ياسمين حسن اللواتي

   كان سائق التاكسي العماني “وسام” صاحب الخمسة والعشرين عاماً شاباً طموحاً كسائر الشباب في مقتبل العمر، عندما شاءت حكمة الله أن تُنسج خيوط هذه الحكاية في مدينة مسقط عام 2010 م.

—–

    بدأت خيوط أشعة الشمس تتشكل رويداً رويداً في آخر السحر حتى بدت كأسلاك حريرية من ذهب، دافعة ما تبقى من ظلمة الليلة السوداء الماضية لتفلت من بينها وكأنها تنسلّ من بين أصابع اليد، فأنارت محيط الغرفة التي مكث فيها وسام غارقاً في سباته كالطفل النائم، لتربّت على كتفه بلطف وتوقظه.

فتح عينيه ببطء كالكسلان وظل على فراشه الذي لم يعد يحتويه بأكمله بضع ثوانٍ يتفكر، حتى تذكر أن اليوم هو الثلاثاء وأنه قد حان وقت القيام، ثم تمدد قليلاً لينشط ويصحو من خموله، فرفع ملاءته البيضاء القديمة ونهض بتثاقل ليجلس على حافة السرير ويدعك عينيه.

 تغلغلت أشعة الصباح من خلال قماش ستارة غرفته الصغيرة، فانعكس ضوؤها ليشرق على أثاثه المتواضع، فتأمل قليلاً النافذة ذات الإطار الأبيض الباهت والجدار المصبوغ باللون الأصفر وقد جرّده الزمن من طبقاته فبدا شاحباً، وطاولة عمله في آخر زاوية منه تجاور السرير الذي كان جالساً عليه. وفي الجزء المقابل من الغرفة ارتكزت خزانة ثيابه الصغيرة محتويةً بعض “الدشاديش” النظيفة والقمصان والبناطيل للخروج، فاتجه نحوها ففتحها وانتقى دشداشة جديدة ليعلقها على مقبض باب الخزانة، بينما توجه هو خارج الغرفة نحو الحمام ليستعد ويبدأ نهاراً جديداً مثمراً.

—-

شرع وسام يتجهّز لليوم المقبل في حمام المنزل الصغير، مستعيناً بإنارة مصباحه الصفراء الخافتة وما تسلل من نور الصباح المشرق خلال النافذة المستطيلة الصغيرة أعلى الجدار المقابل له، لتشرق على أرضية الحمام من البلاط الأبيض والأزرق. وما إن انتهى من غسل وجهه وتهذيب لحيته حتى توقف لحظة ينظر في المرايا البيضاوية أمامه حتى بدا راضياً، فتوجه خارجا ليرتدي ثيابه.

“صباح النور والسرور، عساك تكون نمت نوم العوافي”، قالت أم وسام السيدة هاجر وهي باسمة الثغر عندما لمحته يغلق الباب خلفه ويتجه نحو صالة البيت. كانت في ثيابها المعتادة، المكونة من ثوب “الميكسي” المزركش بالأنماط الملونة المختلفة ولحاف “الليسو” من النمط ذاته، وكانت قد انتهت لتوها من تحضير سفرة الطعام التي وُضعت في الطرف الأخير من الحجرة أمام الوسائد الكبيرة الحمراء، المستندة على الجدار والمعروفة باسم “الدواشك”، حيث يجلس عليها أفراد العائلة في أوقات الطعام أو وقت الحديث. كان فطور ذلك اليوم وجبة من الطراز العماني، فتسللت رائحة “القريصات” الساخنة من على طبق السيراميك الأبيض على السفرة، بجانب جرة الدبس وعسل السدر العماني، وفاحت رائحة “شاي الكرك” الساخن مع خبز “الرّخال” المقرمش لتدغدغ أنف وسام وتجعل لعابه يسيل.

“الحمد لله، نمت نومة هنيئة مريحة، وأصحى على أشهى فطور من يد أحلى أم”. قال وعيناه لا تفارقان السفرة.

“هذا من طبخ أمك وخالتك حتى!” قال صوتٌ مُعاتب خارجٌ من المطبخ وراء السيدة هاجر، وكانت تلك السيدة خديجة خالة وسام التي تصغر أمه بعامَين، وكانت هي الأخرى في ثياب مشابهة وعلى وجهها ابتسامة كبيرة امتدت من الأذن إلى الأذن.

