RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

كَانَ العامُ المنصرمُ محطةً حافلةً بالأحداث المثيرة في العالم الغربي؛ حيث وَجَدْنَا في أكثر من قُطرٍ صُعُوْدَ قوى جديدة خارجة عن المؤسسة الحاكمة؛ حيث لم تكن الشخصيات التي بَرَزَتْ من النمط التي اعتاد الإعلام التعاطي معها بالشكل الذي كَانَ سائدا طيلة العقود الماضية؛ فخرجتْ على الساحة الإعلامية بالتزامن عِدَّة مُصطلحات سياسية يَنْبَغي التوقُّف عليها؛ لما تحمله بَيْن طياتها من دلالات سياسية وإشارات إلى تشكيل مُجتمع ما بَعْد بَعْد الحداثة من داخل النظام الديمقراطي الرأسمالي النخبوي، الذي ساد في المجتمع الغربي طيلة السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية.

المحطَّة الأولى: المجتمع أو السياسة ما بعد الحقيقة (Post-Truth)
أَضَافتْ الهيئة المتخصِّصة في جامعة أكسفورد هذه الكلمة في قاموسها الشهير، وعرَّفتها: بأنَّ المصطلح يرتبط -أو يُطلق على- الظرف الذي تكون فيها الحقائق الموضوعية قليلة التأثير في تشكيل الرأي العام؛ بحيث أنَّ العواطف والمعتقدات الفردية هي التي تكون سائدة -بمعنى غياب العقل والموضوعية في اتخاذ القرار عند التصويت. ويأتي هذا المصطلح مع تَنَامي استياء الشعوب من الساسة والأنظمة المنحازة للفئة الغنية، والتي تملك أغلب الرساميل والمدخرات بما تعرف بفئة الـ1%. وهذا المصطلح تعاظم استخدامه في الإعلام بأكثر من 2000% من العام 2015 بعد التصويت بخروج بريطانيا العظمى من الاتحاد الأوروبي جرَّاء الاستفتاء الشهير؛ حيث روَّج بعضُ الساسة البريطانيين سياسةَ الخروج من الاتحاد الأوروبي بمعلومات مُضلِّلة، بعيدة عن الحقائق؛ مما أدى إلى تصويت الناخب بتأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي بعدما كانتْ عضواً فيه لمدة أربعين عاما. ولم يَشْهَد المجتمعُ البريطانيُّ طيلة العقود الماضية حالةً من الازدراء من الحزب الحاكم؛ خاصة بعد أنْ استفتى الجماهير الأسكتلندية بالبقاء في الاتحاد البريطاني اعتماداً وثقةً بالاطمئنان الذي قُدِّم لهم من ويستمنستر بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تضليل الرأي العام بمعلومات تتعلَّق بدعم القطاعات الحيوية من الصحة والتعليم والقطاعات الخدمية الأخرى، والتي تُؤثِّر في الطبقات الاجتماعية الدنيا.

المحطَّة الثانية: الشعبوية (Populism)
هَذَا المصطلح يبرُز بشكل أساسي -كما يعتقد بعض الباحثين- في الأزمنة التي لا يستطيع فيها الحزب الحاكم أداء دَوْر فعَّال في إيجاد حُلول ناجعة، في ظل وجود أزمات عميقة ومُتعاقبة؛ كإخراج الاقتصاد من حالة الرتابة والأزمة، أو غيرها من القطاعات التي تحتاج لسياسات مغايرة، وعمليات جراحية خارجة عن المألوف؛ فتبرُز بعض الشخصيات “الشعبوية” تَطْرَح برامج سياسية توجَّه مباشرة إلى مخاوف الشعب، وتسلِّط الضوء على تطلعات العمال والمهمَّشين اقتصاديًّا؛ كما حَدَث في الثمانينيات من القرن المنصرم، عندما بَرَز نجم رُونالد ريجان، والذي أنيط إليه إخراج الاقتصاد من حالة الركود باتباع سياسات مغايرة تماما، واتباع سياسات مالية مبنية على الأيديولوجية الملتونية -نسبة إلى ملتون فريدمان- النيوليبرالية. وعادتْ الكرَّة من جديد في بروز -أو إبراز- نَجْم خارج عن المألوف صَعَد إلى سُدَّة الحكم بعدما فشلتْ الإدارات السابقة في إيجاد سياسات تصب في مصلحة المواطن العادي، والذي يُكافح لقوت يومه. وكذا في دول الاتحاد الأوروبي؛ حيث نَجِد أصواتَ اليمينين وأصوات الماركسيين الجدد تتصاعد بوتيرة لم يَسْبِق لها مثيل، في ظل تدهور شعبية النخب الحاكمة، وتراجع أوار برامجها السياسية المنحازة لطبقة الصفوة والمجتمع المخملي.

المحطَّة الثالثة: المجتمع المشارك
كُلُّ سياسي يُحاول أنْ يجذب إليه الجماهير من خلال رُزمة من الإصلاحات، وخطة عملية لتطبيق سياساته، والوصول إلى أكبر عدد من الشرائح المختلفة في المجتمع. فبرزت في عَهْد المحافظين في بريطانيا مُصطلحات كـ”المجتمع الكبير” في حكومة ديفيد كاميرون، ومصطلح “المجتمع المشارك” في الحكومة الحالية؛ ويراد منه تقليص الفوارق الاقتصادية بين القطاعات المختلفة، والتركيز على المسؤوليات المشتركة باتجاه الآخر، واحترام المجتمع والعائلة وقيم المواطنة، والحفاظ على المؤسسات الرسمية والتعهُّد بالمساواة بين المواطنين.
وبِقِرَاءة سريعة لهذه المصطلحات، وما تَحْوِيه من دلالات سياسية واجتماعية، خاصة وأنَّها تُشاع في المجتمعات التي مِن المفترض أنْ تكون أحسن حالا من المجتمعات الريعية، أو المجتمعات التي هي في قيد التطور والنمو، في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، نستطيع أنْ نستنتج أنَّ السياسات الرأسمالية الاحتكارية والتي لا تهتم كثيراً بمختلف الطبقات الاجتماعية، ولا تراعي احتياجات المواطنين الفعلية، لن تكون مآلاتها بأحسن حال من مآلات الدولة الناشئة، بل قد يكون وضعها أصعب لوجود المؤسسات المراقبة والنظم الدستورية التي تعطي المواطن الحقَّ في اختيار المسؤول الذي يُمثِّله.
وآخر دَعَوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين…،

1,321 total views, 2 views today