خالد بن علي الخوالدي

مدينة صُحَار مدينة التاريخ والتراث والعِلم والعلماء، مدينة تتقاطر من بين جنبات كل زاوية من زواياها تاريخ يحكي أمجاد عمان قاطبة وماضي تليد يحفر في أعماق التاريخ سطور قد لا تكون سجلت باسم مدينة أخرى فلها في كل فترة من فترات التاريخ صولات وجولات وفي كل حقبة أحداث ووقائع، فهي بوابة الشرق ودهليز الصين ومغوثة اليمن وأرض النحاس وقصبة عمان، فإذا ذكرت مجان التاريخ ونحاسها ذكرت صُحَار، وإذا ذكرت التجارة وازدهارها في موانئ الخليج في العصور الوسطى تبرز صُحَار على الواجهة، وحينما تعاد الذاكرة إلى الوراء ويذكر الحرير وتجارته وأسطورة السندباد تكون صُحَار في المقدمة، وإذا ما ذكرت أسواق العرب في الجاهلية برز سوق صُحَار الأدبي، وفي هذه القراءة السريعة لن نستطيع أن نتحدث عن صُحَار من كل النواحي وسنُقْصِر حديثنا على الجوانب التاريخية والثقافية لهذه المدينة العريقة، وطالما تحدثنا عن العراقة فسنقف لحظة مع ما قاله مولانا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظَّم-حفظه الله ورعاه- في وصف صُحَار (صُحَار المدينة العريقة التي يفوح من جنباتها عبق التاريخ العاطر، ويلوح في محياها ألق الحاضر الزاهر، وروْنَق المستقبل الناضر).

البُعد التاريخي

اشتهرت مدينة صُحَار بعدة أسماء مختلفة أشهرها صُحَار المعروفة به حاليًا والذي يرجعه المؤرخ المشهور (ياقوت الحموي) إلى أحد أحفاد النبي نوح عليه السلام، وهو صُحَار بن أرم بن حام بن نوح عليه السلام مما يعد دليلاً على قِدم وعراقة هذه المدينة، بينما يرى البعض إن الظهور المبكِّر لاسم مدينة صُحَار يرتبط بالمسمَّى الفارسي القديم عندما كانت تعرف بـ (دستجرد) وقد سماها العرب صُحَار بعد تحريرها على يد مَالك بن فَهْم تخليدًا لذكرى أحد أبطال هذا التحرير.

تُعتبر مدينة صُحَار من أقدم وأعظم المدن على ساحل الخليج العربي وذلك بإجماع المؤرخين والجغرافيين القُدامى وشهدت المدينة العديد من الأحداث التاريخية والسياسية على مرِّ العصور، ومن بين المؤرخين الذين تحدثوا عن صُحَار المقْدسِي الذي قال عنها (هي قصبة عُمان وليس على بحر الهند (بحر العرب) مدينة أكبر منها، فيها عمران ولها رونق وبها ثروة لا تقدَّر، وفيها فاكهة وأسواق عجيبة، والمنازل بها عالية، مبنية بأجود أنواع الخشب والطوب، وفيها ماء عذب، وعلى ساحلها مسجد جامع، وهي ممر الصين وخزانة الشرق)، وأشار ياقُوت الحَمَوي في كتابه مُعْجَم البُلْدَان إلى أن صُحَار كانت تسمَّى قصبة عمان، وقال عنها الفارسي صاحب كتاب (حدود العالم) إنها سوق الدنيا كلها، ليس في الدنيا مدينة تجارية أكثر مالاً من تجَّارها، تجارات الشرق والغرب والجنوب والشمال تُجلب إليها أولاً ومنها تُحمل إلى سائر الأماكن، ووصفها المؤرخ الحريري بأنها مدينة حسنة الأسواق تُجلب إليها البضائع من الهند والصين وفارس، وذكرها الإصطخري في كتابه (المسالك والممالك) بأنه لا يمكن أن توجد على الخليج ولا في بلاد الإسلام مدينة أكثر غنى وجمالاً من صُحَار.

وكتب عنها المؤرخ المشهور المسْعُودي الذي زار صُحَار عام 917م (304هـ) وعن علاقتها التجارية مع شرق أفريقيا ودول الهند وشرق أسيا واستمرت مدينة صُحَار في الازدهار خصوصًا بعدما انتقل إليها أحمد بن هلال واتخذها مقرًّا للحُكم حتى عام 918م، وفي عام 952م أعلن الجلنديون استقلالهم الخلافة الإسلامية، وقد كان لذلك الأثر العظيم على ازدهار مدينة صُحَار.