كان سكان المنزل ستة، منهم وسام وأمه وخالته التي عاشت معه مذ كان طفلاً، ويُضاف إليهم أبوه المُسن السيد خالد الذي كان متقاعداً بعد أن عمل تاجراً في دكّانه الصغير مدة لا تقل عن عشرين عاماً تقريباً، ويتبعه أخَوَا وسام عامر وسعيد، حيث كان يكبره الأول بثلاث سنوات، وكان متزوجاً ويعمل موظفاً في شركة صغيرة. أما الثاني فكان ما يزال في المرحلة الثانوية في المدرسة، وقد تلا هو الآخر السيدة خديجةَ خارجاً من حجرته الصغيرة ليتناول الفطور معهم.

“صباح الخير ماما وخالة خديجة”، تمتم سعيد وهو يتربّع على السفرة بنعاس ويدعك عينيه، ثم تثاءب بعمق.

“صباح الفل والورد حبيبي، خذ باقي فطورك معاك للمدرسة بعدين”، ردت السيدة هاجر وهي تجلس بجانبه على السفرة، وتبعها وسام وخالته.

——-

تناول وسام ملء بطنه من الفطور الشهي، فحمد الله وشكر أمه وخالته على طيب طبخهن، ثم توجه إلى غرفته ليرتدي دشداشته المعلقة على باب خزانة الثياب ويضع “كمّته” العمانية، وما إن انتهى حتى خرج للصالة حيث كانت السيدتان تُعيدان أطباق الفطور للمطبخ، فوقف مرةً أخيرة أمام المرآة الطويلة قرب مدخل البيت الأساسي يتفحص مظهره ويضبط “كمته” و”دشداشته”. انعكس نور الصباح على الألواح الزجاجية الملونة للنافذتين على كل جانب من جانبي باب البيت، فارتسمت على الأرضية البنية الداكنة خيالات ملونة بالأزرق والأخضر والأصفر الباهت، فأشبهت لوحةً من الأشكال المتناسقة الجميلة.

نظر وسام لوجهه وهو رافع رأسه ليربط “الفريخة” أو ما يعرف محلياً “بالكركوشة” المُتدلّية من عنق دشداشته، ثم أدخل يديه في جيبيه يتفحصهما، وما إن رضِيَ بمظهره حتى لاح على محياه وحي ابتسامة صغيرة، فأخذ نفساً عميقاً وانطلق خارجاً ليركب سيارة الأجرة الخاصة به ويبدأ عمله.

طأطأ المسافر “سمير” رأسه وهو واقف خارج الفندق الذي أقام فيه الليلة الماضية، وغطى عينيه بيده ليحتمي من أشعة الشمس الصباحية وحرارتها. كان حاملاً حقيبة ظهر كبيرة سوداء بدت ممتلئة لحدِّها الأقصى، وكان يرتدي قميصاً مخططاً بالأبيض والأخضر قصير الكمَّين، وبنطالاً من نوع “الجينز” أزرقاً داكناً، وبدت عليه ملامح الملل والضجر، كأنه لم يكن مقتنعاً بإقامته القصيرة في مسقط.

كان سمير مصري الجنسية ويبلغ من العمر ثلاثين عاماً، وكان يعشق السفر والترحال، فقد بدأ في رحلته للسفر عبر دول العالم قبل ستِّ سنواتٍ تقريباً، وقد جاب الصحاري والبحار والجبال والغابات، وشَهِد عجائب الدنيا من صغيرها لكبيرها في أجمل بلدان العالم بيئة وطبيعة وحضارة.

إلاّ أنه قد أدرك بعد قضائه رحلته العجيبة تلك أن العالم لا يملك إلاً قدراً محدوداً من المشاهد التي يمكن للشخص رؤيتها، وقد بدأ يشعر بأنه لم يبقى في العالم منظر لم يره، أو مكان لم يزره، ولذا فقد ارتفعت معاييره وصار من الصعب ارضاؤه.

وفي نهايات رحلته قرر سمير أن يزور تلك الدولة العربية الصغيرة التي لطالما سمع عنها وعن أهلها الطيبين. كانت عمان تُعرف بكونها بلداً مسالماً وآمناً، يعتز أهله بجماله وحلاوة العيش فيه، ويفخرون بانتمائهم إليه، فلِمَ لا يزره ويختتم رحلته بهذا المكان الهادئ الجميل؟ عساه يجد فيه ما افتقرت إليه باقي بقاع العالم!

