محمد عبده الزغير محمد
كاتب وباحث من اليمن


 مقدمة:

  مع بداية الألفية الثالثة ظهرت في المنطقة العربية، مجلتان تحملان اسم “تسامح” و “التسامح” الأولى تصدر عن مركز رام الله لدراسات حقوق الانسان، وهي مجلة فكرية دورية محكمة تعنى بقضايا التسامح وحقوق الإنسان. وقد صدر العدد الأول منها في بدايات عام 2002. والثانية، صدرت عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان في شتاء العام 2003، وتحول اسمها لاحقاً الى مجلة “التفاهم” في العام 2011. وهي مجلة فصلية فكرية إسلامية.

ويجمع بينهما انهما معنيتان بقيمة “التسامح” والعمل الفكري، فالأولى تركز على التسامح الانساني وتنّظر لحقوق الانسان في المجالات المختلفة، والثانية تُعنى بالتسامح الديني وتعزيز خطاب إسلامي متوازن على أساس التفاهم والحق في الاختلاف والتعددية في وجهات النظر. [1]

 ومن هنا جاء حرصي على استعراض العددين الأخيرين من المجلتين، العدد (69) من مجلة “تسامح” والعدد (68) من مجلة التفاهم (التسامح سابقاً) ونشرهما في مجلات ثقافية في كل من فلسطين وسلطنة عمان أو غيرهما من الدول العربية.[2] بهدف اطلاع المعنيين بالقضايا الفكرية المرتبطة بمجالي الدين وحقوق الانسان بأهم اصدارين في المنطقة العربية، من وجهة نظري، يتناولان قيم التسامح والتفاهم والحوار.

 ومنها أوجه دعوة الى الجهات المعنية بالإصدارين الى التعاون المشترك بينهما، وتنسيق الجهود الحكومية والأهلية بينهما لقضايا التسامح والسلام، ليعكسا واقع كل من فلسطين وعمان، ففلسطين كانت نموذج للتسامح والتعايش الديني عبر مراحل التاريخ ولا تزال، وقدمت سلطنة عمان نموذجا مشرفا للتسامح والسلام والتعايش الديني بين مختلف فئات المجتمع والمقيمين في كنفها. وفيما يلي اعرض تعريف موجز عن كل مجلة واستعراض محتوى العدد الأخير منها.

  1) مجلة تسامح: تصدر مجلة “تسامح”، عن مركز رام الله لدراسات حقوق الانسانThe Ramallah Center for Human Rights Studies (RCHRS) الذي تأسس في مدينة رام الله في العام 1998، وهو مؤسسة أهلية فلسطينية تعنى بتعزيز قيم حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.  ويعمل المركز على نشر ثقافة وقيم التسامح والمواطنة المستندة إلى مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة، ومن بينها إعلان المبادئ بشأن التسامح الذي اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في العام 1995.

 ويعد المركز منظمة مستقلة غير ربحية، تعمل على رفع الوعي حول وثائق وموضوعات حقوق الإنسان والتسامح والديمقراطية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي منطقة الشرق الأوسط، بهدف نشر ثقافة حقوق الإنسان والتسامح من خلال دعم الحوار بين الأديان، بين الثقافات والحوار غير العنيف. وتشمل الأنشطة الرئيسية للمركز RCHRS البحوث النظرية والتطبيقية، والمشاريع المجتمعية، والبرامج التعليمية، والتوعية والدعوة. كما يوثق المركز ويعمل على زيادة الوعي بانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين ويدعو إلى ضرورة حماية العدالة والحريات الأساسية للجميع. وفي السنوات الأخيرة، نشر المركز عددًا متزايدًا من التقارير والكتب والإصدارات. كما يرأس المركز الشبكة العربية للتسامح التي تضم 23 مركزا وشخصية عربية من 18 دولة عربية تعمل على إرساء مفاهيم وقيم التسامح في المجتمعات العربي. [3]

