Dr. Isam Sadiq Hasan

د. عصام صادق علي

كان الكون منذ القدم مثاراً لاهتمام الانسان حيث – ولآلاف السنين وإلى الآن – كان دائماً يتسائل عن كيفية نشوء الحياة ومن أين أتى الإنسان؟ وكيف أصبح الكون على الطريقة التي هو عليها؟ ومع تقدم الزمن بدأ اللإنسان ينتقل لأسئلة أخرى ألحّت عليه لأهميتها من قبيل “ما هو مستقبل الحياة والكون؟” و” وما هي المكونات الأساسية لهذا الكون الواسع وكيف تتفاعل مع بعضها؟”

أين هي الذرة؟

السؤال حول المكونات الأساسية للكون كان من أحد الأسئلة الهامة التي شكلت الفيزياء الحديثة – رغم فكرة أنّ العالم مكوَّن من الذرات بدأت من الإغريق، و بالتحديد مع الفيلسوف ديموقرطس (Democritus) و الذي وضع أول نموذج للذرة حوالي العام 400 ق.م.، حيث اعتبر ديموقرطس أن الذرة لا يمكن تدميرها و أنّها أصغر مكوّن للمادة. ولكن هذا السؤال ظلّ في سبات عميق لعدة قرون قبل أن يظهرمرة ثانية نواحي القرن السابع عشر والثامن عشر، حيث اعتقد العلماء حينئذ بأنّ أصغر مكونات الغازات كالأوكسجين والكربون هي الذرة. فقد لاحظ العلماء آنذاك أنّ التفاعلات بين الغازات المختلفة تتم دائماً بنسب محددة (فمثلاً تتفاعل 100 غرام من الكربون مع 133 غرام من الأوكسجين مكونةً أول أكسيد الكربون، و تتفاعل مع 266 غرام من الأوكسجين مكونة ثاني أكسيد الكربون، و نسبة 233 إلى 133 هي 2 إلى 1 ممّا حدا بالعالم الكيميائي البريطاني دالتون(Dalton)  في عام 1808 أن يقترح بوجود ذرة أوكسجين واحدة في جزيء أول أكسيد الكربون و ذرّتين في جزيء ثاني أكسيد الكربون). ولكن الاعتقاد بالذرات ظل اعتقادا نظريا من دون دليل مباشرولكنه كان موجوداً عند الكثير من الكيميائيين وقليل من الفيزيائيين.

احتدم الصراع في نهاية القرن التاسع عشر حول هذه المسألة بالذات بين العالم النمساوي بولتزمان(Boltzmann)  وبين بقية علماء الفيزياء الألمان ( حيث كانت ألمانيا في ذلك الوقت معقل الفيزياء عالميا). اعتبر بولتزمان أن أيّة مادة من المواد التي نتعامل معها مكوّنة من أعداد هائلة من الجزيئات (فمثلا يبلغ عدد جزيئات الهواء في أيّة غرفة في أي بيت ما حوالي 1024 – الرقم واحد و أمامه 24 صفراً – و هو رقم كبير بالفعل). ومعنى ذلك أنّنا لا نستطيع تتبع حركة كل جزيء مع الزمن في هذه المادة المعنيّة. ولكن هذا ليس مهماً! المهم هو معرفة سلوك المادة بشكل عام. فليس مهماً لدينا – مثلاً – معرفة ماذا تفعل كل ذرة هواءٍ في غرفة نومنا ولكنه من المهم جداً لدينا أن تكون درجة حرارته مقبولة بشكل عام. وحتى يتسنّى لدينا معرفة هذه الحالة العامّة فما علينا إلاّ تطبيق قواعد الإحصاء على جزيئات الهواء. و هذا بالضبط ما فعله بولتزمان مؤسساً بذلك الفيزياء الإحصائية في العقد السابع من القرن الثامن عشر والتي – و هنا مربط الفرس – ركيزتها وجود الذرات.  رغم أن نظرياته فسرت كثيرا من الظواهر التجريبية إلا أنها ظلت غير مقبولة بسبب عدم قبول العلماء الآخرين فكرة وجود الذرة لعدم وجود دليل مباشر.