 وبهذه الفكرة في ذهنه عزم سمير أن يبحث ملياً عمّا لم يجده في رحلاته السابقة، عن مواطن الجمال الحقيقي القادر على أن يبهره ويسلب لبّه، وأن يُشعل شغفه المنطفِئ ويُعيد إليه حب الترحال. كان مستعداً للبحث عن منظر أجمل من كل المناظر الأخريات التي رآها، وعن مشهد لم يسبق له من مثيل.

إلا أن ما رآه في ليلته القصيرة في فندقه بمدينة مطرح لم يكن كافلاً بإقناعه بأن عُمان كانت المكان الصحيح لإشباع رغباته، فوقف نافذ الصبر على رصيف الشارع أمام الفندق ينتظر سيارة أجرة لتُقِلّه إلى معالم عمان السياحية.

وعندما كان على وشك العودة لفندقه للاستفسار عن طلبه، ظهرت سيارة أجرة بيضاء وبرتقالية من جانب منعطف “دوار السمكة” على يسار المبنى، متفاديةً بقية السيارات على الشارع المزدحم على “كورنيش” مطرح، حيث انفرش منظر الميناء المشهور والسفن والقوارب، والبحر الأزرق بمياهه المتلألئة.

كان المكان مُفعماً بالنشاط والحيوية والحركة جيئة ورَوحة، وكانت نسمة البحر تهب بلطف لتمسح على وجوه المارّين على الرصيف الحجري أو الجالسين على المقاعد الرخامية على أطراف الكورنيش، وكانت النوارس تحلق على البحر وتنعق ليسمعها الحاضرون.

قاد سائق التاكسي سيارته على جانب الطريق وتوقف أمام رصيف الفندق، فتقدم سمير نحوه وفتح الباب الخلفي ليضع حقيبته أولاً، ولاحظ أن السائق كان شاباً عمانياً يبلغ من العمر حوالي الخامسة أو السادسة والعشرين عاماً فقط، وكان مبتسماً ابتسامة        صبيانية، كأنه ما زال طفلاً لا يرى من الحياة إلا الجميل.

“السلام عليكم ورحمة الله”، قال وسام للراكب وهو يُحَمّل حقيبته في المقعد الخلفي.

“وعليكم السلام والرحمة”، ردّ سمير التحية ثم فتح الباب الأمامي وجلس بجانبه.

“اسمي وسام وأنا بكون سائقك اليوم، تشرفنا!” قال ذلك وهو يمد يده ليصافح سمير، الذي كان يغلق الباب من جنبه ثم يربط حزام الأمان، فرد عليه مصافحاً.

“وأنا اسمي سمير، تشرفت بمعرفتك”. ابتسم سمير ورد عليه.

“وين حاب تروح اليوم؟” قال وسام وهو يضبط المرايا الأمامية ويتفقد الشارع خلفه من خلالها.

“بصراحة، ما عندي مكان معين. بس حاب أشوف أجمل شيء عندكم في عمان! فالقرار بيدك، خذني وين ما بغيت. هدفي اليوم هو إني أزور أجمل مكان عندكم في مسقط. زرت في الماضي كثير من دول العالم، وشفت من الأشياء الجميلة والطبيعة الخلابة ما شفت، بس بصراحة، ما زلت غير مقتنع بإني وصلت لأجمل بقعة أزورها بحياتي”.

بدا وسام مُتحيّراً من كلام راكبه، أمن المعقول أن يكون شخصٌ صعب الإرضاء لهذه الدرجة؟ إلا أنه في تلك اللحظة لمعت فكرة في باله، فعزم أمره وابتسم لسمير قائلاً “أفا عليك، ولا يهمك! أنا أشيلك لأجمل مكان وتقضي فيه أحلى يوم في زيارتك كلها!”

بدا سمير راضٍ بكلامه، وعجب قليلاً من هذا الشاب الذي بدا واثقاً من نفسه إلى هذا الحد. أمِن المعقول أن تتحقق رغبته بهذه البساطة والسهولة؟ أعد سمير نفسه ليخوض رحلةً كان آملاً أن تفوق غيرها في روعتها وحماسها. قام وسام عندها بتحريك السيارة دخولاً للشارع الأساسي، ثم داس على الدواسة وانطلق بهما إلى وجهته المميزة.