  وللاطلاع على مضمون المجلة، اعرض هنا، العدد (69) من مجلة “تسامح” الذي صدر في يونيو 2020، وتتضمن “افتتاحية العدد” التي أعدها د. إياد البرغوثي، رئيس التحرير، حيث استعرض فيها الذكرى الثانية والسبعين للنكبة الفلسطينية. ذكرى تأسيس دولة إسرائيل في فلسطين، وتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وذكرى ميلاد قضية تمثل أهم صراع بين العدل والظلم، وبين الحق واغتصاب الحق، وبين الإنسانية والتوحش. وأشارت الافتتاحية الى أن الذكرى الثانية والسبعين للنكبة تختلف عما سبقها في أنها جاءت بعد الإعلان عن صفقة القرن (صفقة ترمب) الذي أعطى الحق للقاتل للتصرف بضحيته كما يريد. لا شيء جديد على الأرض فالاحتلال وممارساته لم تختلف قبل الصفقة عما بعدها. لكن هي فرصة أخرى لكي تدرك الضحية -والضحايا المرشحين- أن التوحش لا يتراجع بالتسامح معه، وأن على الضحايا أن تكف عن استسهال دور الضحية الذي لا يردع قاتلاً ولا يعيد حقاً. [4]

واشتمل العدد على (4) أقسام، بالإضافة الى الافتتاحية، وهي: الدراسات والمقالات، ودراسات قانونية، وتقارير، وثقافة. وسوف اعرض بإيجاز ما جاء في قسم “الدراسات والمقالات” لأهمية هذا القسم. ففي هذا القسم تمت مناقشة (5) موضوعات بين دراسة او مقال، كالتالي:

  • دراسة واقع التعليم الديني في المناهج التعليمية الفلسطينية الرسمية – رؤية إسلامية تنويرية، أعدها د. بلال زرينه، وهو باحث متخصص في الدراسات الإسلامية- بجامعة القدس. تناول فيها موضوع واقع التعليم الديني الرسمي الفلسطيني المتمثل بشكل رئيسي في كتاب التربية الإسلامية لمختلف الصفوف والمراحل الدراسية؛ من حيث مطابقة هذا التعليم للمبادئ الإنسانية والأخلاقية الكبرى التي نادى بها الدين؛ وأكدتها منظومات حقوق الإنسان المعاصرة من مراعاة الكرامة الإنسانية، وحرية الاختيار والضمير والتعبير، والمساواة بين البشر بصرف النظر عن الجنس والمعتقدات، والإقرار بحق الاختلاف، وعدم الإكراه والإرهاب الفكري، وتحقيق مقاصد الشرائع السماوية في التعارف والتعاون والتضامن الإنساني، وتحقيق السلام بين الشعوب والأمم، وتشجيع التسامح. وقد تألف هذا البحث من تمهيد وثلاثة محاور وخاتمة عُرض فيها أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة والتوصيات المقترحة.

وخلصت الدراسة الى دعوة وزارة التربية والتعليم لتشكيل لجنة علمية وأكاديمية تمثل جميع شرائح وأطياف المجتمع الفلسطيني ومثقفيه وخبرائه والفقهاء المعتدلين والمستنيرين لمراجعة دقيقة للمنهاج، وإزالة ما يتعارض مع المواثيق الدولية ووثيقة الاستقلال والقانون الأساسي الفلسطيني، واستبدال ذلك بنصوص واجتهادات تعزز المواطنة والشراكة والتسامح والتعايش بين المواطنين خصوصا والانفتاح على الشعوب والثقافات العالمية عموما. وهناك توصيات أخرى ذات صلة.

  • موضوع “نحو استراتيجية متكاملة في معالجة هموم المسلمين والمسيحيين في العالم العربي”، أعده د. أياد البرغوثي، وهو رئيس تحرير مجلة تسامح. تناول فيه «هموم» المسلمين والمسيحيين، على أساس أنهم اتباع ديانتين مختلفتين، الإسلام والمسيحية، واحدة تشكل أغلبية والأخرى أقلية، وبالتالي فإن هموم الطرفين مختلفة. مع الأخذ في الاعتبار ان العالم العربي يوجد فيه إضافة إلى «الأغلبية» المسلمة أقليات دينية وعرقية مختلفة من بينها المسيحيين، اليهود والأيزيديين وغير المتدينين.

