عزيزة خميس هلال المقحوصي
جعلان بني بوعلي- جنوب الشرقية
مسابقة أفضل مقال اجتماعي “كيف ترى عُمان 2040؟”
المركز الأول
جمعية الاجتماعيين العُمانية


طموحاتٌ واعدةٌ وآمالٌ مُرتَقَبةٌ تنتظر عمان في رؤيتها 2040. ومن هذا المنطلق، جاء محور الإنسان والمجتمع واحدٌ من أهمِّ محاورها، ساعيةً إلى اعتبارهما أداةً فاعلةً وتنمويةً؛ لتطوير قُدراتهِ وتعزيزِ مهاراته وتوجُّهاتِه، والرقيِّ بإمكاناته اللامحدودة والحِفاظ على حرِّيته ومَصالِحِه؛ فهو هدفُ الرؤية وغايتُها. وهذا ما أكَّد عليه السلطان هيثم بن طارقٍ حفظه الله” إنَّ الانتقال بعمان إلى مستوى طموحاتكم وآمالكم في شتَّى المجالات سيكون عنوان المرحلة القادمة بإذن الله”.(١)

إنَّ الفئة الأكثر إشراكًا في عملية التقدم والنمو لعمان هم فئة الشباب. هذا أيضاً ما أشار إليه السلطان الراحل في عام الشباب، حيث قال: ” إنَّ عام الشباب ما هو إلا د‏عوةٌ صاد‏قةٌ إلى الاهتمام بالإنسان العمانيّ الذي هو صانع الحضارة، وهدف التنمية، وأداة التطوير، وخاصةً تلك الشريحة التي تجسِّد الأمل الواعد ألا وهي الشباب “. (٢)

ولا يتمُّ هذا إلَّا من خلال النهوض به فكريًا، علميًا، ثقافيًا، فنيًا، رياضيًا، وتقنيًا، فبارتقائهم في كلِّ المجالات ترتقِ حياة المجتمع وتزدهر. وهذا ينعكس على النموِّ الاقتصاديّ الوطنيّ؛ فنجد الزراعة والصناعة والتجارة تشقُّ طريقها نحو عامٍ أفضلٍ، وعليه يتحقَّق رفاه المواطن العماني.

ولعلَّ تنشئة الشباب منذ الصغر التنشئة السليمة لدليلٌ واضحٌ على ما سينجزونه للأعوام القادمة، ودورهم المهم لرؤية عمان 2040. يتعلَّمُ الفردُ الأدوار الاجتماعية منذ الصِّغر من خلال التنشئة الاجتماعية أو التعلُّم أو المُثل العُليا لديه، أو الشخصياتِ التي يُحبُّها ويُعجبُ بها، أو الجماعاتِ التي تُحيط به. وهذه العملية تضمنُ للمجتمع بقاءه واستمراره، محافظًا أفراده على عاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، وهويَّتهم المستندة على القيم الإسلامية؛ للتفاعل بكلَّ ثقةٍ مع تحديات العولمة وتحوُّلاتها السريعة، وتعدُّد الثقافات في البيئة الواحدة.

إنَّ غنى المجتمع لا يقاس بكمية ما يملك من أشياءٍ، بل بمقدار ما فيه من أفكارٍ من أجلها تنهض الهمم وتزدهر الأوطان. وهذه الأفكار والإبداعات بشتَّى أنواعها لا تأتي بلا عناءٍ، بل بالتعليم والتثقيف والتهذيب تؤتي ثمارها كل حين، وتبقى لما بعد 2040. يزداد عدد المدارس والكليات بزيادة عدد الطلاب جيلًا بعد جيلٍ، ويزداد دور المعلم؛ ليخرج جيلًا قادرًا على البحث والتعلم بمفرده. ويجب التركيز هنا على أنَّ المكافآت المالية يجب أن تخضع لمعيار القدرة على الإبداع والابتكار والتنويع في طرق التدريس، وأنَّ الابتعاث للخارج سيكون كفيلًا بأن يستفيد أبناء الوطن من التطوُّرات التقنية والتكنولوجية، ناهيك من دور المؤتمرات العلمية، وورشات عمل ونقاشات من شأنها توسيعُ المعرفة، وتحفيز العقلِ لاستقبالِ إنتاجاتٍ فكريةٍ جديدةٍ.

فالتعليم الذي كان تحت ظلِّ الشجرة قديمًا، سيكون في 2040 تحت ظلِّ الروبوتات والتقنية الحديثة؛ لأنَّ التعليم هو ببساطةٍ روح المجتمع التي تنتقل من جيل لآخرٍ. فالقدرات الإبداعية للطلاب حينها ستنمو تدريجيًا، كما أنَّ تعظيم قدراتهم على التخيُّل والابتكار والتفكير في اللوح التقنيّ سيكون أكثر تطورًا عن عمليات التلقين والحفظ والتكرار. ولعلَّ برامج جامعة التقنية والعلوم التطبيقية المواكبة لتوجُّهات رؤية 2040 خير مثالٍ على ذلك. وبناءً عليه، فإنَّ ثقافة الإبداع ستسطِّر نماذج ممتازةً في الإنسان العمانيّ المتعلم بطريقةٍ ذاتيةٍ المعتمد على نفسه، الذي بدوره سيغوص في عالم الاختراعات المتنوعة، والأبحاث العلمية، كأن نرى مدينة صحارٍ حاضنةٍ لمركزٍ للأبحاث البحرية على امتداد شريطها الساحلي.

