Hadrami

محمد بن سليمان الحضرمي

المعالم الأثرية الدينية وجهٌ بارزٌ في ولاية نزوى؛ حيث تشتهر تلك الولاية بوجود الجوامع والمساجد ذات التاريخ العريق، والتي شيِّدت خلال فترات مُتعاقبة. ورغم تقادم الزمان، وتوالي القرون، إلا أنها بقيتْ -حتى اليوم- منارات دينية وثقافية وتعليمية؛ فهي لم تكن أمكنة لأداء الصلوات المفروضة، بل جامعات ومعاهد ومراكز ثقافية، في زمن لم يكن فيه مثل هذه المعالم، ولم تعرف الدولة الإسلامية في السلطنة مثلها. كان الجامع هو الجامعة، والمسجد مدرسة لتعليم القرآن الكريم، وهو ما تؤكده تلك النقوش والكتابات التي سطَّرها التلامذة المتعلِّمون على جُدران الجامع والمساجد، وبقيتْ شاهدا على زمن دراسي بعيد، زمن كان المتعلمون يكتبون فيه بأقلام الروغ -وهو نبتة تنمو في بطون الأودية- وأما الأحبار فكانت تُصنع محليًّا.

معمار ما قبل ألف عام

ولأن الجوامع والمساجد القديمة هي أحد الوجوه الأثرية المشرقة في مدينة نزوى، فإننا في هذه الإطلالة سوف نسلط الضوء على واحد من أهم جوامعها؛ وهو: جامع سعال، الذي يُعد مَعْلماً أثريًّا مهمًّا يعود تاريخ بنائه إلى فترة حكم الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237هـ-273هـ).. تاريخٌ بعيد مَضَى على هذا الجامع، والذي لا يزال شامخا حتى اليوم، وذكريات دراسية كثيرة ترَعْرَعت في صحنه الكبير، ذكريات المتعلمين لعلوم اللغة والشريعة، والذين أصبحوا بعد ذلك فقهاء وأدباء.

ولو تتحدَّث أركانُه لأفصحتْ بالكثير، مما لا يزال خافيا عنًّا؛ حيث لا نعرف عن تلك الأزمنة البعيدة إلا القليل.. أكثر من ألف قرن، ليس بالأمر الهين، مَوْضع شريف وبناء يُشبه القبلة في تموضعه، تؤمه عُيون المصلين والمتعلمين، بناء مَهِيب بمقياس ذلك الزمان؛ حيث يتواضع المعمار، ولا يشمخ إلى الأعلى كثيرًا. ولأنه شُيِّد ليكون جامعا وجامعة، فقد وضح جليًّا الهدف من أناقة معماره، في الساحة التي يقع فيها؛ حيث تحيط بها البيوت والحارات. وحتى يبقى في مأمن مما يعتري البلاد من سيول وأمطار قد تجرف العمران المشيَّد في الأماكن المنحدرة؛ فقد شُيِّد هذا الجامع في بقعة مرتفعة؛ حرصاً من معماريي ذلك الزمان على بقاء الجامع صامداً في وجه أي تغيُّر مناخي.

تحفة عُمرها سبعة قرون

وإلى جانب تاريخ بنائه، يضم الجامع تحفة أثرية لا يوجد له مثيل في كل الجوامع الموجودة داخل مدينة نزوى؛ وهي محرابه المزخرف، والذي يعود إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي؛ أي: بعد ما يقرب من أربعة قرون من بناء الجامع الأصلي، ولا تسعفنا مراجع التاريخ العُماني بأي معلومة عنه، سوى أن الجامع بُني في زمن الصلت بن مالك الخروصي، ولا نعرف الوضع الذي كان عليه الجامع.

ويذكر د. عبد العزيز صلاح سالم اختصاصي الآثار بمنظمة “الإيسيسكو”، في مقالة له تتناول مدينة نزوى العُمانية، ودورها في الحركة العلمية في القرون الأولى للهجرة، أنَّ “مسجد سعال” عمَّره عددٌ من العلماء، وأقيمتْ فيه حلقات الذكر والتدريس، وتخرَّج فيه عدد كبير من العلماء. ولهذا المسجد دَوْر كبير في نشر التعليم الديني، ويُعد من أقدم مساجد عُمان وأهمها؛ فهو عبارة عن بُرج شامخ، وأبواب من الخشب الخالص، ومكان صغير للوضوء.. بُني في السنة الثامنة من الهجرة، وجُدِّد بناؤه عدَّة مرات. محرابه من أقدم محاريب مساجد مدينة نزوى، بل من أقدم محاريب مساجد سلطنة عُمان قاطبة.