——

 بدأ وسام يخفف من سرعة السيارة بعد مرور قرابة العشرين دقيقة على انطلاقه هو وسمير من مدينة مطرح المزدحمة، وها قد وصلا إلى منطقة الغبرة الجنوبية عن طريق شارع السلطان قابوس، وكان سمير ينظر من خلال نافذته طيلة الرحلة، فرأى العديد من البنايات التجارية والبيوت السكنية والمدارس، ومصابيح الشوارع تحُفّ الأرصفة السوداء والصفراء مع الأشجار والأعشاب المُهذبة من كلا الجانبين. كانت شوارع مسقط لطيفة وبسيطة في منظرها، فزاد حماسه ليرى ما أعد له وسام مع كل شارع يقطعه.

وأخيراً انعطف وسام بالسيارة حتى دخل شارعاً أصغر تتوسطه بوابة حديدية كبيرة، فانشرح المنظر أمام سمير على حين غِرّة مفاجئاً إياه، وامتد أمامه مشهد حَرَمٍ واسعٍ مترامي الأطراف توسطه مسجد فسيح ارتفعت قُبّته في السماء، فوقف مُهيمناً على ناظريه، عظيماً في صموده ومتألقاً في جماله. كان الحرم والمسجد كلاهما ذو طرازٍ هندسيٍ إسلامي، مصنوعاً من الرخام الأبيض الفاخر ومُطوّقاً بأسوار عالية لونها البني الفاتح، وامتدت الشجيرات الخضراء المُقلّمة في تصميم هندسي أنيق عبر أرض الحرم المنفرشة.

كانت تفاصيل الحرم دقيقة، فسطعت الشمس على سطح أرضيته ذي البلاط المربع لتنيره بوضوح، وانعكست على دخلات وفجوات المبنى التي اخترقها نور الصباح بعفة حتى أشبهت أضواءً ملائكية مقدسة، تهبط بخفة على الأرضية الملساء والخضرة الناضرة الزاهية.

استرعى هذا المشهد انتباه سمير الكامل، فأخذ يتأمل تفاصيله باستعجاب. قال وسام مبتسماً وكأنه طفلٌ ربح تحدياً أو مسابقة “أهلا وسهلا بك في أجمل مكان في مسقط كلها: جامع السلطان قابوس الأكبر!”

“بالفعل، المكان جميل جداً” رد سمير وقد أنزل نافذته وأخرج رأسه منها ليمعن النظر إلى الجامع الخلاب أماه.

أوقف وسام السيارة في بقعة مخصصة للسيارات حيث يستطيع النظر من خلالها للحرم بأكمله وقال لسمير “تفضل إذا حبيت تطلع تتفسح، أنا بنتظرك هنا. خذ راحتك”

خرج سمير مستجيباً لدعوته، وأخذ وقته في استكشاف المكان وجمع الصور بكاميرته الكبيرة السوداء التي أخرجها من حقيبة ظهره. أخذ وسام راحته عندها في انتظاره، وأنزل نافذته هو الآخر فأسند ذراعه لتتدلى من حافتها، ثم أرجع ظهره للخلف ليستلقي على كرسيه مسترخياً ويستمتع بجمال المنظر أمامه. أغمض وسام عينيه، وراح يستنشق الهواء بلسعته الباردة كما يكون في أول الصباح، مستشعراً بكل من تَمَلّك من حواس روعة المشهد المحيط به. انكبت أشعة الشمس الدافئة من شق النافذة المفتوح لتتسلط على وجهه، فبدت أمامه ذرات الغبار السابحة تهبط ببطء وخفة. جلس يتأملها وهلةً ثم قال “سبحان الله. كل شيء في هذا العالم جميل، مهما كانت فخامته أو عظمته”.

وبعد مُضي ما يقارب الربع ساعة عاد سمير أدراجه إلى حيث أوقف وسام سيارته، ففتح بابه ودخل فيها. بدا راضياً بعض الشيء، إلّا أن حماسه قد قل بعد أن شبع من الاستكشاف، وبدا مكتفياً بهذه الجولة الصغيرة ومستعداً للبحث عن شيء أكبر وأفخم، وكأنه لم يكن قانعاً بأن هذا المكان قد أوفى رغبته.

“ايش رأيك؟ تعتقد إنك وصلت لأجمل مكان في الدنيا؟” سأل وسام مستفسراً.

بحث سمير عن الكلمات الصائبة للتعبير عن رأيه، ثم قال بتردد “ما بالضبط، المكان جميل بالفعل لكني أبحث عن شيء أعظم وأروع. أبحث عن مكان مبهر، مكان أعجب وأفخم من كل شيء شفته بحياتي!”