 

الذرة هنا!

و لكن الدليل أتى في النهاية. ولمعرفة القصة علينا الرجوع قليلاً إلى الوراء، وبالتحديد إلى العام 1827. لاحظ عالم النباتات البريطاني براون(Brown)  أن حبوب لقاح النباتات تتحرك بشكل عشوائي إذا وُضعت معلّقةً في الماء. حاول براون معرفة مصدر هذه الحركة و لكنه لم يستطع رعم إجرئه لعدة تجارب مختلفة. حاول آينشتاين(Einstein)  في العام 1905 تفسيرهذه الحركة العشوائية نظرياً و ذلك لدعم فرضية وجود الذرات. تخيّل آينشتاين أن أي سائل كالماء مثلاً مكوّنٌ من جزيئات صغيرة جداً وأنها هي التي تصطدم بالأجسام الصغيرة المعلّقة فيها كحبوب اللقاح. نشر آينشتاين ما توصل إليه ملخّصاً نتيجته في معادلة مهمة ربطت موقع الجسم الصغير المعلّق في السائل بدرجة حرارة السائل ولُزوجَته وحجم الجسم ورقم “أفوغادرو” (Avogadro). أهمية المعادلة تكمن في رقم أفوغادرو– وهنا أقدم للقاريء الكريم تعريفاً مبسطاً – والذي يعطي عدد الذرات في 12 غرام من مادة الكربون وهو حوالي 1024 ذرة. هنا أتى دور العالم الفرنسي برين(Perrin)  والذي بدأ في العام 1905 بعمل سلسة من التجارب أفضته إلى قياس هذا الرقم. عندما عرف برين عن معادلة آينشتاين كانت لديه كل ما يحتاجه ليبرهن المعادلة تجريبياً و يقيس عن طريقها رقم أفوغادرو. حصُل برين في العام 1908 على رقم مشابه لما حصل عليه من تجاربه السابقة و بالتالي أثبت وجود الذرات بشكل لا يقبل الشك.

اكتشف العلماء أن الذرة ليست بالجزيء البسيط. بل هي جزيء بالغ التعقيد ومكونة من جزيئات أخرى أصغر: الإلكترون و له شحنة سالبة (والذي اكتشفه العالم البريطاني تومبسون(Thompson)  في عام 1897) والنواة ولها شحنة موجبة (و التي اكتشفها عالم بريطاني آخر– رذرفورد (Rutherford) – عام 1909). و أصبح واضحاً بعد ذلك أن النواة بدورها مكونة من جزيئات أخرى وهي البروتونات التي تحمل الشحنة الموجبة للنواة (اكتشفها رذرفورد أيضاً عام 1920) والنيوترونات والتي لا تحمل أية شحنة (اكتُشفت من قبل العالم الأمريكي شادويك(Chadwick)  عام 1932)  وبهذا الاكتشاف أصبحت الذرة أكثر وضوحا: فهي عبارة عن نواة صلبة تحوي بروتوناتٍ و نيوتروناتٍ وهذه النواة محاطة بجسيمات صغيرة جداً وهي اللإلكترونات. كما استطاع العلماء قياس حجم الذرة و كُتل جزيئياتها المختلفة، فقطر الذرة هو تقريباً واحد من العشرة من المليون من المتر (أي 0.0000000001 متر) و أما النواة فيبلغ قطرها تقريباً واحد من الألف من المليون من المليون من المتر (أي 0.000000000000001 متر)، بمعنىً آخر، فإن معظم الذرة فراغ! ولتقريب الصورة، إذا تصورنا النواة بحجم كرة القدم فإن حجم الذرة سيكون تقريبا 20 كيلومترا.