وبالرغم من حالات الازدهار التي مرَّت بها المدينة إلا أنها تعرضت للتدمير والتدهور في أوقات متفاوتة، وذلك بسبب الكوارث الطبيعية تارة والحروب البشعة تارة أخرى، ففي عام 865م اجتاحها فيضان وادي صلان فدمر كل شيء في المدينة ما عدا الحصن، كما وجدت آثار زلزال وقع في عام 879م، وفي عام 965م أرسل معز الدولة حاكم العراق أسطولاً من البصرة إلى جلفار ومنها سار إلى مدينة صُحَار التي تم تدميرها نهائيًّا عام 971م وبذلك صار مدينة قليلة السكان والمباني وعليه فقدت فترات الرخاء والثراء التي عرفت بها في تلك العصور ثم عاشت صُحَار فترة عدم استقرار في ظل حكم السلاجقة والتركمان ووصف ابن مجاور مدينة صُحَار في هذه الفترة (بأنها كانت مدينة مهجورة، وعزا تدميرها إلى القبائل المحلية) كذلك قال أبو الفداء (إن صُحَار في أيامه كانت عبارة عن قرية صغيرة كثيرة الأنقاض).

صُحَار تستقبل الإسلام

إن صُحَار تفاخر ويحق لها أن تفاخر باستقبالها رسول رسول الله r الصحابي الجليل عمرو بن العاص لتكون البوابة الأولى التي يشع منها نور الإسلام في ربوع عُمان قاطبة.

صُحَار عاصمة عُمان

صحار كانت عاصمةً لعمان قديمًا إذ تشير المصادر إلى أنه عند انتقال الحكم من بني مالك بن فَهم إلى بني الجلندي اتخذوا صُحَار عاصمة لهم، وبظهور الإسلام كانت هذه المدينة أول عاصمة لعُمان في العصر الإسلامي وحتى عندما أطيح بحكم الجلنديين بعد مضي نصف قرن وأعيدت الإمامة إلى نزْوى، احتفظت صُحَار بطابعها كعاصمة اقتصادية لعمان بحكم موقعها التجاري وبكونها ميناء بحريًّا دوليًّا من جهة أخرى بلغت صُحَار شأنًا كبيرًا خلال الفترة (1742-1747 ) حيث برز منها زعيم جديد استطاع توحيد البلاد وإعادة سيادتها وهيبتها وجعل منها عاصمة لحكمه ومن بعده أبنائه لسنوات عديدة.

صُحار تشهد مولد الدولة البوسعيدية

شهدت صُحَار مولد الدولة البوسعيدية الحاكمة لعمان منذ عدة قرون حينما شاء لها القدر أن يكون واليها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي وهو المؤسس الأول للدولة البوسعيدية الباسلة، لقد لمع اسم هذا الزعيم في مدينة صُحَار فتم تعيينه واليًا عليها لما عُرف عنه من شدة في الانضباط وقوة في الشخصية، وتجمع كل المصادر العربية والأجنبية أن هذا الرجل كان يتميز بقدر كبير من الحنكة والدهاء الشديدين فاستطاع أن يطرد الفرس ليس من صُحَار وحدها وإنما من مسقط وغيرها من أماكن التواجد الفارسي، وقد بُويع فيما بعد ليكون إمامًا لعُمان كلها.

قَلْعة صُحَار

تنسب بعض المصادر التاريخية بناء قلعة صُحَار إلى عهد عمان بن قحطان وبعضها تنسبها إلى عهد مَالك بن فَهْم الأزدي وتعتبرها من آثاره، فأما البعض الآخر فينسب تشييدها إلى الجلندي بن المستكبر؛ بينما يرجح كثير من المؤرخين أن تاريخ بناء القلعة يعود إلى سنة 1400م من قبل أحد أمراء هرمز، وفيما مضى كان الحاكم يتخذ من القلعة سكنًا له، وتوجد بأبراج القلعة الخمسة وحولها مدافع تستخدم لصد الأعداء، كما توجد بالقلعة مستودعات للذخيرة والبارود وعند تعرض المدينة لاعتداء خارجي فإن القلعة كان يوجد بها نفق سري يمتد مسافة 24 كم ويربط قلعة صُحَار بمنطقة (حوراء برغا) في وادي الجزي ويوجد بها برج مقابل لقلعة صُحَار ومن هذه المنطقة كان المقاتلون يسلكون الطريق إلى الحزم والرستاق، كما يتم عبره تزويد القلعة بالمؤن والاحتياجات الدفاعية لتمكين المدافعين من الصمود في وجه الأعداء.