وأشار الى ان التمييز من قبل الدولة لصالح أغلبية أو ثقافة أغلبية من مواطنيها وهو في هذه الحالة المسلمين والثقافة الإسلامية، إضافة إلى انتشار عملية الأسلمة في العقود الأخيرة واتخاذها بعداً أيديولوجياً وتنظيمياً من خلال حركات الإسلام السياسي المختلفة أدى إلى وقوع عملية تمييز تحولت لأسباب كثيرة إلى عمليات اضطهاد كبيرة للمسيحيين وغيرهم من المكونات الدينية الأخرى، في كثير من المناطق العربية وخاصة في العراق وسوريا على أيدي داعش والمنظمات الإسلامية المتطرفة الأخرى.

 وخلص الموضوع الى أن الكلمة السحرية التي تصلح لأن تكون استراتيجية شاملة لتفكيك مبررات الاضطهاد وهضم الحقوق لأي فئة موجودة في المجتمع، خاصة تلك الفئات المبنية على أساس ديني، والتي تعالج هموم المجتمع وتبدد مخاوف الجميع أفراداً ومكونات هي كلمة التسامح التي تشكل طريقاً وممراً اجبارياً إلى دولة ديمقراطية حقيقية، وثقافة شعبية سليمة.

وعليه ينبغي أن تعالج أية استراتيجية لمعالجة هموم المسلمين والمسيحيين في العالم العربي، الإقرار والاعتراف بالاختلاف وبالمكونات المختلفة للأمم، باعتبارها مسألة ضرورية للتقدم نحو حالة أرقى من التسامح ومن ثم نحو الديمقراطية، وللوصول إلى ذلك أشار الكاتب بأن هناك واجبات تقع على الدولة وكذلك على المجتمع المدني والنخب، حيث لا بد من اجراءات منها ما هو سريع ومنها ما هو طويل الأمد.

ونوه الى أهمية إعادة الاعتبار للقضايا العامة الكبرى التي أصبح واضحاً مدى ضرورتها لإعادة اللحمة بين مكونات المجتمع، فالانقسامات تزداد كلما تراجعت القضية الفلسطينية على سبيل المثال، والعكس صحيح. لذلك فإن إعادة الاعتبار لتلك القضية بصفتها القضية المركزية، أو القضية الأم، أو قضية القضايا سوف تعيد الجميع إلى الوضع السليم.

