د‭. ‬مريم‭ ‬بنت‭ ‬حميد‭ ‬الغافرية

يقول المفكر الإنجليزي توماس بين([1]): “حين يطرقُ الرُّقيُّ باب أمّة من الأمم، يسألُ: أهنا فكرٌ حُرٌّ؟ فإنْ وجده دخل… وإلا مضى”([2]).

ما أجمل أن يكُون الفكر طريقاً من الطرق المؤدية للتطور والتقدُّم! فكلُّ أمّة من الأمم نهضت بفكر أبنائها.

عاش ميخائيل نعيمة في بيئات متنوعة الثقافة والفكر؛ فكان لها الدور البارز في تشكُّل فكره؛ فدراسته للمحاماة لها الدور البارز في غلبة المنطق والقول والفيلسوف المتأمل في ميخائيل نعيمة على الشاعر الفنان.

تأثَّر نعيمة بالأدب الروسي، فقد عاش فترةً من حياته هناك، وتأثَّر بـ”تشيكوف” و” جوركي”، وبالناقد الروسي “بيلنسكي”. أما حياة المهجر، فجعلت منه شخصية بارزة داخل النسيج الإبداعي المهجري.

إنَّ هذه المؤثرات الثقافية والاجتماعية التي عاشَها ميخائيل نعيمة في بلاد المهجر، جعلتُه يفتتن بالحضارة الغربية، خاصة بمنجزاتها الأدبية التي ازدهرتْ في الوقت الذي كانَ يتراجع فيه الأدب العربي (عصور الانحطاط)؛ مما دفع نعيمة لمحاولة تجديد الأدب العربي في ضوء ما أنجزته الحضارة الغربية من أدب.

يَعْمَد نعيمة في كتاباته إلى تصوير الأدب العربي جُثَّة هامدة، يجب أن نُحييها، في ضوء ما أنجزته الحضارة المزدهرة والفكر المبدع -الغربي- الذي يتجدَّد، كما تتجدَّد أوراق الخريف.

وهنا، أُناقش فكر نعيمة حول الأدب العربي، وأنه أدب جامد لا يتجدَّد كما تتجدد أوراق الخريف، ولا يعرف الإبداع كما عاشه في حياة المهجر -في الغرب- وتناقضه في قوله: “إنَّ الشرق لفي غنًى عن اقتباس حرف واحد من المدنية الغربية”([3])، مستندة إلى ما جاء في كتابه “الغربال”، وهو كتابٌيَشْرح فيه أفكارَه في الشعر العربي، وما ينبغي أن يصِير إليه من تجديد في جميع مناحيه، وقد نشره في العام 1923م، وفيه يحملُ على أغراض الشعر التقليدي كما يحمل على قيوده اللغوية، وما يُسمى بـ”الجزالة اللفظية”، ويتحدَّث عن المقاييس الصحيحة للشعر في رأيه.

وقد طبَّق ميخائيل نعيمة هذه المقاييس على شعره منذ بدأ بنُظم الشعر سنة 1917، حتى فرغ منه سنة 1930م؛ فجميع منظوماته لا تتجاوز هذيْن التاريخيْن، وكأنَّه بعد أنْ رجع من غُربته إلى وطنه سنة 1932م لم يعد لنظم الشعر فقد انصرف عنه إلى القصة.

يَرْسم ميخائيل نعيمة صورةً مظلمةً للثقافة العربية، ممزوجة بألوان العتمة البريئة من كلِّ جديد، ويجسدها في صورة جثة ميتة رقدت للأبد؛ فهو يُمثل الناعي الحزين الذي يسير في جنازتها، ويترحَّم عليها؛ إذ يقول: “رقدت ورقاص ساعة الحياة يتابع أغنيته الأزلية “تِك، تِك، تِك، تِك”، ويدفن أحضان العمر الواحد تلو الآخر في أحضان الأبدية، رقدت وطال رقادها فظنها العالم من الأموات وتلا فوقها صلاة “مع القديسين”، وسار فوق رفاتها؛ حيث لا محل للعاجز الراهن”([4])، ويمضي نعيمة في وصفه متهماً العقل العربي بالعجز والقصور.. قائلا: أي فكر أودعه العقل العربي منذ خمسمائة سنة في خزانة الآداب العمومية، فتداولته الألسن وسهرت فوقه العقول؟ أم أي تمثال أو صورة في متاحف الفنون فاستلفتا الأبصار؟ أم أي نغمة لفظتها روحه فحركت أوتار القلوب؟ أم أي بناية شادها، أم أي مشروع قام به أوقف العالم متحيرا؟”([5]).