عالم الجزيئات

تنبأ العالم البريطاني ديراك(Dirac)  بوجود الجزيئات المضادة في العام 1928 بناء على نظريته والتي تقول أن لكل جزيء يوجد جزيء مضاد يقابله يحمل جميع خواص الجزيء ولكن بشحنة معاكسة. فالإلكترون مثلا له جزيء مضاد اسمه البوزيترون (positron) والذي يحمل جميع خواص الإلكترون عدا شحنته – فشحنة البوزيترون موجبة بينما هي سالبة للإلكترون. أول اكتشاف لجزيء مضاد سجله أندرسون (Anderson) في الولايات المتحدة عندما اكتشف مضاد الإلكترون البوزيترون في العام 1932. وتوالت اكتشافات الجزيات المختلفة بعد ذلك عن طريق العديد من العلماء، حيث أتى الميووّن(muon)  عام 1936 ثم الكايون(kaon)  والبايون(pion)  في 1947، وبعد ذلك اكتشف النيوترينو(neutrino) عام 1956، وهكذا اكتشفت مئات من هذه الجزيئات – أثناء كتابة هذا المقال أُعلن عن اكتشاف جزيئين جديدين في معمل الأبحاث الدولي سيرن(CERN)  بسويسرا.

ولكن السؤال الذي ظل في الهاجس هو: هل هذه الحزيئات أساسية و بالتالي تمثل المكونات الأساسية لكل ما نراه في الكون أم هي مكّونة من جزيئات أخرى أصغر؟ في حد علمنا فإن الإلكترون والميويون جزيئان أساسيان ولا يتكونان من جزيئات أصغر. وماذا عن الجزيئات الأخرى؟ أثبتت التجارب في نهاية الستينات من القرن العشرين في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة أن البروتونات والنيوترونات مكونة من جزيئات أصغر سُمّيت بالكوارك(quark)  – كل نيوترون وبروتون مكوّن من 3 كواركات. وبحسب التجارب الاحقة فإنّ الكوارك هو جزيء أساسي ولا يحتوي على جزيئات أصغر. ولكن من يدري، لعل الطبيعة ستفاجئنا في المستقبل. كل الجزيئات الأخرى (كالبايون مثلا) مكونة من الكواركات. هذه الاكتشافات المتتالية أبرزت لغزاً لها علاقة بالجسيمات المضادة. فعندما يجتمع الجزيء مع الجزيء المضاد فإنهما يبيدان بعضهما البعض منتجين طاقة معينة. ولكن وُجد أنّ عدد الجزيئات في الكون أكبر بكثير من عدد الجزيئات المضادة و سبب ذلك غير معروف. و تُعتبر هذه الحقيقة من حسن طالعنا، فلو كان عدد الجزيئات مساوية لعدد الجزيئات المضادة لما كان لنا وجود ولكان الكون كله عبارة عن طاقة بسبب عمليات الإبادة بينها.

وضع العلماء عبدالسلام (Abdulsalam) وغلاشو(Glashow) و واينبرغ (Weinberg) هذه الاكتشافات في إطار نظري أطلق عليه اسم النموذج المعياري (The Standard Model). قسّم هذا النموذج الجزيئات الأساسية (17 جزيء) إلى ثلاثة أقسام (الجدول 1): قسم للكوارك وآخر لما بات يعرف  باللبتونات(leptons)  وثالث للبوزونات  (bosons). آخرهذه الجزيئات والمعروف بجزيء بوزون هيغز ((Higgs boson تم اكتشافه مؤخرا في 2014 في سويسرا.

قوى الكون الأساسية

إذاً الكون – و بكل ما فيه من المجرّات والنجوم والكواكب وبهذا الحجم الهائل و الذي يفوق الخيال – مكوّنٌ من 17 جزيءٍ أساسي فقط! هذه الجزيئات تتفاعل مع بعضها بطرق مختلفة منتجةً بذلك ما نشاهده من مختلف الظواهر الكونية. والغريب هنا أيضاً أن هناك خمسُ قِوىً فقط والتي تتحكم في هذه التفاعلات: قوة الجاذبية والقوة الكهربائية والقوة المغناطيسية والقوة الضعيفة والقوة القوية.