  • بحث نظري عن “العرب والبحث عن دولة الإنسان”، للمفكر والكاتب/ محمد محفوظ، من السعودية. عالج فيه عدد من الموضوعات، هي: العرب والاستدارة نحو الداخل، وربيع العرب، والعرب والإصلاح، والعالم العربي والحكم الرشيد، وتفسير الظاهرة. وخلص الباحث الى أن التحول نحو دولة القانون والإنسان، بحاجة إلى الإرادة السياسية التي تتجه صوب تجاوز كل المعيقات والمشاكل التي تحول دون بناء دولة القانون والإنسان، وتحرير المجتمع المدني ورفع القيود عن حركته وفعاليته حيث أن الدولة بوحدها، لا تتمكن من خلق كل شروط ومتطلبات التحول. وأنه لا سبيل أمام العرب اليوم إلا بناء دولة الإنسان والقانون وصيانة الحقوق والنواميس، هذه الدولة حتى ولو امتلكت إمكانات محدودة وقدرات متواضعة، هي قادرة بتلاحمها مع شعبها وبتفاني شعبها في الدفاع عنها، على مواجهة كل التحديات والمخاطر.
  • موضوع “كورونا والتدين”، أعده زهير الدبعي، المدير الأسبق للأوقاف والشؤون الدينية بنابلس. خلص فيه الى أنه علينا إعادة النظر في أولوياتنا، وعلينا إعادة النظر في خطابنا الديني ومعايير التدين. وإننا بحاجة إلى خطاب ديني ومعايير تديّن تسهم في إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع والاوطان والأمة والبشرية كلها، وبالتالي تضع حدا للتهويل في أهمية الطقوس والشعائر والتهوين في حق كل مسلم وكل إنسان في الحياة الكريمة الآمنة المستقرة الحرة العادلة النامية، وبالتالي توظيف ثروة الامة لمصلحة تطوير إنتاج الغذاء والدواء وتطوير التعليم المدرسي والجامعي وضمانات اجتماعية جدية ومجدية.
  • موضوع “ازمة كورونا واعادة خلط الأوراق”، أعده زياد عثمان، وهو عضو هيئة تحرير مجلة تسامح، من نابلس. ناقش فيه العناوين التالية: مناهج متعددة في إدارة الأزمة، تناول فيه: أولاً: النموذج الصيني: العزل والمنع الشامل مترافق مع نظام صحي فعال، وثانياً: نموذج آسيوي آخر: كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، والنموذج الثالث: أمريكا وبعض دول أوروبا (نماذج مختلفة من أوروبا). وعرض أيضا تحت سؤال ماذا عن العرب؟، وخلص الى أن الاجراءات التي اتخذتها البلدان العربية الفقيرة منها والغنية، المستقرة وغير المستقرة، تشابهت كثيرا فيما بينها وكانت أقرب الى النموذج الصيني في شقه المتعلق بالتباعد الاجتماعي، والحد من الحركة وايقاف الكثير من مرافق الحياة العامة والخاصة، والسبب في ذلك انه المنهج الاقل كلفة والاكثر ضمانة في ظل محدودية الموازنات وامكانيات الحكومات وفي ظل الضعف العام للأنظمة الصحية. وركز الموضوع على جهود الحكومة الفلسطينية وادارتها ازمة كورونا. وأشار الى ان الحكومة الفلسطينية التي أشرفت وأدارت الازمة المتعلقة بوباء كورونا كانت ادارة ناجحة ضمن معطيات حالة المرض ودرجة تفشيه في فلسطين حتى هذه اللحظة.

وتوصل الموضوع الى عدد من الاستنتاجات، منها ان وباء كورونا حمل كل ما هو سلبي ومخيف ومربك للبشرية في اتجاهه الرئيسي، لكنه ايضا انه وبالرغم من ذلك حمل بعض الايجابيات للبشرية عندما صدمه بقوة وكشف الامراض والعلل الكثيرة التي تنتاب منظومة العلاقات الدولية من حيث السياسات والتوجهات والاولويات، وفتح الاعين امام قادة الراي العام في العالم اجمع على امور كانت مهملة او مهمشة حتى الامس القريب ومنها؛ الانسان ذاته كقيمة ووجود وكيان، كان غائبا ولم يكن ضمن دائرة اهتمامات هذا النظام ومخططيه من الحكومات المقررة في السياسة الدولية.

 وتضمن محور دراسات قانونية، موضوع واحد عن “علاقات العمل في ظل حالة الطوارئ لمواجهة جائحة كورونا“(قراءة قانونية للمادة (38) من قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 (، أعده الباحثون: رياض عيسه، الأء ربعي، تامر قرع من رام الله / ونقولا أبو حنك من عمان بالأردن.

وفي محور تقارير، تم استعراض تقرير “العنف السياسي والاجتماعي ضد النساء من منظور النوع الاجتماعي”، أعدته دنيا الأمل إسماعيل، وهي كاتبة وباحثة نسوية من غزة.

 واشتمل محور ثقافة، على موضوعين، الأول بشأن “التسامح في الامثال الشعبية الفلسطينية”، أعده لبيب فالح طه، وهو باحث مقيم في رام الله. والموضوع الثاني عن “سلطة الحق … سلطة الضوء”، أعده الدكتور/ عبد الحسين شعبان، وهو مفكر وكاتب من العراق وواحد من رواد حركة حقوق الانسان العربية.