الخط الكوفي في المحراب

إن وقفة واحدة أمام هذا المحراب كافية بأن تسلب اللب؛ حيث إن الواقف أمامه يقف أمام تحفة فنية تعود إلى سبعة قرون ماضية.. محراب أنيق، أبدع النقاش في رسم تحفته، وتطويع الطين المحروق لصناعة محراب لا يُوجد له مثيل في الدقة والتناسق، وتحفة لا تزال عالقة في جِدَار الجامع، مُصاغة بطريقة مُتماسكة، كتبت بتاريخ ربيع الثاني 650هـ/ يونيو 1252م؛ ليشهد المحراب على مهارة الصانع، وعلى المستوى الفني والتقني العالي، وخبرة فناني عُمان الذي عاشوا في ذلك الزمان، وبراعتهم في فن زخرفة الجص.

صُمِّم المحراب بطريقة ظهر؛ تتقارب فيه أضلاعه طولًا وعرضًا؛ ليظهر مربعَ الشكل، بطول ثلاثة أمتار لكل ضلع، وإطاره الخارجي تحيط به من الداخل والخارج كتابات قرآنية، كُتبت بالخط الكوفي. أما الجزء السفلي، فيحتوي على اثنين وعشرين ختماً، يحملُ كلٌّ منها رسماً زخرفيًّا متنوعاً.. وهذه القراءة التي أسوقها، هي للباحث الإيطالي “إيروس بلديسيرا”، الذي زار السلطنة بتكليف من وزارة التراث والثقافة، وقدَّم قراءة لكل المحاريب في الجوامع والمساجد العُمانية، ونشرها في كتاب مُستقل، صدر عن الوزارة بعنوان: “المساجد العُمانية”.

وهذا الباحث هو أول من حلَّل تلك الكتابات والنقوش، وكل ما يَرِد عن تلك المحاريب الجصية من قراءات وتحليل، ليس إلا نقلاً عنه؛ فإليه يعود الفضل؛ حيث أشار إلى مسألة الأختام الجصية التي تُوجد في محراب جامع سعال، وهي أختام تتقارب في الحجم، لكنها مُختلفة في الشكل؛ الأمر الذي يؤكد على الحسِّ الفني الهائل للنقاش؛ فهو يملك قدرات فنية إبداعية، ظهرتْ في تحفته النقشية، والتي هي محراب جامع سعال.

ويقول بلديسيرا في تحليله لنقوش المحراب: يحتوي المحراب على إطار مستطيل؛ يُقرأ فيه توقيع الصانع على النحو التالي: “مما أمر بعمله العبد الراجي رحمة ربه أحمد بن إبراهيم بن محمد السعالي”، والصانع لم يدع مساحة في المحراب إلا ملأها بالعناصر الزخرفية؛ من: الخطوط المتشابكة، ورسوم الأرابيسك.

أعمدة تدعم تماسك الجدران

وأما بناء الجامع من الخارج، فتظهر فيه الأعمدة التي تدعم تماسك جدران الجامع؛ وهي فكرة تطبَّق في بعض المعالم العملاقة، ولكنها تظهر بصورة أفضل وأوضح في جامع سعال، من مختلف جوانبه، وبفضل تلك الأعمدة بقيتْ جدران الجامع ولم تتهاوَ، وحفظت لنا تحفة أثرية.

وشكَّلت الأبواب والمنافذ صُوْرة أخرى لاستغلال الضوء وتسلل النسيم من جهتي الشمال والجنوب؛ حتى يبقى مُحافظا على تهويته وإنارته الداخلية.

وبصُوْرة عامة، فإنَّ جامع سعال -بعراقته، ومحرابه التحفة، وأثره الثقافي، ودوره التعليمي- يُعد إحدى المنارات الدينية، التي بها أصبحت مدينة نزوى مؤهلة لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية.

5,180 total views, 11 views today