اكتشف نيوتن الجاذبية (gravitational force) قبل حوالي 300 سنة مؤسساً بذلك نظريته  لتفسير حركة الكواكب والنجوم والأجسام التي تسقط على الأرض. فكل جسم له كتلة يؤثرعن طريق قوة الجاذبية على الأجسام الأخرى. وتزداد هذه القوة كلما كانت كتلة الجسم أكبر. فأي شخص منّا – على سبيل المثال- يجذب شخصا آخرعن طريق قوة الجاذبية. ولكن وبسبب قلة كتلة الإنسان فإنّ قوة الجاذبية المنبثقة منه ضعيفةٌ جدا وبالتالي لا نحس بتأثيرها على الإطلاق. أمّا بالنسبة للأجسام الكبيرة كالشمس والأرض والكواكب الأخرى والمجرات فإنّ الجاذبية قوية – بل قوية جداً. فالجاذبية هي المسؤولة على وجودنا على سطح الأرض وعن المد والجزر على شواطئ البحار وعلى إبقاء الكواكب والنجوم كروية الشكل. الجاذبية هي التي وضعت النظام الشمسي بمنظومة واحدة وجعلت المجرات متماسكة.

و في المقابل فإن القوّتين الكهربائية (electric force)  والمغناطيسية(magnetic force)  كانتا معروفتين منذ زمن بعيد، إلّا أن بداية فهم طبيعتيهما بدأ فعليا في القرن الثامن عشر. القوة الكهربائية تعتمد على الشحناتٍ السالبة والموجبة الموجودة في الذرات. فكما أسلفنا سابقاً فإن البروتونات لها شحنة موجبة والإلكترونات لها شحنة سالبة. وهذه الشحنات السالبة تعطينا التيار الكهربائي من البطارية – مثلا – لتشغيل الأجهزة المختلفة كالهواتف الذكية. أما القوة المغناطيسية فهي تعتمد على خاصّية الغَزْل للإلكترونات (كأنّ الإلكترون يدور حول نفسه كالمغزل) وتستعمل – مثلا – في تخزين المعلومات في الأقراص الصلبة الموجودة في الحواسيب.

في عام 1873 استطاع ماكسويل (Maxwell) توحيد القوتين تحت مسمىً واحد هو القوة الكهرومغناطيسية(electromagnetic force)  بمعنى أن كلتيهما مصدرهما واحد. كان هذا التوحيد مهما جدا حيث أدّى لاحقا إلى فهم الموجات الكهرومغناطيسية (كموجات الراديو والضوء) وبالتالي تمكن العلماء من الاستفادة منها في تكنولوجيا الاتصالات والمحوّلات والكشف عن الألغام والعديد من اللوازم البيتيّة (كالأجراس والميكروويف والمراوح) – على سبيل المثال لا الحصر.

أما القوّتان الأُخريان – أي القوة الضعيفة (weak force) والقوة القوية (strong force) – فقد اكتشفتا في القرن العشرين. القوة الضعيفة هي المسؤولة عن تحلل الذرات (الإشعاعات الذرية) وانصهارها (وهو السبب الذي تنتج منه الشمس طاقتها). واستطاع اللإنسان استغلال هذه القوة أيضاً لمعرفة عمر الآثار عن طريق معرفة كمية الذرات المتبقية فيها بعد تحلل الكثير منها. كما تستعمل الإشعاعت الذرية كثيراً في مجال الطب لعلاج أمراض مختلفة. أما القوة القوية فهي المسؤولة عن تماسك نواة الذرة وعدم انفجارها. كما أنها هي المسؤولة عن “حبس” الكوركات داخل البروتون والنيوترون و إلاّ لانفجرت هي الأخرى. (قد يتبادر لذهن القاريء الكريم سؤال حول سبب هذا الإنفجار في حالة عدم وجود القوة القوية. السبب أن البروتونات تحمل شحنات موجبة و الشحنات الموجبة تتنافر مع بعضها نتيجة القوة الكهربائية. هذا التنافريصبح قوياً إذا كانت المسافات بين الشحنات صغيرة جداً كما هو في داخل نواة الذرة والتي يبلغ قطرها الواحد من الألف من المليون من المليون من المتر. و كذلك هو الحال بالنسبة للكواركات الموجودة داخل البروتونات و النيوترونات).