صمت وسام قليلاً وأخذ يفكر، فقد أدهشه كلام سمير، الذي لم يعجبه العجب! إلاّ أنه تفكر لبضع ثوانٍ، فبدأت ملامحه بالتغيير وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، فقال بهدوء “لكن الجمال في عين الناظر، عزيزي سمير. إن الله جميل يحب الجمال – انظر حولك”، وأشار بيده إلى المنظر المحيط بهما، “الانسان ما يحتاج أنه يزور أفخم أو أحلى مكان في الدنيا علشان يستشعر الجمال، وإنما يحتاج يبحث عن الجمال في أبسط الأشياء وأكثرها ضآلة”.

سكت سمير ولم يقل شيئاً، فأغمض وسام عينيه مستغرقاً في التأمل وأكمل “غمض عينك واستشعر الجمال في قلبك. تقول الآية: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ). وا

\فتح بعدها عينيك، وانظر للعالم حولك مرة ثانية”.

نظر سمير لوسام وهو غارق في فكره، وظن لنفسه : “جميل أنه كثير الذكر لربه”. أدرك حينها أنه قد يكون على الصواب، وأن عليه أن يبحث عن الجمال في نفسه أولاً قبل أن يفتش عنه في بقاع العالم، فأغمض عينيه هو الآخر وأخذ نفساً عميقاً، ثم ركز انتباهه على تنفسه ودقات قلبه المنتظمة. شعر بصفاء تام في روحه، وكأن هدوءً عجيباً قد خيم عليه، ثم فتح عينيه ببطء، محاولاً أن يرى ما يراه وسام من جمال في بساطة هذا العالم، فداهمه شعورٌ غريب حالما نظر حوله ثانية، وتغيرت نظرته للمشهد من حوله. أحس بأن يداً خفيةً ما قد نزلت بهدوء عليه وألبسته عدسة جديدة عجيبة، فصار ينظر من خلالها -وكأنها نظارة- للعالم المحيط به، الذي بدا مصبوغاً باللون الزهري الفاتح، والذي أضفى رونقاً وجمالاً خاصاً للمنظر ذاته الذي رآه عادياً قبل لحظات.

نظر سمير هلِعاً نحو وسام، فوجده ما يزال مغمض العينين، ثم توجه بنظره ثانية نحو الحرم والمسجد، وفوجئ مما يراه!

كان الحرم متألقاً ببهاءٍ غير طبيعي، وكأن أحدهم قد أنزل عليه غشاءً سحرياً من البهجة، فتلألأ بلاطه تحت الضوء الزهري الفاتن وشعاع الشمس الذهبي ليبدو تارةً كطبقة من الألماس والجواهر الملونة البراقة، وتارةً كسطح من الماء الأزرق الفيروزي المتلألئ. ونظر بعدها إلى الشجيرات التي تُزين المكان فرآها محفوفة بنقاط صغيرة من البريق اللّامع، فما إن أمعن النظر حتى وجد أن البريق كان في واقعه حوريات صغيرات تحلق حول الأشجار والخضرة كفراشات ملونة!

عاد سمير ببصره مسرعاً نحو وسام ليتأكد من أنه لم يكن يحلم، فوجده مبتسماً وينظر حوله بنفس القدر من الإعجاب والسرور، ففتح وسام بابه وخرج من السيارة ليقف أمام المسجد رافعاً نظره إلى منارات المسجد الطويلة، وقبته الكروية المنقوشة بأنماط دقيقة تلمع بضوء ساطع، ملامسة بأطرافها السحب الكثيفة المفروشة فوقهم، فأسرع سمير خارجاً ليقف بجانب وسام، الذي لم يفارق نظره السماء الشاسعة، فتمتم بهدوء وإعجاب شديد “ألم أقل لك؟ هل وجدت الجمال الذي كنت تبحث عنه؟”

رد سمير رافعاً نظره هو الآخر بنفس القدر من الإعجاب والتقدير “بالفعل، أخيراً وجدته”.

كانت هذه الرحلة العجيبة خاتمة لمهمة سمير للبحث عن عَين الجمال، حيث وجد أن الجمال ليس في الأشياء نفسها، بل أنه في عَينه هو ذاته. وبهذا نختتم حكايتنا أيضاً، عساكم وجدتم فيها جميلاً.