وائل قاقيش

يُقصد بالإنشاد الديني الأسلوب أو الطريقة لأداء صوتيٍّ يتناول موضوعات لها سمات روحانية ودينية كالعشق الإلهي، أو مدح الرسول، أو الوحدانية، ويتم معظم الأحيان في حلقات الذِّكر أو الحضرات سواء كانت خاصة أو عامة. يرتكز فن الإنشاد عامة على قوة وجمال صوت المنشد وطبقاته ومعرفته بالمقامات الشرقية واختيار ما يناسب منها للقصيدة. فهو فن يعتمد على الحناجر البشرية مع محدودية تدخل بعض الآلات الموسيقية أحيانًا والتي ممكن أن تضيف لمسة جمالية تندمج وتخضع لأصوات المنشدين وقصائدهم لتعطي فرصة للإبداع والوصول بالمنشد والحضور إلى حالة روحانية نقية ذات عمق.

لفظ الإنشاد جاء من نشد، أنشد، ينشد، نشدانًا، ناشد بمعنى طلب يطلب فهو طالب لشيء ما. الإنشاد من حيث اللغة هو النداء والتناشد هو التنادي، ولقد قام الإنشاد على حسب ذوق تقاليد الشعوب الاجتماعية واعتقاداتها وأحكامها الشرعية. ومما يزيد لفظ الإنشاد تزكية واحترامًا أنه ارتبط في الاستعمال العربي الإسلامي القديم بالدعاء، كقولهم ناشدتك الله أي سألتك بالله واستحلفتك به، ففي هذه الصيغة يحسب طلب الاستعطاف للوفاء بالعهد والوعد حتى قيل ناشده بمعنى عاهده أو واعده ووعده به وطلبه منه. والإنشاد هو عبارة عن قصيدة موزونة باللغة الفصحى أو مجموعة قصائد مبنية على منهج القصيدة العربية مستخدمة فيها بحور الشعر العربي من البسيط والطويل والوافر والكامل والرجز والهزج وأخرى من بحور الشعر الستة عشر.

يُعَدُّ الإنشاد الديني في العالم الإسلامي واحدًا من الطقوس الروحية منذ نشأة الإسلام، بداية من بلال بن رباح مؤذن الرسول في أول العصر الإسلامي ومرورًا بالعصر الأموي والعباسي والفاطمي ثم الأندلسي وحتى يومنا هذا، وهي في مضمونها مجموعة من المدائح النبوية التي تصف روح الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وتعاليمه وسيرته، وتمتد أحيانًا في وصف ومدح آله وأصحابه. وتُعد المدائح أو الأناشيد من أهم التعبيرات الوجدانية والروحانية بعد الأذان والتهاليل والتراتيل الدينية. يرجع تاريخ الأناشيد إلى أول وأهم الأناشيد في بداية عصر الإسلام والتي ألقاها أهل المدينة المنورة في استقبالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدِم إليهم مبشرًا لهم بالدِّين الحنيف حيث قابله سكان المدينة بالترحيب منشدين على الدفوف نشيد (أو قصيدة) طلع البدر والتي يقول مطلعها:

طلع البدر علينا    من ثنيَّات الوَداع

وجب الشكر علينا    ما دعا لله داع

أيها المبعُوث فينا  جئت بالأمر المُطاع

جئت شرفت المدينة    مرحبًا يا خير دَاع

حيث نسجت هذه القصيدة في عصرنا الحديث ولحِّنَت في أسلوب المقام الشرقي، واختلف تأليف هذه الألحان والإيقاعات وفقًا للبلد المؤلفة فيه، فعلى سبيل المثال كثرة استخدام مقام السيجا في بلاد المشرق العربي ومصر، وعلى ضرب إيقاع الأيوب أو في مقام الرست في المغرب العربي، وعلى إيقاع الهجع الكبير وأحيانًا من مقامات الكرد أو النهاوند من بعض المنشدين في بعض الدول كالكويت على سبيل المثال.

وتؤكِّد كتب التراث الإسلامي أن بداية الإنشاد الديني كانت على أيدي مجموعة من الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم مجموعة من التابعين. وكانت قصائد حسَّان بن ثابت، شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر أساسًا لكثير من المنشدين، فمن أشهر قصائده في مدح الرسول قصيدة:

وأحسن منك لم تر قط عيني                وأجمل منك لم تلد النساء

خُلقْت مبرَّأ من كل عيــــــــب             كأنك قد خلقت كما تشاء

ومِن قصائده الشهيرة أيضًا:

نبيٌ أتانا بعدَ يـــأسٍ وفتــرةٍ                من الرسْل والأوثانُ في الأرض تُعبَد

فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا              يلوح كما لاح الصقيل المهنَّـــدُ

وأنذَرنا نارًا وبشّرَ جنـَّــة                             وعلمنا الإســــلام فاللـه نَحمَــدُ

تَغَنَّى المداحون بقصائد أخرى لشعراء كتبوا في موضوعات متنوعة منها الدعوة إلى عبادة الله الواحد، التمسك بالقيم الإسلامية وأداء الفرائض من صلاة، وزكاة، وحج إلى غير ذلك.