هل هاتان القوتان تعبيران مختلفان لقوة واحدة؟ على حسب التجارب والنموذج المعياري فإن الجواب هو نعم. بل أكثر من ذلك: فقد وحّد النموذج المعياري القوى الكهرومغناطيسية والضعيفة والقوية في معادلة رياضية واحدة موجداً بذلك إطاراً يفسّر تفاعلات هذه الجزيئات. وبناءاً على هذا النموذج فإن لكل قوة ناقل لها يتمثل بجزيء معين. فناقل القوة الكهرومغناطيسية هو الفوتون ((photon وكتلته صفر (عرف أنّه نوع من الموجات الكهرومنغناطيسية في العام 1914)، وناقل القوة القوية هو الغلوّون ((gluon وكتلته أيضاً صفر (اكتشف عام 1979). أما القوة الضعيفة فلها ناقلان: W وZ  (اكتشفا في العام 1983) وكتلتة كل واحد منهما تقريبا 20 مليار ضعف كتلة الإلكترون (كتلة الإلكترون تقريبا 1030  كيلو غرام أي 0.0000000000000000000000000000001 كيلو غرام – 30 صفراً).

لماذا…لماذا…لماذا…؟

من أحد الخصائص الجميلة لهذا الكون هو كثرة أسراره و قدرته على رمي الأسئلة العميقة علينا وعلى مفاجأتنا، ولولا ذلك لأصبح الكون رتيباً وعاديّاً! وأحد هذه الأسئلة هو: هل هناك قوى أخرى غير هذه الخمسة التي ذكرناها؟ إذا الجواب بالنفي فالسؤال لماذا؟ ومن الغرائب المثيرة والجديرة بالاهتمام أنّ مدى تأثير القوى الضعيفة والقوية صغير جداً (أصغر من حجم نواة الذرة). وفي المقابل فإنّ مدى قوة الجاذبية كبير جداً – بل لا نهاية له. كما أنّ قوة الجاذبية – ورغم ضعفها على مستوى الجزيئات والذرات – هي القوة التي تجعل الكواكب والنجوم والمجرات متماسكة. فما الذي يجعل هذه القوى المختلفة متفاوتة لهذا الحد؟ للمقارنة، فإن القوة القوية أشد من القوة الكهرومغناطيسية بحوالي مئة مرة و 10000000000000  (13 صفراً) مرة أشد من القوة الضعيفة و 10000000000000000000000000000000000000 (37 صفراً) أشد من قوة الجاذبية. رغم هذا التفاوت الهائل في شدة هذه القوى بالنسبة لبعضها البعض فهو مهم جدا لجعل الكون بالطريقة التي هو عليها. فمثلا – لو كانت القوة القوية أقل شدة لتطايرت البروتونات والنيوترونات من النواة بسبب التنافر الشديد الناتج من القوة الكهرومغناطيسية. ولو حدث ذلك لما كانت هناك ذرات ولما كانت هناك حياة. لو كانت الجاذبية أكثر قوة لاستهلكت الشمس (وسائر النجوم) مخزون طاقتها بشكل أسرع مما يؤثر على تكون الحياة على الأرض. و يُستنتج من هذا كله أنّ الكون تشكل على أساس قوى خمس لها خصائص معينة، والسؤال : لماذا هذه الخصائص بالتحديد؟

كونٌ محاصرٌ بين النسبية والكم

اعتمد النموذج المعياري على نظريتين مهمتين في تحديد كيفية تفاعل الجزيئات والأجسام مع بعضها البعض من خلال هذه القوى الخمسة المختلفة وهما النظرية النسبية ونظرية الكم. هاتان النظريتان شكلتا بحق ثورة كبيرة في العلم وفي كيفية نظرة الإنسان الحديث للكون والحياة. كما هو معروف فإن آينشتاين هو الذي أتى بالنظرية النسبية ( الخاصة والعامة) في بدايات القرن العشرين. إنها نظرية مهمة جداً في تفسير الظواهر على المستوى الكوني. وهي أيضاً النظرية التي أتاحت وجود تطبيقات عدة كالطاقة النووية والـ GPS .