وبشكل عام يلاحظ التركيز على البعد الحقوقي في عرض الموضوعات كافة، والمشاركة المحدودة للباحثين، فقد وصل عدد موضوعات العدد الى (10) موضوعا بما فيها الافتتاحية، كتبها (12) كاتب منهم (9) من فلسطين و(3) من دول عربية، هي الأردن والعراق والسعودية. ويمكن تبرير ذلك بان نشاط المركز الرئيسي يتركز في فلسطين أساسا، مع الأخذ في الاعتبار ان المؤسسة غير حكومية، وبالتالي فان ميزانيته تعتمد على دعم المنظمات والهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وما تقدمه من تمويل لتنفيذ برامج محددة، بالإضافة الى المصادر الذاتية، وقد لا يسمح حجم الدعم بالتوسع العربي والدولي، وتحديدا ما يرتبط بالإصدارات وعقد الفعاليات الإقليمية والدولية كالندوات والمؤتمرات.

 ونظراً لان المركز معني بتعزيز قيم حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، فأن الأمر يتطلب السعي الى مد شراكات أوسع مع جهات حكومية وغير حكومية على المستوى الإقليمي (العربي والإسلامي) والدولي.

2) مجلة التفاهم (التسامح سابقا): تصدر المجلة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان. فقد صدر العدد الأول منها في شتاء العام 2003. وهي مجلة فصلية فكرية إسلامية، تعتمد أسلوب المحاور، ويستند كل محورٍ إلى آيةٍ قرانيه، تدور فيه بحوث المتخصصين في الدراسات القرآنية، والعلوم الإسلامية الأُخرى. وتستند التفاهم على نهج إسلاميٌّ وسطي ومعتدل وتجديدي، يتوخى القراءة الجديدة لجوانب الحضارة الإسلامية، وفلسفة الدين، ومعرفة العالَم المعاصر ومواقع الإسلام والمسلمين فيه، ومسائل التعارف والحوار والاستشراف للحاضر والمستقبل.

 وتنشر الوزارة نسخةً من المجلة باللغة الإنجليزية تتضمن مختاراتٍ من مقالاتها العربية. كما تنشر ملحقين أحدهما بعنوان: مراجعات الكتب، والآخر بعنوان: شباب التفاهم.

  صدر العدد (68) من مجلة التفاهم في ربيع هذا العام 2020 [5]، مزداناً بالآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الانعام :165)، وهي الآية التي تنطلق اغلب موضوعات العدد في بحثها.

  حمل العدد عديد من الموضوعات بشأن الفرد ومنزلة الانسان وتعامله مع مشكلات العالم المتعددة. وهذا ما عبرت عنه افتتاحية العدد، التي جاءت بعنوان “الفرد والجماعة ومشكلات الاختلال العالمي”، التي أعدها عبد الرحمن السالمي، رئيس التحرير (سلطنة عمان). حيث عرضت الافتتاحية عدة آيات من القرآن الكريم التي اشارت إلى استخلاف الإنســان في الأرض للإعمار وتحقيق إرادة الله في كرامة الإنسان، وسمو إنســانيته، وهذا الاستخلاف لا تفرقة ّفيه ولا تمييز؛ بل هو شــامل وعام من حيــث تولي المهمة ومســؤولياتها.

 كما تناولت الافتتاحية الاطروحات التي برزت في القرنين الأخيرين التي تعدّ الفرد الإنساني هو المتقدّم، وعُدت هذه المقاربةُ الغربية الفردية روحَ المجتمع الإنساني، أو روح الحقّ الفردي الإنساني. واستنادا الى هذه المقاربة تبلورت ثلاثة فروع: الأول، ما يُعرف بالعقد الاجتماعي بين الأفراد والفئات لإقامة المجتمع. والثاني: النظام الاقتصادي، وما يقوم عليه: أهو الحق الفردي أم المصالح الجماعية. والثالث: النظام السياسي وأساسُهُ هو الحق الفردي أم مصلحة الجماعة في صون أمنها وكفايتها.