وفي عهد الأمويين أصبح الإنشاد فنًّا له أصوله، وضوابطه، وقوالبه، وإيقاعاته الخاصة، واشتهر أيام الدولة الأموية الكثير من المنشدين والمهتمين بفن الإنشاد الديني وتلحين القصائد الدينية، فمنهم إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن موسى الهادي، والمعتز وابنه عبد الله، وأبو عيسى بن المتوكل، وعبد الملك بن مروان، وغيرهم الكثيرون ممن اشتهروا بغناء أو تلحين القصائد الدينية والأناشيد. أما في عهد الفاطميين فقد تطوَّر فن الإنشاد الديني وذلك لاهتمام الدولة بالاحتفالات الاجتماعية والمجتمعية. فهم أول من أقاموا الاحتفال برأس السنة الهجرية، وليلة المولد النبوي الشريف، وليلة أول رجب، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة أول شعبان ونصفه، وغُرة رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم النيروز (شم النسيم) وغيرها من المناسبات الدينية المتعددة التي أقيمت للناس في مجالس الذكر والحضرة للتعبير عن شعورهم الديني. وكانت الأناشيد الدينية عصب هذه الاحتفالات حيث بدأت تظهر عدة طرق وطوائف مختلفة مثل الدراويش والطرق الصوفية (كالقادرية والرفاعية والشاذلية والمولوية والنقشبندية الخ) وأصبح لكل فئة منشدوها وقصائدها وإيقاعاتها وموسيقاها المميزة التي أظهرت أهمية الجانب الوجداني والروحاني للموسيقى والتي خضعت تحت راية القصيدة المنشدة الغاية منها التعبير الوجداني للتقرُّب إلى الله عز وجل.

تنوَّعت الأناشيد بعد ذلك الوقت تبعًا للمكان، وطبيعة البلد، واختلاف لهجاته وألحانه وايقاعاته، فعلى سبيل المثال في بلاد الشام ومصر فقد تميَّزت بوجود تنوع كبير من تقاليد الإنشاد الديني فيها، حيث كان يتخلل الإنشاد الديني كثير من الحوارات الغنائية بين «المنشد الرئيسي» وبين مجموعة المنشدين من خلفه، وكان المنشد يتوسط الحلقة، ويلتف من حوله مجموعة «السنيدة» بعد ذلك. وكان المنشد يختار مقطعًا من القصيدة أو جملة يجعلها محورًا تدور حولها كل الردود من «السنيدة»، فيرددونها وراءه ثم يعودون إليها بعد المنشد. وكانت الوصلة الأولى يختار لها الشيخ المنشد مقامًا معينًا مثل الراست مثلاً أو البياتي، أو الحجاز وغيرها، ثم يبدأ المنشد الوصلة بإبراز مواهبه في الأداء، وبراعته في التنقل بين المقام الأصلي ومشتقاته، وقدرته على إبراز الحليات والزخارف اللحنية، ثم يقوم المنشدون بعد ذلك بترديد المقطع أو الجملة المحورية التي بدأ بها القصيدة. ثم تأتي الوصلة الثانية فيختار لها مقامًا موسيقيًّا آخر حتى ينوع في المقامات، وحتى لا يمل السامعون ويفعل ما فعله في الوصلة الأولى.

كان الإنشاد الديني يُرتل أو ينشد بدون مصاحبة آلات موسيقية ولكن أحيانًا في استخدام نقر على آلة الدف أو المسبحة على كوب زجاجي فارغ ليحدث رنينًا إيقاعيًّا جذابًا. ثم تطور فن الإنشاد ليصبح فنًّا له أصوله وأشكاله، فبدأ يعتمد على الجمل اللحنية المبتكرة، وكذلك باستخدام «اللوازم الموسيقية» والتي تمثل جسورًا لحنية بين الأبيات الشعرية المؤداة والإيقاعات التي تناسب روح القصيدة. فتكونت الفرق الموسيقية المصاحبة «للمنشد»، كفِرَق «التخت» أو الخماسي الموسيقي الشرقي مستخدمة آلات كالعود والقانون والناي والكمان والإيقاع، حيث يتوسط المنشد والموسيقيون المنصة بشكل نصف دائري وخلفهم المنشدون.