ففي النظرية الخاصة تساءل آينشتاين ماذا يحصل لو تحرك الإنسان بسرعاتٍ كبيرة ثابتة تقترب من سرعة الضوء وبخط مستقيم؟ الجواب كان مفاجئاً، فالزمن لهذا الإنسان يتباطأ إذا ما قيس هذا الزمن من قبل إنسان عادي يتحرك ببطء، ولكن الإنسان المسرع لايشعر بهذا التباطؤ! ولك أن تتخيّل لو كان لديك أخ توأم  ذهب في رحلة فضائية بصاروخ يتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء ثم عاد بعد عشرين سنة كما بحسابك. أمّا بالنسبة لأخيك فإنّ الزمن الذي استغرقته الرحلة قد يكون خمس سنوات وبالتالي تكون أنت قد كبرت عشرين سنة ولكن أخاك التوأم كبر خمس سنوات!

أمّا بالنسبة للنظرية النسبية العامة فقد كان السؤال مختلفاً. فلوغير الإنسان المسرع سرعته واتجاهه، فماذا سيحدث له اثناء عملية التغيير؟  اعتبرت نظرية آينشتاين العامة الزمن بعداً رابعاً إضافة إلى الأبعاد الثلاثة المكانية المعروفة (وهي الأبعاد التي تسمح لنا بالذهاب يمنة ويسرة، فوقاً وأسفلاً، أماماً وخلفاً). وبالتالي فإن النظرية لا تتحدث عن المكان والزمان كأبعاد منفصلة، بل جمعتهم بما عرف بالزمكان (Space-time) والذي هو تصوّر هندسي. ما أدركه آينشتاين أن حركة جسم ساقط ومتسارع تحت تأثيرسحب الجاذبية فقط (بمعدّل ازدياد في السرعة يساوي 9.8 متر في الثانية لكل ثانية واحدة لجسم قريب من سطح الأرض) هي نفس حركته لو كان هذا الجسم مدفوعاً إلى الأسفل بسبب انحناء في الزمكان نتيجة وجود جسم آخر(كالأرض مثلاً) وله كتلة. وجود الجاذبية إذن هو تأثير هندسي!

نظرية الكم – في المقابل- تفسر عالم المستويات الصغيرة جداً كالذرات والجزيئات الأصغر منها. بدأت النظرية كمعادلة رياضية بحتة لتفسير ألوان الطيف المنبثقة من الشمس وأضفت بنا بعد ذلك إلى هذا التقدم التكنولوجي الهائل الذي نعيشه منذ القرن المنصرم – من أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية إلى تكنولوجيا الأحياء والطب.

وحسب نظرية الكم فإن الجزيئات الصغيرة كالذرة عبارة عن أمواج ( كأمواج البحر أو أمواج الضوء). إذا رمينا حجرة ما فإن قوانين نيوتن تستطيع التنبؤ وبدقة متناهية أين ستسقط الحجرة إذا عرفنا سرعتها في البداية عند رميها والزاوية التي رُميت بها. ولكن إذا رمينا ذرة بدل حجرة وعرفنا سرعة رمي الذرة وزاوية الرمي فإننا لا نستطيع التنبؤ بدقة أين ستنتهي الذرة بسبب طبيعتها الموجية. كل ما نستطيع معرفته هو احتمال أين ستذهب الذرة، ما يعني أن هناك أكثر من مسار يمكن أن تسلكه الذرة ونحن لا نعرف أي مسار بالتحديد – أقصى ما نستطيع معرفته هو احتمال كل مسار وهذه الاحتمالات ليست متساوية بالضرورة.

