د. مُحمَّد الغزي


برحيل جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيَّب الله ثراه- فقدتْ مدرسة العقلانية في السياسة العربية رائدها وباعثها، وأكبر المُدافعين عنها.. هذه المدرسة التي وَضَع الفقيد أسسها الأولى منذ السبعينيات، هي التي وجَّهت سياسة السلطنة الداخلية والخارجية وجعلت عُمان تتميز، على امتداد خمسين عاما بأسلوب خاص في التعاطي مع القضايا الوطنية والعربية.. هذا الأسلوب فيه ذكاء وفطنة، وفيه تبصُّر وحكمة، وفيه دفاع مُستميت عن مكاسب الأمة، أسلوب يقوم على قراءة متأنية للحظة التاريخية؛ من أجل فهمها وإدراك حقيقتها المتخفية وراء عدد كبير من الحجب، هذا الأسلوب العُماني في استقراء الواقع قد يبدو أحيانا صادما، غير مُتوقع، بل ربما لا يلقى تأييد الجميع، لكن سرعان ما تأتي الأحداث لتؤيده والوقائع لتقره.

الأمثلة كثيرة التي تؤكد قراءة قابوس الثاقبة للواقع العربي، والتي دفعتْ به أحيانا إلى الوقوف بمفرده، ككل الحكماء في التاريخ، يُدافع عن حقيقته وسط واقع يرفضها، أو -على الأقل- يتوجس منها ويرتاب فيها. وحسبنا أن نذكر في هذا السياق موقف عُمان من مُقاطعة الدول العربية لجمهورية مصر العربية، بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني؛ إذ أبقى جلالته على علاقة السلطنة بمصر رغم القرار العربي بقطعها.

كما ينبغي أن نذكر موقف السلطنة من الحرب العراقية-الإيرانية؛ ففي الوقت التي انقسم فيه العرب إلى فريقين؛ واحد مؤيد للعراق، وآخر مؤيد لإيران، وكلاهما يؤجج نار الحرب، وقف جلالته موقفا وسطا، وظل على علاقة بالبلدين يدعوهما إلى التفاوض، وكانت عُمان وراء الاتفاق الذي تم عام 1988، كما ينبغي أن نذكر موقف السلطنة من اليمن، وكيف نأت بنفسها عن الدخول في حرب الأشقاء.. تلك هي ثمار قراءة جلالته للواقع العربي.

أمَّا على المستوى الوطني، فلنذكُر كيف تمكن جلالته من وأد الفتنة في الجنوب، وكيف حول الثائر الذي يحمل البندقية إلى مُوَاطِن يبني صرح بلاده.. ولنذكر كيف تمكَّنت الحكمة العُمانية من إعادة الهدوء بعد اضطرابات 2013.

… إنَّ قيمة القراءة التي قام بها جلالته للواقع تكمُن في احتكامها للعقل والواقع وحركة التاريخ في محيط عربي آثر الاحتكام، في الأغلب الأعم، إلى ثقافة الارتجال والانفعال، كما أن قيمتها تكمُن في الدفاع عن مصالح الأمة، وسط بيئة تشابهت أمامها السبل، والتبست المقاصد والغايات؛ لهذا السبب رفض جلالته الانجرار وراء الجماهير إذا رأى أنها على خطأ، واختار التفرُّد بالمواقف إذا أيقن أنها على صواب.

فليس غريبًا بعد هذا أن يستدرك البعض على قراءته، ويُحمِّلها دلالات ليست فيها، لكن هذا لم يدفع جلالته -برَّد الله ثراه- إلى التراجع عن مواقفه، أو تغيير آليات قراءته. فقد عرف عن جلالة السلطان قابوس -برَّد الله ثراه- الجرأة في اتخاذ المواقف، والجرأة في الإصداع بها، والجرأة في الدفاع عنها؛ وذلك لإيمانه الشديد أن تلك المواقف في صالح أمته، تحميها وتدافع عن مستقبلها.

وفي هذا السياق -سياق الحفاظ على مصالح الأمة- كان الاستبسال في الدفاع عن السلام من ثوابت سياسته؛ لأن السلام رديف الأمن والازدهار والنماء، كما كان من ثوابتها رفض الحروب والنزاعات والفتن؛ لأنها رديفة التدهور والخراب والتخلف؛ فالحرب لم تكن -كما قال نيتشه- قابلة التاريخ، وإنما قابلة للموت؛ لهذا ناهضها جلالته، طوال حياته، وعمل على إطفاء نارها، حيثما اندلعت.

لقد عُرف عن جلالته عداؤه الشديد للحرب؛ لأن الحرب في نظره إعلانٌ عن فشل العقل، بل عن هزيمته، في حين أنَّ السلام إعلانٌ عن انتصاره وفوزه؛ لهذا تحوَّلت مسقط إلى أرض تلاقٍ بين الخصوم من أجل عقد اتفاقيات سلام.

كلُّ رجال السياسة يعرفون أنَّ إحلال السلام أكثر صُعوبة من تأجيج الحرب، وقد اختارت عُمان هذا الطريق الصعب؛ لأنها آمنت بالعقل والخير والتقدُّم.

هذه المدرسة العقلانية التي أقامها جلالة السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- انتقلتْ اليوم إلى عناية جلالة السلطان المعظم هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- يُواصِل دعمها، ورعايتها، وحماية تراثها الفكري والسياسي، وهو السائر على سُنن سلفه، المُؤمن بمبادئه، الراعي لإنجازاته الحضارية الكبرى.

… إنَّ هذه المدرسة أصبحتْ اليوم رمزًا من رُموز عُمان، وصرحًا من صروحها الفكرية؛ فهي التي صنعت “الأسلوب” العُماني في دعم السلام وإدارة الأزمات، وحماية أمن الأمة ورعاية مصالحها، وهي التي جعلتْ من عُمان عنوانًا للتسامح والانفتاح، والتقارب بين الثقافات والحضارات والشعوب.