انتقل الإنشاد من الارتجال والتطريب بعد فترات زمنية متعاقبة ليواكب التطورات المستحدثة التي تأثرت بها الموسيقى العربية عامة كـ “فرق الموسيقى العربية” والتي تتناول التراث الموسيقي والغنائي بأشكال وقوالب جديدة، وهو التوجه إلى أسلوب وطريقة أوركسترالية تميل أكثر إلى تعبيرية وتأثيرية وهارمونية مع استخدام العديد من الآلات الموسيقية المتنوعة، وفضلاً عن استحداث جمل «اللوازم» والإيقاعات المتنوعة والجُمل الحوارية بين الآلات بعضها وبعض وبين المنشدين، وتكوََّنت هذه الفِرق لتعطي طابعًا جديدًا مختلفًا بعض الشيء عن الطريقة التقليدية المتعارف عليها في طريقة الإنشاد.

واستُحْدِث بعد ذلك لون جديد وهو الدعاء الديني، وكان يُغنِّى بالفصحى وأحيانًا بالعامية وثم ظهر لون جديد يسمى بالغناء الديني الشعبي، وهو فن يعتمد على دراما القصة في شكل غنائي يشبه الملحمة يحكي فيها المنشد قصص الأبطال التاريخيين أو يمدح رسول الله (ص) ويروي سيرته، ومن أبرز من أدَّى هذا اللون الدرامي من المشايخ الشيخ محمد عبد الهادي الهلباوي والشيخ عبد الرحيم دويدار.

أصبح للإنشاد الديني أهمية كبيرة في بدايات القرن العشرين، وزاد من أهميته مشاركة كبار المشايخ والمنشدين في إحياء الليالي الرمضانية، والمناسبات الدينية، والذي أدى إلى تزايد محبي هذا الفن فأصبحت له أشكال متعددة وأسماء كثيرة. حيث برز العديد من المنشدين في القرن العشرين أمثال الشيخ طه الفشني والشيخ سيد النقشبندي من مصر والشيخ توفيق المنجد وحمزة شكور من سوريا والشيخ حمزه الزغير وياسين الرميثي من العراق. ومن أبرز الشيوخ المنشدين الشاعر الحلبي الكبير الشيخ محمد الوراق والذي جمع فصل (اسق العطاش) ورتبه وأعطاه شكله النهائي:

مولاي أجفاني جفاهن الكرى     والشوق لأعجه بقلبي خيما

مولاي لي عمل ولكن موجِبٌ     لعقوبتي فاحنن عليَّ تكرمًا

وفي منطقة الخليج العربي ازدادت شعبية الإنشاد الديني في السنوات العشرين الماضية وخاصة بانتشار التكنولوجيا السمعية والمرئية، ولكن بالرغم من هذا حافظ معظم المنشدين على الأسلوب التقليدي البسيط والقائم على مجموعة من المنشدين تصاحب أصواتهم الدفوف والطبول. تتشابه أصول الأناشيد الدينية في الخليج العربي بالكثير من تقاليد الموسيقى الدينية في بقية العالم العربي مع اختلافات جزئية. وممكن القول إن في التقاليد الخليجية يتم إستخدام إيقاعات خليجية مميزة في أداء مقامي متميز ومألوف لأهل المنطقة والذي يظهر تأثره الكبير بموسيقى وغناء الصيادين كما نرى في أداء المالد (الاحتفال بالمولد النبوي). أما في سلطنة عمان فهناك العديد من المنشدين برزت مواهبهم حديثًا وأصبحت مجموعات كبيرة من الفِرق الشابة تحيي كثيرًا من المناسبات الدينية وأنواعًا مختلفة من الشعائر الدينية.

انتشر الإنشاد الديني في الآونة الأخيرة وفي بدايات القرن الحادي والعشرين بشكل كبير من خلال الكليبات المرئية والتي أصبحت تستحوذ على أكبر نسبة مشاهدة في الوطن العربي وخارجِه. تأثر الإنشاد الحديث بالفضائيات المرئية والفيديو كليب وظهرت قنوات متخصصة للإنشاد. فقد أصبح الإنشاد يضم أطيافًا مختلفة ومتنوعة من القوالب حيث تسبب في تزايد جماهيري أكبر للغناء الديني على مستوى العالم العربي والإسلامي.

8,051 total views, 11 views today