رغم غرابة النظريتين، إلاّ أنهما تخطَّتا كل اختبارحيث أثبتت التجارب – وبدقة كبيرة – صحتهما. ولكن بقيت هناك مشكلة كبيرة. فرغم أنّ النموذج المعياري استطاع توحيد القوى الأربعة (الكهرومغناطيسية والضعيفة والقوية) إلاّ أن قوة الجاذبية ظلّت بعيدة المنال. و في المقابل لم تستطع النظرية النسبية أيضاً توحيد قوة الجاذبية مع هذه القوى الأربعة. فالنظريتان تبدوان كأنهما متعارضتان وبالتالي لا يمكن أن تكونا صحيحتين بنفس الوقت! والمشكلة أن التجارب تقول غير ذلك. نحن بحاجة لكلتا النظريتين المتعارضتين لتفسيرهذا الكون مما يجعل العلماء في وضع غير مريح على أقل تقدير.

في محاولة جادة من قبل العديد من علماء الفيزياء لأيجاد نقطة التقاء بين النظريتين، ظهرت في ستينيّات القرن الماضي نظرية جديدة سُميت لا حقا بنظرية الأوتار (String Theory). تعتبر النظرية أن كل المادة مكونة من أوتارمهتزّة – كأوتار العود – وأن الجزيئات المختلفة ما هي إلاّ تعبير عن الاهتزازات المختلفة لهذه الأوتار. كما أن هذه الأوتار بعينها هي السبب في التفاعلات المختلفة بين الجزيئات. بتعبير آخر، هذه الأوتار هي مصدر القوى الخمسة المختلفة الآنفة الذكر. كما أن النظرية – ونتيجةً لهذه الأوتار– تتنبأ بوجود جزيئات أخرى و تحتاج إلى وجود أبعاد عدّة إضافة إلى الأبعاد الأربعة المكونة للزمكان.

هل نظرية الأوتار هي النظرية النهائية لتفسير ما في الكون وتفسيرالتفاعلات بين جزيئياته المختلفة؟ سنترك الإجابة عن هذا السؤال للمستقبل – فالعمل ما زال جاريا لتطوير النظرية ولاختبارها في المحك الأهم والأخير وهو التجربة.

إذن ما نعرفه الآن يمكن تلخيصه كالتالي: هناك 17 جزيئة أساسية والتي تعتبر اللبنات التي يُبنى عليها كل ما في الكون. القوى الأساسية المؤثرة في الكون هي خمسة: الجاذبية والكهربائية والمغناطيسية والضعيفة والقوية. أسهمت النظريتان النسبية والكم في تحديد كيفية تفاعل الجزيئات والأجسام مع بعضها البعض عن طريق هذه القوى الخمسة المختلفة. ورغم التعارض الظاهر بين النظريتين إلاّ أن هناك محاولات للجمع بينهما وتعتبر نظرية الأوتارأفضل مرشح في هذا المجال.

أي تجربة هذه؟

قد يتبادر إلى ذهن القاريء الكريم سؤال حول طبيعة التجارب التي يجريها العلماء لسبر أغوار هذا الكون الفسيح. يمكن تقسيم هذه التجارب عموما إلى قسمين: قسم يستخدم فيه العلماء التلسكوب وقسم يستخدمون فيه مُسرّع الجسيمات (particle accelerator). فالتلسكوب يتيح لنا النظر للظواهر الكونية وبالتالي معرفة سلوك الأجسام الكبيرة كالنجوم والمجرّات تحت تأثير قوة الجاذبية و قياس التأثيرات التي تتنبأ بها النظرية النسبية. أما مسرّع الجسيمات فهو السبيل لدراسة الجزيئات الأساسية في المختبر. وربما سمع القاريء عن مسرّع الجسيمات LHC الموجود في مختبرسيرن (CERN)  في سويسرا (أُسِس عام 1954) والذي ظهر كثيرا في الاعلام مؤخرا نتيجة اكتشاف جزيء بوزون هيغز.