لا يكتفي نعيمة باتهام العقل العربي بالقصور، بل يصف رموز الثقافة العربية -أمثال: امرؤ القيس، والنابغة الذبياني، ولبيد، وعلقمة الفحل، وعنترة، والمهلهل، والمتنبي، والهمذاني، والأخطل، وجرير، وابن رشد، وابن سينا (من الأقدمين)، وشوقي، وحافظ، وإبراهيم، وكثير من المحدثين- بأنهم لا يصلون إلى مصاف الرموز الغربية؛ أمثال: هوميروس، وفرجيل، ودانت، وشكسبير، وملتون، وبيرن، وهيكو، وهينة، وتولستوي.

ويَرَى أنه من الظلم إجراء مقارنة بينهم؛ لأن أولائك عاشوا ليتغزلوا بظباء الفلاة ولمعان المشرفيات ووقع سنابك الخيل وأطلال المنازل ونار القِرى، أما رموز الثقافة الغربية “فقد اختارتهم السماء أصفياءها، ولمست شفاههم بجُمرة الحق؛ فكانت عظاتهم تتقد به، وتلمس القلوب المظلمة فتجعلها آنية جديدة للحق…” ([6]).

ويمضي في وصف أصحاب الإحياء في اللغة بأنهم كالضفادع، يصيحون أمام كل تجديد، ويحصرون اللغة في النحو والصرف والبلاغة والعروض فقط، ويكتب بأسلوب التهكم على عِلم الخليل بن أحمد الفراهيدي، في مقال “الزحافات والعلل”، قائلا: “الزحافات والعلل أوبئة تنزل بالشعر العربي…”([7])، ثم يُواصل قائلا: “لقد مات الخليل يا أخي، ومنذ أن مات الخليل حتى اليوم ونحن مُنغمسون في درس الخبن والخبل والترفيل والتذييل والنقص والوقص والكسف والخرم والثلم… إلى أنْ ملكنا ناصية العروض، وأصبحنا بمنة الخليل نُميِّز بين صحيح أوزان الشعر العربي وفاسده”([8]).

إنَّ ميخائيل نعيمة يدعُو بصيغة التهكُم إلى نبذ الأوزان العروضية التي اكتشفها الخليل، وإلى هجر الزحافات والعلل؛ لأنها كبلت الشعر العربي، ولم ينهض الشعر من خلالها. ويظهر أسلوبه الفلسفي -الذي أسبغ على كلامه طابع الحزن والحسرة- على الشعر العربي وكأنه مات وهو يقوم بنعيه والسير في جنازته، وتبدو مظاهر افتتانه في منجزات الغرب ورغبته في تحويل الأدب العربي صورة مُستنسخة من أدب الآخر في مقاله “فلنترجم”.

إنَّ المتمعِّن في كاتبات نعيمة، وما عرضه من قضايا تخصُّ الأدب العربي، يُلاحظ التناقضَ بين ما يَسْعى إليه نعيمة، وبين موقفه من الاعتزاز بالثقافة العربية، وأنها في غِنى عن النقل من الثقافة الغربية في قوله: “إنَّ الشرق لفِي غنىً عن اقتباس حرف واحد من المدنية الغربية”([9]). وما يُؤكد اعتزازه بالثقافة العربية قوله: “أيها الضفادع، إنَّ لغتنا الشريفة لفي خطر كبير، تلك اللغة التي تسلمناها نقية من الأدباء، وقطعنا على أنفسنا ميثاقاً أن نسلمها طاهرة إلى الأبناء والأحفاد…”([10]).

إنَّ كلامَه يعيش نوعًا من التصدُّع، فعندما تحدَّث عن رموز الثقافة العربية تجلَّى حديثه عن القصور والعجز في التجديد والإبداع، وها هو يعود في غرباله ويعتبر المتنبي “قوة حية في آدابنا”، وكذلك يتحدث عن أبي العلاء وشعراء الأندلس.. قائلاً: “إن أبا العلاء لو نظم “غير مجد في ملتي واعتقادي” بلغة درعاتية، ورسائله، لما كانت لنا “غير مجد”؟

وأنَّ شعراء الأندلس لو تحدُّوا في نظمهم الجاهليين والمخضرمين، لما كانت لنا موشحات الأندلس؟”([11]).

وحين تصفحتُ سيرته “سبعون”، وبالتحديد في حديثه عن الغربال، وجدت أنَّه يرجع ازدهار الشعر في الأندلس؛ لأنه نما وترعرع خارج المنابت الأصلية، فيقول: “ما أضفَى على الشعر العربي في الأندلس عذوبة، لم تكن له في منابته الأصلية.. فأين هو من نعُومة إسبانيا وطراوتها، خشونة البادية وجفافها “@.

ويبدو هذا التناقض في “الزحافات والعلل”، فقد بدأ بأسلوب التهكُّم على الخليل وعلمه، ثم عاد ينفي عن نفسه التهكُّم.. قائلاً: “لا، وتربة الخليل لست مُتهكِّما؛ فلعروض الخليل فضلٌ عليَّ كبير، ولأصحابنا الملاحين فضل أكبر”([12]).