 وربطت الافتتاحية تلك المقاربات بموضوع العدالة، وما قدمه بعض المفكرين من رؤى بشأنها في معالجة الاختلالات في العلائق بين الفرد والجماعة، مثل: جون رولز، ومایكل ج. ساندل، وأمارتيا صن. واستعرضت الافتتاحية نماذج من الاختلالات التي أدت الى حروب عالمية وصراعات على الموارد والنفوذ، ودفع الانسان ثمنها، مذكرة باننا اليوم محتاجون إلى التعاون على البر والتقوى من أجل صَون أرواح وأرزاق الضعفاء، وصنع عالمٍ للسلام والتآزر واجتراح الجديد والمتقدّم.

  واشتمل العدد على (6) أقسام، بالإضافة الى الافتتاحية، وهي: المحور (ملف العدد)، والدراسات، ووجهات نظر، وآفاق، ومدن وثقافات، والإسلام والعالم. وسوف اعرض بإيجاز بعض مما جاء في قسم “المحور” لأهمية هذا القسم. ففي قسم “المحور” تم مناقشة (9) موضوعات (دراسة او مقال)، كالتالي:

  • دراسة “الانسان والكون والاستخلاف في القرآن الكريم نحو رؤية إسلامية متوازنة”، عرضها عبد المالك أشهبون (باحث من المغرب). فقد سعت الدراسة إلى الكشف عن المقصديات البانية لصرح الآية القرآنية الكريمة التي ختم بها الله (سبحانه وتعالى) سورة «الأنعام» وهي قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ…﴾، وما تحمل به من رسائل وتوجيهات وإرشادات ومقاصد تعم مجالات الحياة، سواء تعلّق الأمر بما هو ديني أم اجتماعي أم تاريخي. ومن هنا جاءت أهمية حرص الدراسة على مقاربة هذه الآية الكريمة من موقع هموم أمتنا العربية الإسلاميّة الراهنة، في شتى مظاهر ضعفها أو قوتها، قصورها أو تفوقها، سلبياتها ونواقصها أو إيجابياتها، من أجل مواجهة تحديات المستقبل.

وخلصت الدراسة الى أنه إذا أردنا تحقيق النظرة العلمية الإسلاميّة للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فما علينا إلا أن نعيد دراسة المبادئ والتعاليم التي أتى بها القرآن الكريم والسنة النبويّة الشريفة في ضوء الواقع الاجتماعي المعاصر.

  • دراسة نظرية عن “الرؤَى اليونانيّة للعالم ومنزلة الانسان”، قدمها عبد الرزاق بلعقروز، أستاذ فلسفة القيم بجامعة سطيف 2(الجزائر). وأوضح فيها ان كلمة اليونان لم تتخِذ لنفسها شأناً جليلاً ومكاناً رفيعاً مثلما اتخذته في الفلسفة، وإن هذه المكانة ليست بسبب أرضها أو تاريخها السياسي، وإنما بسبب أفكارها التي شقت بها رؤى عديدة إلى العالم، وأنها عرفت كيف تستفيد من الجِوار الثقافي الشرقي الذي انفتحت عليه واستلهمت من تعاليمه الدينية. ولذا فإن أي مدخل إلى فهْم بنية العقل المعاصر من غير إسكان الرؤية اليونانية ضمن مفردات التحليل والفهم – هو مدخل لا يتخذ من الحقيقة مسلكاً له. وتناول الباحث من خلال هذه الدراسة الطويلة (21 صفحة) عددا من العناوين، تعمق في بحثها، وهي: مرافق الرٌّؤى اليونانية الى العالم، أستعرض فيها الصيغة الدينية والاسطورية، والصيغة الطّبيعية والتّعليل الكلي، والعقل العملي والفضيلة الأخلاقية.