فكرة مسرّع الجسيمات كالآتي: إذا أردنا معرفة مم يتكون أي جسم فعلينا تكسيره، وإذا كان هذا الجسم قوياً فعلينا تكسيره بقوة أكبر، أي بطاقة عالية. فمسرّع الجسيمات يسرّع الجزيئات كالبروتونات والإلكترونات بطاقات عالية حتى تبلغ هذه الجزيئات سرعات تقترب من سرعة الضوء. و عند بلوغ السرعات المنشودة يجعل المسرّع هذه  الجزيئات ترتطم ببعضها حتى تتحطم إلى شظايا عديدة وصغيرة. ومن خلال دراسة الشظايا يمكن التعرف على جزيئات مختلفة كالكواركات. استطاع العلماء من خلال هذه المسرّعات اكتشاف كثير من الجزيئات ودراسة تفاعلاتها بدقة ومقارنتها بالنظريات (وبالذات النموذج المعياري). من المتوقع أن تعطينا هذه المسرعات مفهوماً أعمق حول المواد الأساسية للكون وكيف أصبح الكون على ما هو عليه الآن.

وأود هنا في نهاية المقال أنْ ألفت انتباه القاريء إلى أنّ علماء الفيزياء باستعمالهم للتلسكوب أو مسرّع الجسيمات فإنهم – بالإضافة إلى ما تقدم – يستطيعون دراسة تاريخ الكون لأنّ هذه الأجهزة تفتح لهم نافذة على الماضي. فعندما ننظر للشمس بالتلسكوب فإننا نرى حالتها كما كانت قبل 8 دقائق لأن الضوء (ناقل المعلومات) الآتي منها يستغرق 8 دقائق للوصول إلينا. وعلى ذلك فقس. فعندما نرى مثلاً مجرة أندروميدا والتي تبعد تقريبا مليونين ونصف المليون من السنوات الضوئية (السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة و تبلغ حوالي عشرة آلاف مليار كيلومتر) فإننا في الواقع نرى حالتها في الماضي البعيد – أي قبل مليونين ونصف المليون من السنوات. فإذا انفجرت المجرة لسبب ما، فإننا لن نعرف ذلك إلا بعد حوالي مليونين ونصف سنة! وهذا الماضي يعطينا الكثير من المعلومات حول كيفية تكوّن الكون و حول الظواهر الكونية المختلفة مما قد يساعدنا على معرفة لماذا الكون على الحال الذي نراه عليه الآن.

المسرّعات أيضاً تطلعنا على ما حدث في الكون في بدايات تكوّنه قبل حوالي 15 مليار سنة عندما بدأت الجزيئات المختلفة تظهر للوجود لتتفاعل مع بعضها منتجةً بذلك جزيئاتٍ أخرى و الذرات. الصورة 1 تمثل تاريخ الكون حيث ظهرت الجزيئات- حسب تقدير العلماء – بعد حوالي 1037  ثانية  (واحد من عشرة مليارات من المليار من المليار من المليار من الثانية) منذ ولادته بسبب انفجار عظيم. تأخذنا التجارب الحالية لحوالي1010  من الثانية بعد هذا الانفجار (واحد من عشرة مليارات من الثانية). بعد حوالي المليون من الثانية كان هناك عدد متقارب تقريباً من البروتونات والنيترونات. بعد 3 ثواني من الانفجار اختفى حوالي 85 % من النيوترونات وظهرت ذرات الهيدروجين نتيجة انصهار بعض النيتورونات مع بعض البروتونات. ثم تشكلت ذرات الهيليوم وبدأت الذرات الأخرى تتوالى في الظهور.

———————————————————-

الجدول 1 : الجزيئات الأساسية في الكون وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الكواركات (quarks)   واللبتونات (leptons) والبوزونات ناقلي القوى (gauge bosons). كل الكتل في الجدول تقريبية وهي بالنسبة للإلكترون و كتلته0.000000000000000000000000000000911   كيلوغرام (أي 9.11 ´ 10-31 كيلوغرام).

 Table

universe

Hits: 934