وتحتضن قلعة صُحَار ضريح السيد ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي حكم عمان خلال الفترة من 1856م إلى 1866م ورغم عمرها الطويل لا زالت هذه القلعة تقف بشموخ وكبرياء تراقب الساحل وتحرس صُحَار.

وفي العهد الزاهر الذي تعيشه عمان في ظل باني نهضتها الحديثة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه- فإن قلعة صُحَار التاريخية نالت كثيرًا من الاهتمام حيث رممت فأعيد إليها بهاؤها ورونقها، وفي مطلع عام 1993م حولت القلعة إلى متحف يحكي قصة صُحَار العريقة ويجمع بين جنباته صورًا توضح ملامح البطولات التي سطره العمانيون في غابر الأزمان حيث يضم هذا المتحف بين جنباته معروضات شاهدة على قِدم الحضارة في صُحَار وهي تشكل في حد ذاتها تعريفًا حقيقيًّا بالحضارة العمانية الضاربة في أعماق التاريخ.

سفينة صُحَار تبحر إلى الصين

تخليدًا للدور الريادي الذي شرفت به هذه الولاية عبر التاريخ العماني المجيد وإحياء لتلك الرحلات البحرية التجارية التي أبحرت مِن صُحَار أو مرَّت عبرها في طريقها إلى أقصى بلدان العالم في شرقه وغربه فقد أصدر حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مجدد أمجاد عمان أوامره بتنظيم رحلة تاريخية إلى الصين وكان ذلك في نوفمبر 1980م حيث أبحرت من مسقط السفينة (صُحَار) وهي صورة طبق الأصل من سفن العصور الوسطى، وقد بنيت السفينة من الأخشاب المثبتة بعضها البعض بحبال مصنوعة من ألياف جوز الهند حيث أبحرت معتمدة على الشمس والنجوم وانتهت الرحلة في (كانتون) بالصين عام 1981م، واستغرقت تقريبًا نفس المدة التي تستغرقها رحلات العصور الوسطى.

البُعْد الثقافي لصُحَار

بعد أن تتبعنا البُعد التاريخي لمدينة صُحَار والضارب بجذوره في أعماق التاريخ فمما لا شك فيه أن البعد الثقافي والأدبي يتجاذب مجاذبة لصيقة بهذا التاريخ حيث اشتهرت صُحَار بسوقها الأدبي من أيام الجاهلية وقبل بزوغ الإسلام وكان لسوقها شهرته كسوق عكاظ وسوق ذي المجاز وغيرها من الأسواق حيث تقرض فيه دواوين الشعر والأدب والثقافة، وتعود هذه الأهمية إلى الموقع الجغرافي الذي تتميز به صُحَار كحلقة الوصل بين المشرق والمغرب وواسطة العِقْد التي تعمل على توازن القوى في العالم القديم، وقد ذكرنا في السطور السابقة كيف وصف المؤرخون موقع مدينة صُحَار والذي منحها المكانة والشُّهْرة، كما شجع على ازدهار الحركة الثقافية بها ما عاشته من فترات الأمن والأمان والاستقرار في مختلف الحقب التاريخية إلا حالات بسيطة من الغزوات الخارجية للفرس والبرتغاليين وقليل من الاضطرابات الداخلية.

ونظرًا لموقع مدينة صُحَار على الساحل فإنه سَمَح لها أن تتبادل الأفكار والرؤى الثقافية والأدبية لأولئك الذين نزلوا في مينائها الشهير خاصة وأن بعضهم استقر به الحال في المدينة الهادئة واستفاد من هذه الميزة أيضًا سكان المدينة يخرجوا ويستفيدوا من تجارب الشعوب والحضارات الأخرى وينقلوها إلى مدينتهم محملين الكثير من ثقافات هذه الشعوب، كما أن التمازج القبلي والمذهبي بصحار والتعايش السلمي فيما بينهم سمح للكثير من أن يستقر في صُحَار ويقدِّم إبداعاته الثقافية والعلمية والأدبية فبَزَغ فيها علماء ومحدِّثين وشعراء.

لقد مثَّل ذلك الزخم من العلماء والأدباء بصحار تواصلاً خصبًا حتى عصرنا الحاضر الزاهر، عهد النهضة العمانية المباركة بقيادة معيد صياغة التاريخ لهذا البلد المعطاء حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم يحفظه الله ويرعاه.

