أن يكون متصفا بأية صفة معينة على الإطلاق، حتى يتسنى لنا وصفه بإحدى هاتين الصفتين، عدا أن يكون وجوده متحققا في الواقع الخارجي فحسب.

فكل من هذه الصفات تعد (عرضية) للوجود وليست ذاتية له، بمعنى هي تعرض عليه بعدما يكون الوجود مشخصا ومتحققا بصورة وعلى هيئة وشكل وجود «جسمي» – مشخصا بحدود ماهية ما -. فهذه الأحكام لا يصف به الموجود من حيث هو (الموجود بما هو موجود) حقيقة، بل هو يصوف بها من حيث كونه (موجودا بما هو جسم).

بينما نرى أننا إذا ما أطلقنا أحكام وصفات من نوع (المعقولات الثانية الفلسفية) على الموجودات، فلا يلزم عندها أن تكون هذه الموجودات مندرجة تحت أية مقولة من المقولات – الماهيات – العشر الأرسطوئية، لتتمكن من ثم قبولها لهذه الأحكام والعوارض، كصفات ذاتية لها.

فعندما نصف موجود ما بأنه (علة أو معلول) فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا الموجود (مادي أو مجرد، صغير أو كبير، إنسان أو جماد أو حيوان، قديم أو جديد، كم أو كيف، حي أو ميت، … الخ) لا يهم ذلك إطلاقا، فكل ما يجب أن يتوفر عليه ليكون قابلا لاتصافه بهذه الصفات، هو أن يكون متحققا في الواقع الخارجي فحسب، ومن دون لحاظ لأي اعتبار آخر له إطلاقا. وهكذا الحال هو بالنسبة لبقية معاني ومفاهيم (المعقولات الثانية الفلسفية).

وعليه، فعندما تقول الفلسفة أنه حينما يقرر الذهن بأن الموجود لا يمكن أن لا يكون متصفا بإحدى هاتين الصفتين والمفهومين المتقابلين (كالوجود والعدم، العلة والمعلول، الحادث والقديم، …. الخ) فإنها تقصد بذلك، أنه ليس من الضروري للذهن في وصفه لمثل هذه الصفات للموجود، أن يتصور ذلك الموجود وهو محدود بأي حد معين من الحدود الماهية، بل يكفي لذلك أن يدرك تحقق واقعيته في الواقع الخارجي ليس إلا. فليس من الضروري أن يكون ذلك الموجود من (إحدى أفراد من الناس، أو إحدى أنواع من الحيوانات، أو إحدى أنواع من الجمادات)، بمعنى لا يجب أن يكون ذلك الموجود مقسما ومندرجا تحت قوالب – تقسيمات – ماهية ذهنية معينة (المعقولات الأولى الفلسفية).

ومن هنا، يمكننا تحديد وظيفة نوعين من المعقولات الفلسفية بشكل دقيق وواضح، حيث إن المعقولات الأولى الفلسفية وظيفتها هي تحديد حقيقة – ماهيات – الموجودات، حيث تجعل (مطلق الوجود) في قوالب وجودية مشخصة (فهذا إنسان وذاك حيوان وذاك جماد) أما المعقولات الثانية الفلسفية فهي وظيفتها أن تعبر وتحكي عن الموجودات من حيث هي – بما هي – واقعيات متحققة في واقع العالم الخارجي وحسب.

وبعد، يمكننا الآن أن نتخيل أهمية الدور والوظيفة التي تلعبه هذه (المعقولات الثانية الفلسفية) في علم الفلسفة الإسلامية، حيث تعتبر ركنا ركينا في «نظرية المعرفة» الإسلامية التي تطرحها فلاسفة المسلمين، مقابل «نظريات المعرفية» التي يقدمها الشرق والغرب معا.

———————————

  1. التي بحثنا فيها بالتفصيل في المقالة السابقة بعنوان «معراج المحسوس» في العدد السابق.
  2. طرح وتسمية وتصنيف هذه الأنواع من المعقولات تحت (المعقولات الفلسفية الثانية)، يعد من ابتكارات فلاسفة المسلمين. يراجع كتاب (مقالات فلسفية) ج 3 للشيخ المطهري، في مقال (النظرة الإجمالية لمسيرة الفلسفة في الإسلام) والتي قمت بترجمتها حديثا مع غيرها من مقالاته الفلسفية، حيث أرجو أن ترى النور بمشيئته تعالى قريبا.
  3. يراجع كتاب (دورس فلسفية في شرح المنظومة) للشيخ المطهري، ج 2 – ص 3 – 31. ترجمة الشيخ مالك الوهبي، شركة شمس المشرق.
  4. يراجع «دروس من النجاة» لابن سينا، من كتاب (مقالات فلسفية) ج- 3 للشيخ مرتضى المطهري ص/ 266، باللغة الفارسية.

3,069 total views, 2 views today