وللوصول إلى ذلك، يجب رفع نسبة الأطفال الملتحقين بالتعليم قبل المدرسيّ؛ ليكونوا شعلةً في الانضمام لوتيرة التعلم- فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر- وليكتسبوا اللغتين العربية والإنجليزية منذ نعومة أظفارهم؛ ليكون تحولًا جذريًا في مسيرة النماء والتطوُّر. وكذلك ضرورة توفير الفرص التدريبية للطلبة في مراحل الدراسة المختلفة، وإنشاء مركزٍ تدريبيٍّ في كلِّ ولايةٍ؛ ليكونوا على نهج التعلُّم النظريّ والتطبيق العمليّ؛ ليتسنَّى لهم ترسيخ المعلومة بدقةٍ والاستفادة منها مستقبلًا في ركب العمل الوظيفيّ دون الحاجة إلى العمالة الوافدة. إنَّ الحاجة إلى توفير فرص العمل المناسبة لمخرجات التعليم في المراحل المختلفة سيخلِّد إنجازاتٍ تنمويةٍ للشباب العمانيّ كلٍّ حسب تخصصه وإبداعه وخاصةً في مجال العلوم والرياضيات؛ ليكونوا على أهبة الاستعداد في خوض علوم الفضاء واستكشافه.

ولعلَّ البرنامج الوطنيَّ لتنمية مهارات الشباب فرصةٌ ذهبيةٌ لعمان في سباق الابتكار والتكنولوجيا. وقد جاء البرنامج؛ لتزويد الشباب العمانيِّ بمهاراتٍ ومعارفٍ وقيم الثورة الصناعية الرابعة؛ كي يتمكنوا من النجاح والإسهام في الاقتصاد المبنيِّ على المعرفة والابتكار؛ للعيش في مستقبلٍ تبقى فيه عُمان في نماءٍ ورفعةٍ بسواعد وعقول الشباب النَّيِّرة. وعلى سبيل المثال: “في حاصل الذكاء الأخلاقي ببرنامج الذكاء الاجتماعي يتعلَّم المشاركون تمحيص القِيَم- التي جرت العادة عليها- وتقييمها وتطويرها في حالة وجود عيبٍ أو قصورٍ بها، وأهمية التحلِّي بالشجاعة، وانفتاح الذهن للقيام بذلك، وإعدادهم بقدر عالٍ من الكفاءة العلمية والعملية”.(٣)

والمؤمَّل في هذا البرنامج في عام2040، أنَّه سيشكِّل رافدًا من روافد التعلُّم التقنيّ المبهر، كوجود مهاراتٍ مقنَّنةٍ وقدراتٍ فائقةٍ تساعد الشباب العمانيّ في صناعة روبوتاتٍ تشقُّ مسارها في المجال التعليمي؛ ليحلَّ محلِّ المعلم، وربَّما يصل إلى المجال الصحيِّ؛ ليكون عنصرًا مساهمًا في توصيل الخدمة الصحية بشكلٍ سريع،ٍ وتحقيق رفاه المجتمع العُمانيِّ.

يُعتبر صوت الشاب العمانيِّ حاسمًا، وجزء لا يتجزّأ من الأصوات الشاملة، كالمشاركة في قضايا الرأي العام، كقضايا حُقوقِ المرأة والطفل، والنهوض بفئة ذوي الهمم الذين سيكون لهم وقعٌ وصدى في عملية التحوُّل المجتمعيِّ بدورهم وهمَّتهم وتمكينهم من دفع عجلة التنمية إلى الأمام. فنجد منهم الإعلامي الصّم، وغيرهم الكثير من الذين يضربون بأدوارهم عنان السماء وصولًا إلى غاية هامة وهي الرفاه الاجتماعي، لا فرق بين الرجل والمرأة سوى الإرادة في التغيير وحسن التدبير. سيكون دورهم جبَّارًا في عملية التطوُّع في مؤسَّساتِ المجتمع المحليّ، إذ سيُسهمون في إضافة عدد الأيدي العاملة، وزيادة الإنتاج والفائدة المرجوَّة للجميع.

وعلى الرغم من كلِّ ذلك، فالتاريخ علَّم الإنسان العمانيَّ أنَّ مسيرة العطاء والنَّماء لا يمكن أن تتوقف مهما كانت مصاعب وتحديات رؤية عمان 2040، فالأولوية ستبقى للمستقبل مع الحفاظ على القيم المجتمعية المرتبطة بالتوازن، والاهتمام بأفراد المجتمع مهما كانت أعمارهم، مشددةً على أهمية الاحترام والتعاون المتبادل بين المجتمعات والشعوب حول العالم، ومواصلة العمل الإيجابيِّ؛ لإحداث قفزاتٍ حضاريةٍ وإنسانيةٍ. عمان التي تخطَّت صعوبات التضاريس، وحجم المساحات قادرةٌ على أن تأخذ مكانًا رفيعًا بين الدول المتقدمة بفضل قيادةٍ حكيمةٍ، وشعبٍ مستنيرٍ، وأرضٍ معطاءةٍ.


(١) من خطاب السلطان هيثم بن طارق حفظه الله

(٢) ناصر أبو عون، معجم مصطلحات السلطان قابوس، ص 93،96، وانظر أيضا، كتاب: [كلمات وخطب حضرة صاحب الجلالة، ص317، 318].

(٣) [الحساب الرسمي للبرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب – ديوان البلاط السلطاني].

 79 total views,  2 views today