فمن الأئمة والفقهاء الذين تَفْخَر صُحَار بانتمائهم إليها:

-العلامة الشيخ محبوب بن الرحيل.

-العلامة الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل الذي كان قاضيًا على صُحَار في عهد الإمام الصَّلْت بن مالك الخروصي.

-الشيخ أبو المُنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل ومن مؤلفاته كتاب البستان في الأصول وكتاب الرضف في التوحيد وحدوث العالم أو المستأنف في التوحيد وكتاب أحكام القرآن والسُّنَّة وكتاب الإمامة وكتاب أسماء الدار وأحكامها وكتاب الخزانة وهو في سبعين جزءًا.

– العلامة عبدالله بن محمد بن محبوب بن الرحيل.

-الإمام / سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب.

-العلامة الأصولي أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي ومن أشهر مؤلفاته كتاب الجامع أو جامع ابن بركة وكتب التقييدات أو التقييد ومسائل أصول الدِّين.

-العلامة الحسن بن علي بن سعيد، أبو محمد العماني المقرئ ومِن مؤلفاته القراءات الثماني والوقف والابتداء والمرشد.

-العلامة عبدالله بن بشير بن مسعود بن عمر العوامري الحضرمي الصحاري.

-الشيخ حبيب بن يوسف المعيني ومن مؤلفاته نظم الدرر في بعض أقسام الحديث والخبر وكتاب «كفاية الأطفال في التوحيد وقطوف دانية في التوحيد» وكتاب «إتحاف الإخوان في ذكر ما يجب على الإنسان» وكتاب «زهرة المرام فيما يجب اعتقاده على الأنام» وغيرها.

-الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن حافظ الأنصاري الشافعي وله عدد من المؤلفات أهمها خلاصة الفقه على مذهب الإمام الشافعي وكتاب طريقة المستفتي في الفقه وأسعد الصلوات على سيد السادات في الأدعية.

-الشيخ عبدالرحمن بن أحمد بن يحي بن محمد بن كمال الكمالي المعروف بعبدالرحمن بن يحي وقد ألف الشيخ كتابًا في التوحيد سماه منظومة شهود الحق.

-الشيخ أحمد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن أحمد بن عبدالعزيز آل الشيخ وترك عددًا من المؤلفات منها منظومة «ظل الغمام في حقوق ذوي الأرحام» ومنظومة «الزهرة المنيرة في مسائل الرد الشهيرة».

– العلامة غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري المشهور بأبو مالك الصلاني.

-الشيخ محمد بن سيف الرحيلي.

-الشيخ سعيد بن حمدان بن عبدالله بن أحمد بن حبيب بن جمعه التوبي الريامي.

وهناك شعراء آخرون أثروا المكتبة الأدبية برائق أدبهم نذكر منهم في العصر الحديث: الأديب الكاتب إبراهيم بن سالم بن خلفان العبيداني، حيث إن له قصائد رائعة عديدة، ومِن أدباء صُحَار الأديب الكاتب عبدالله بن علي بن أحمد السدراني، ومن شعراء صُحَار الذين تركوا بصمات في مسيرة الشعر العماني الحديث الشاعر / علي بن شنين بن خلفان الكحالي الذي توفيِّ في ريعان شبابه بعد أن ترك موروثًا شعريًّا خصبًا في جميع مجالات الشعر الوطني منه والاجتماعي.

وفي عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه تواصل العطاء الميمون لهذه المدينة التاريخية والثقافية وأقيمت العديد من الفعاليات والندوات والمحاضرات التي تهتم بتاريخ صُحَار وحركتها الثقافية والأدبية حيث أقيمت ندوة (صُحار عبر التاريخ) ضمن فعاليات المنتدى الأدبي، كما عنيت وزارة التراث والثقافة بإقامة الأنشطة والفعاليات التي تستنطق الدور التاريخي والتراثي والأدبي لمدينة صُحَار، كما تستمر دائرة التراث والثقافة بمحافظة شمال الباطنة في الاعتناء بقطاع الشباب في المسرح والفن التشكيلي وبالكتاب وبالندوات والأمسيات المتعددة والمسابقات الفكرية والثقافية التي تقام بشكل دوري، كما قامت كلية التربية بصُحار قبل أن تتحول إلى كلية العلوم التطبيقية بإعادة إحياء سوق صُحَار الأدبي لتَتَسَلَّم المهمة بعدها جامعة صحار.

13,142 total views, 2 views today