ثم تناول منزلة الانسان بين الأسطورة والطبيعة والفضيلة، مشيراً بأن منزلة الأنسان الأصيلة تتعين تبعاً لعلاقة الكائن بالخير، فكلما توجه ببصره وعمله نحو الخير، وجاهد نفسه وزكاها؛ كان خليقا بالإنسانية التي من اجلها وُجِد، وكأن الانسان هنا تتحقق انسانيته بقدر ما يتحقق بالخيرية. واختتم البحث بعدد من الاستنتاجات منها أن الحركة الفلسفية اليونانية قد غذًاها هذا التنافس والجدال حول مسائل المعنى والطبيعة والإنسان، بخاصة وأن معيار المعقولية ضمن سياق نشأة المدينة والدّولة قد صرف النّظر من العقلانية النّظرية إلى الحجاج والإقناع، وبناء الدليل كمحدّدات شارطه لأية عقلانية ممكنة. والقيمة التربوية التي نستجلبها هنا أنّه لا بد لنا من صرف أنظارنا إلى بناء مجتمع المعرفة التداوليّة والنقاش العقلاني والمعايير الأخلاقية الكلية؛ كي يتشرب المجتمع قيمة المعرفة وحضور الوعي والإقناع بالدليل؛ درءًا لأية استبدادية سياسية أو سلطة معرفية جاهزة أو نسق أيديولوجي مغلق.

  • مقال “الاتيقي والسياسي في الفلسفة اليونانيّة”، عرضه معز مديوني، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية (تونس). تناول فيه العلاقة بين الإتيقي والسياسي في صلب الفلسفة اليونانية؛ وعمل على التمييز بداية بين الإتيقي والأخلاقي؛ والانتقال من الإيثوس اليوناني إلى ما سمّي في مرحلة لاتينية لاحقة أخلاقاً. ودلالتها في اليونانية التي تجمع بين مواطنين تربطهم ذاكرة جماعية، وهذا على خلاف mores اللاتينية التي ارتبطت بالضوابط القانونية للسلوك، وأسست ما يسمّى في الغالب أخلاقاً morality. وناقش الكاتب عناونين رئيسيين هما: التأسيس الفلسفي للإيتيقي والسياسي؛ وفي السياسة وعداً إيتيقيا. وعرض خلالهما أراء عددا من الفلاسفة اليونانيين والاتجاهات الفلسفية.

وخلص الى أن تعيين العلاقة بين الإتيقي والسياسي في الفلسفة القديمة لا يقوم على منظومة من القواعد المنظمة للسلوك، بقدر ما يرتبط بصيغ تدبّر شؤون البشر من الناحية العملية.

  • “حالة الازمة في العالم المعاصر وإلى أين يتّجه العالم وانسان“، عرضه فتحي المسكيني، أستاذ الفلسفة في جامعة تونس المنار(تونس).
  • الانسان والعالم: تصوّرات الفلاسفة المعاصرين (مارتن هايدغر، غونتر أندرز، بيتر سلوتردايك)، عرضه محمد الشيخ، باحث، وأستاذ في الفلسفة الحديثة (المغرب).
  • نظريّات التنمية وأسباب التأزّم: دراسة نقديّة، عرضه عبد السلام نوير، أستاذ العلوم السياسية، عميد كلية التجارة جامعة أسيوط (مصر).
  • إشكاليّات الدِّين والعلمانيّة والدولة المعاصرة في ضوءٍ جديد، عرضه رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية، ومستشار تحرير مجلة التفاهم (لبنان).
  • ما بين الهويّة والشّعبويّة: جدل الهبوط والصعود في قيم الانتماء في العالم المعاصر، عرضه أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة (مصر).
  • الدولة ا لاُمّة؛ قضاياها وتحوّلاتها المعاصرة، عرضه محمد نور الدين أفاية، أستاذ الدراسات الفلسفية الحديثة في جامعة محمد الخامس (المغرب).