إنَّ نعيمة في غرباله صوَّر مظاهر العجز والقصور في الآداب العربية، فانبهاره بالحضارة الغربية جعله ينظر للأدب العربي نظرة قصور وعجز، ورأى أنه لابد من الترجمة من الآداب الغربية؛ لأنه يرى أنه “ليس عِندنا من الأقلام والأدمغة ما يَفِي لسدِّ حاجاتنا الروحية”. إنَّ “غربال” نعيمة يفتقرُ لكثيرٍ من الدلائل والبراهين ليقنع المتلقي بأفكاره التي حاول فيها خَلق صورة قاتمة في ذهن المتلقي عن الأدب العربي.. مثلا: عندما تحدَّث عن الشعر والشاعر في قوله: “كُلنا نتكلم عن الشعر كأننا نعرف ما هو الشعر كما نعرف الخبز والماء…”([13]). لم يذكر تعريفاً جامعاً مانعاً -كما يقول- حتى نعرف رأيه في الشعر بوضوح.

وعندما نَبذ أوزان العروض، ودعا إلى هَجْر الزحافات والعلل، لم يَضَع بَيْن يدي القارئ أنموذجًا للتجديد الذي يتحدَّث عنه، ولو وضع بعض التجديد الذي أظهره في ديوانه لكان أفضل.

إنَّ نظرة نعيمة للتجديد في الأدب العربي، تحت مظلة الآداب الغربية، جعلتْ أطروحته تحمل رايتيْن تتصارعان في عقل واحد: راية المفتون بالآخر: الذي يرغب باستنساخ ما عنده من منتجات فكرية. وراية أخرى تحمل “عنوان المحبة والاعتزاز بالثقافة العربية”؛ فحين حَمل فكر نعيمة في جوفه رايتيْن مختلفتيْن حدث الصدع، وبان الأخدود العظيم في أطروحته.

إنَّ أعذبَ كلماتٍ ترجمها فكر نعيمة في غرباله، وأعتقد جازمة أنَّه لو بنى غرباله من مُنطلقها لانقلب الافتتان بالمنجزات الغربية إلى افتتان بالثقافة العربية، ولكانت سيدة الموقف.

لا تقولوا إننا نيام والغرب مستفيق…

لا تقولوا إننا أموات وهو حي

لا تقولوا أْن لا مواهب عندنا مثله ([14])

يبقى “غربال” نعيمة شاهداً على فِكرٍ جسَّده حِبر نعيمة على صَفحات الأدب العربي، تلك الصفحات التي تحمل حنينَ المُحب للجديد، وفي الوقت نفسه حنين المحب لثقافته العربية وتطويرها نحو الأفضل.. فمهما بَدَت الصُّدوع والأخاديد على خريطة افتتان نعيمة بالمنجزات الغربية، فإنَّ الأرض التي نشأت عليها تلك الصدوع تبقى الهيكل العَظْمِي لأطروحة نعيمة، والخيال جسمها الذي تستتر وراءه.

‭—————————————‬

‭ ‬أهم‭ ‬المراجع‭ : ‬

[1]) توماس بين: 1737-1809م: مفكر وفيلسوف وزعيم سياسي من زعماء الثورة الأمريكية، بريطاني المولد، من أشهر آثاره (حقوق الإنسان) عام 1794-1797، منع هذا الكتاب في بريطانيا واضطهد الكاتب فاضطر للهرب إلى فرنسا. ومن هناك، ذهب إلى أمريكا لمحاربة الإنجليز.

([2]) موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة: د. روحي البعلبكي، دار العلم للملايين-بيروت-ط3- مايو 2000م-ص:486.

([3]) فلسفة ميخائيل نعيمة، د. محمد شفيق شيا، منشورات يحسون الثقافية، بيروت-لبنان، ط3، 1987م، ص:309.

([4]) ميخائيل نعيمة، “الغربال”، مؤسسة نوفل، ط16، 1998م، ص:49.

([5]) المصدر السابق نفسه، ص:49.

([6]) المصدر السابق نفسه، ص:50-51.

([7]) المصدر السابق نفسه، ص:116.

([8]) المصدر السابق نفسه، ص:117.

([9]) فلسفة ميخائيل نعيمة، ص:309.

([10]) “الغربال”، ص:99.

([11]) المصدر السابق نفسه، ص:103.

@ميخائيل نعيمة، “سبعون”، مؤسسة نوفل، بيروت – لبنان، ط16، 1403هـ- 1983م، ص:208.

([12]) المصدر السابق نفسه، ص:119.

([13]) المصدر السابق نفسه، ص:81.

([14]) المصدر السابق نفسه، ص:56.

548 total views, 8 views today