Haider Ahmed

د. حيدر بن أحمد اللواتي

يعدُّ العسل من المنتجات الطبيعية المهمة والغنية بالمواد الغذائية المختلفة، فبالإضافة إلى أنواع السكر المختلفة الموجودة في العسل، هناك مواد أخرى ذات أهمية كبيرة، ولها دور كبير في تحديد جودة العسل، وتأثيره في صحة الإنسان، وتُعرف هذه بمُضادات الأكسدة، وهذه المواد يُعتقد أنَّ لها تأثيرًا إيجابيًّا على الصحة؛ فمُضادات الأكسدة هذه قد تلعب دورا فاعلا في وقف بعض التفاعلات الضارة في الجسم؛ مما قد يكون له دور إيجابي، خاصة فيما يتعلق بأمراض السرطان والقلب؛ فالجسم لكي يحصل على طاقته، يقوم بتحويل الغذاء إلى طاقة باستخدام الأكسجين، ولكن أحد نتاج هذه العملية مواد كيميائية سريعة التفاعل مع خلايا الجسم، والتي قد تقوم بتدمير هذه الخلايا، وهذا قد يكون له أثر سلبي جدًّا على صحة الإنسان، وقد يُعرِّضه إلى أمراض عديدة، بعضها في غاية الخطورة. وللتخفيف من أثر هذه المواد التي قد تفتك بخلايا الجسم، فإنَّ الجسم يقوم بإفراز مواد تُساعد على الحد من هذه التفاعلات الضارة، وهذه المواد تُعرف بمُضادات الأكسدة، إلا أنَّ الجسم يحتاج إلى مصادر غذائية أخرى تحوي هذه المواد المُضادة للأكسدة، ويُعدُّ الخضار والفواكه من أغنى المواد الغذائية بهذه المواد المُضادة للأكسدة.

وعمليات الأكسدة هذه يُمكن مُلاحظتها في حياتنا اليومية، وبشكل مُتكرر؛ فمثلا: كلنا يلاحظ ويدرك أنَّ فاكهة التفاح بعد تقطيعها يتغيَّر لونها إلى الإصفرار، ومن ثمَّ إلى اللون البني، والسبب في ذلك هو تعرُّضها لعملية الأكسدة، ويُمكن وقف عمليات أكسدة التفاح -مثلا- بوضعه بعد التقطيع في عصير البرتقال الذي يحتوي على نسبة عالية من فيتامين سي، وهي مادة مُضادة للأكسدة، وبهذا تحفظ التفاح وتمنع عمليات الأكسدة.

وهناك عددٌ كبيرٌ من المواد الكيميائية الموجودة في الطبيعة تمتلك هذه الخاصية المهمة، والعسل يحتوي على عددٍ منها؛ ومن أهم ما يحتويه العسل مجموعة من المواد الطبيعية تعرف بـ”البولي فينولات”، ومواد أخرى تعرف بـ” فينوليك أسيد”، إنَّ وجود هذه الكميات الكبيرة من مُضادات الأكسدة في العسل هو أحد أهم الأسباب التي تُعطيه قيمة غذائية كبيرة.

وتشتهرُ السلطنة بأنواع مُختلفة من العسل؛ من أشهرها: عسل السمر، وعسل السدر، إضافة إلى عسل الزهور. وعموما، نجد أنَّ عسل السمر يعدُّ أغلى ثمناً من السدر الذي يأتي في المرتبة الثانية، وأخيرا عسل الزهور، كما أنَّنا نُلاحظ أنَّ عسل السدر أغمق لونا، بينما عسل الزهور يميل إلى اللون الأصفر أكثر.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هُناك رابط بين السعر المرتفع لعسل السمر ولونه، وبين تراكيز مُضادات الأكسدة في هذه الأنواع من العسل؟

الواقع أنَّنا لا نجد أيَّة دراسة علمية مُوثَّقة تعتمد على أسس علمية واضحة حول مُضادات الأكسدة في العسل العُماني، بل لم نجد أية دراسة علمية منشورة حول كميات مُضادات الأكسدة في العسل العُماني، وهذا ما جعلنا نتَّجه إلى إجراء بحث حول هذا الأمر.

بداية، قُمنا بتطوير طرق تحليل مُبتكرة لتحديد مُضادات الأكسدة في العسل؛ حيث إنَّ الطريقة التقليدية المتبعة لا تعدُّ الطريقة المثلى للقيام بهذا النوع من الدراسات، وقد تمَّ مُراعاة الجوانب البيئية وسهولة إجراء التحاليل في أماكن مُختلفة في الطريقة التي سيتم تطويرها. وبعد جهود كبيرة، قُمنا بتطوير طريقة مبتكرة تعتمد على تقنية حديثة تعرف بـ”مختبرات في رقاقة”، كما تمَّ استخدام التضوء الكيميائي كوسيلة للكشف وتحديد كميات مُضادات الأكسدة في العسل.
وقُمنا بإجراء دراسات تمهيدية؛ وذلك بتحليل تسع عينات من العسل العُماني، مُقسَّمة إلى الأصناف الثلاث المعروفة؛ وهي: عسل السمر، وعسل السدر، إضافة إلى عسل الزهور، وكانتْ النتائج مذهلة؛ حيث تبيَّن أنَّ عسل السمر غنيٌّ جدًّا بمُضادات الأكسدة؛ حيث تفوق فيه مُضادات الأكسدة بحوالي ست إلى سبعة أضعاف عمَّا هو موجود في عسل السدر، والذي يحتوي على كمية الضعف من مُضادات الأكسدة مقارنة بعسل الزهور.

إنَّ استخدام الطرق العلمية الصحيحة المعتبرة في تقييم المنتجات المحلية له أهمية كبرى إنَّ تمَّ توظيفه بشكل صحيح؛ وذلك من خلال نشر المعلومة العلمية الدقيقة في الصحف المحلية والعالمية، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث إنَّ ذلك سيزيد من ثقة المستهلك بالمنتج بشكل كبير، كما أنَّه سيزيد من فرص التنافس على المستوى الدولي.

كما يُمكن لهذا النوع من الأبحاث أن يُساعد الجهات المختصة في وضع آلية لتحديد سعر المنتج؛ وذلك بالاعتماد على نتيجة تحليل المنتج.

لقد تمَّ دَعْم هذا المشروع من خلال الدَّعم السامي المقدَّم للبحوث العلمية في جامعة السلطان قابوس، وتمَّ نشره في عددٍ من أهم المجلات والدوريات العلمية العالمية في مجال التحليل الكيميائي، وفي مجال كيمياء الغذاء، ويقود فريق البحث الدكتور حيدر بن أحمد اللواتي، ويضم الفريق أيضا كلًّا من: البروفيسور فخر الدين سليمان، والبروفيسورة سلمى الكنديًّة من كلية العلوم.

1,743 total views, 14 views today