 وفي قسم “دراسات” تم عرض دراستين، كالتالي:

  • المعرفة والتراث العلمي في الاسلام ما قبل الحديث: إرثٌ فكريٌّ ثريٌّ في مجال التقاطع بين التعليم والدِّين، عرضه سيباستيان غونتر، أستاذ كرسي العربية والدراسات الإسلامية بجامعة غوتنغن (ألمانيا).
  • مسألة العدالة عند الفارابي وأبي الوليد بن رشد: دور النفس في القول الفلسفي العدْل، عرضه يوسف بن عدي، أستاذ في الفلسفة العربية الإسلامية وقضايا الفكر العربي (المغرب).

وتضمن قسم “وجهات نظر”، عنوانين كالتالي:

  • مقصد الاغاثة في الاسلام: نظرةٌ في المقوِّمات والاسس، عرضه محمد المنتار، رئيس مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء (المغرب).
  • العلمانيّة: مخاض التاريخ ورؤى الحاضر والمستقبل، عرضه برّاق زكريّا، باحث من لبنان (لبنان).

 واشتمل قسم “أفاق” على أربع موضوعات، كالتالي:

  • المؤتلف الإنساني ونقد سياسات الهويّة، عرضه طارق متري، أكاديمي لبناني بارز، وزير سابق للثقافة والخارجية (لبنان).
  • إسهام لاهوت الأديان في بناء المؤتلف الإنساني، عرضه عز الدين عناية، أستاذ تونسي بجامعة روما (إيطاليا).
  • المؤتلف الإنساني: رؤية كونيّة، عرضه محمد الشيخ، باحث، وأستاذ في الفلسفة الحديثة (المغرب).
  • القيمة والحق وتداولية المؤتلف الإنساني، عرضه رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية، ومستشار تحرير مجلة التفاهم (لبنان).

واحتوى قسم “مدن وثقافات” على موضوع واحد خاص ب “التعليم الديني في «الجوامع» القروية: شهاداتٌ من الماضي وتأمّلاتٌ في الوضع الراهن، عرضه عبد الهادي أعراب، أستاذ باحث في علم الاجتماع (المغرب).

  اما قسم “الإسلام والعالم” فقد تناول عرض أعده رضوان السيد، بشأن “الحداثة: تحوّلات الإسلام والمسيحية والهندوسية”.

 وبشكل عام يلاحظ التكثيف النظري للموضوعات وغلبة البعد الفلسفي، والمشاركة الواسعة للباحثين من دول إسلامية وغير إسلامية. فقد وصل عدد موضوعات العدد الى (19) موضوعا، أعدها (17) كاتبا، من (6) دول عربية، هي: الجزائر، وتونس، وسلطنة عمان، ولبنان، ومصر، والمغرب، وكاتبا من المانيا.

 وبشكل يلاحظ ان هناك تقارباً فكرياً في محتوى موضوعات المجلتين (تسامح والتفاهم)، ويمكن ان يلمس المرء ذلك من خلال مراجعة أعداد مختلفة من المجلتين.

  وخلاصة هذا العرض أتوجه بالدعوة إلى القائمين على إدارة المجلتين، لفتح آفاق التعاون المشترك وتنسيق الجهود في إقامة ندوات علمية مشتركة، وإصدار سلسلة اعمال مشتركة.  


[1] للمزيد من المعلومات عن المجلة، الرجاء النظر في الموقع الالكتروني: https://tafahom.mara.gov.om/

[2] الأخذ في الاعتبار ان العرض لا يعني المقارنة بين المجلتين، وانما يعنى بمضمون ومحتوى كل عدد بحسب خطابه الفكري.

[3] للمزيد من المعلومات عن المركز، الرجاء النظر في الموقع الالكتروني للمركز : http://rchrs-pal.org/

[4] يمكن الاطلاع على العدد 69 من مجلة تسامح من خلال هذا الرابط https://drive.google.com/file/d/1oI3RijFuKw5ymS5S0OWb8KUZXIDPOFhs/view?usp=sharing

[5] للاطلاع على العدد وبقية اعداد المجلة، انظر الموقع : https://tafahom.mara.gov.om/

 696 total views,  5 views today