أمامة مصطفى اللواتي

مقدمة:

رغم أن مدينة ملبورن الواقعة في الجنوب الشرقي من قارة استراليا هي ثاني أكبر المدن الأسترالية بعد مدينة سيدني، إلا أنها تتمتع بجوار إبْهَار المدن وجذبها المركزي، بسحر القرية الفسيحة وطيبة قاطنيها ومزاجها المسترخي. ولذلك فإنه ليس من الغريب أن تحقق مدينة ملبورن في عام 2014 ولخمس سنوات متتالية، لقب المدينة الأفضل للعيش في العالم. في هذه المدينة المحُبة للثقافة والمعمار والمقاهي يمكن للسائح أن يتمتع بكل ميزات المدن الكبرى، ويبقى مع ذلك مستمتعا بمساحاتها ومنتزهاتها الخضراء، والتي يمتد بعضها على نهر يارا، ذلك النهر الذي يهب المدينة رونقا مختلفا في كل وقت من اليوم، وفي كل فصل من فصول السنة.

تجمع مدينة ملبورن بين ثقافات ولغات مختلفة، فهناك السكان المحليون وهناك المهاجرون الذين تعود أصولهم الى أوروبا ومهاجرون من دول آسيوية مختلفة. وفي أثناء تجوالنا بالمدينة توقفنا مرةً حائرين حول الاتجاه الذي يجب أن نسلكه، ليرشدنا مجموعة من العابرين اللطفاء، وفي أكثر من مرة داخل الترام المجاني – الوسيلة الأكثر مناسبة للسياح- الذي يتوقف عند محطات مختلفة في قلب المدينة، كان الراكبون يقابلون استفساراتنا بكل رحابة صدر. وتشير أحد المقالات التي نشرها موقع البي بي سي إلى أن نصف سكان ملبورن ولدوا خارجها وهذا يفسر تعامل سكان المدينة بانفتاح ولطف مع من ينتمون إلى الثقافات والحضارات الأخرى. وتشترك في هذه الميزة مدنٌ أسترالية أخرى، اختبرتُ فيها تجربة التعايش الثقافي مثل مدينة بريزبن في محافظة كوينزلاند الواقعة في الشمال الشرقي من استراليا.

الثقافة والفن والمعمار
ليس من الغريب أن تُلّقب ملبورن بمدينة اليونسكو للأدب فهناك ما يقرب من 42 متحفا في مدينة ملبورن، تتنوع مواضيعها ومعروضاتها بين الأدب والفن والتاريخ والرياضة والسينما والتكنولوجيا وبعضها مخصصة لتاريخ أعراق وديانات محددة. ولا تهدأ الحركة الثقافية والفنية في هذه المدينة المفعمة بالحياة، فنظرة سريعة للمنشورات والاعلانات الترويجية المطبوعة في المراكز والمسارح الثقافية والفنية كافية لندرك كم هذه المدينة شغوفة بالفنون المختلفة. فإلى جانب المعارض الفنية التي تقدم أعمالا ثابتة يمكن مشاهدتها طوال السنة، تكثر المعارض المؤقتة التي تتناول مضامين متخصصة كفنون السكان الأصليين أو الأزياء التي تعود إلى فترات تاريخية محددة أو معرضا وثائقيا حول تاريخ التلفاز والسينما أو مقتنيات خاصة جاءت من دول أخرى. تقوم هذه المتاحف أيضا بتقديم الكثير من الورش الثقافية والفنية المخصصة للكبار والصغار. ونجد أن أغلب متاحف ملبورن تفتح أبوابها للمهتمين بلا رسوم، وربما يرغب بعض السياح بوضع تبرعاتهم بشكل اختياري في صناديق مخصصة لذلك.

وقد تصادفت فترة زيارتي لمدينة ملبورن مع تدشين ولاية فكتوريا بشكل عام، ومدينة ملبورن بشكل خاص لمهرجان جديد تحت عنوان ASIA TOPA ، وهو اختصار لعنوانه الأساسي Triennial of Performing Arts ، أي المهرجان الذي سيتم عقده كل ثلاث سنوات للاحتفاء بالفنون المسرحية والأدائية. ويهتم هذا المهرجان بالثقافة والفنون الاستعراضية والمسرحية والفنية المعاصرة التي تجمع قارة استراليا بمنطقة شرق آسيا ودول المحيط الهادئ، وذلك بهدف التعرف على ثقافة الدول المجاورة لقارة استراليا. وقد انطلق هذا المهرجان في شهر يناير2017 ومن المخطط له أن يستمر حتى نهاية ابريل 2017. وعلى مدى هذه الشهور الأربع قامت المراكز الفنية المعنية بالتعاون معا من أجل تقديم عشرات الفعاليات النوعية والمُدهشة في أفكارها، ركزت فيها على الموسيقى والرقص وفنون المسرح والاستعراض، إلى جانب أشكال مبتكرة من الفنون البصرية المعاصرة، كما جمعت في فعالياتها لقاءات مشتركة لعدد من الفنانين وصانعي الأفلام والموسيقيين والأكاديميين.

أيضا جاءت زيارتي مثُريةً بحق بصريا وحسيا لثلاثٍ من المتاحف والمراكز الفنية في المدينة وهي: المتحف الأسترالي للفن المُعاصر (Australian Centre for Contemporary Art)، والمتحف الوطني في فيكتوريا National Gallery of Victoria) )، والمركز الأسترالي للصور المتحركة (Australian Centre for the Moving image) والذي يُعد الأول من نوعه في العالم من حيث اهتمامه بالأفلام وتاريخ الصور المرئية والألعاب ووسائل الإعلام الجديدة. كانت هذه الجولة الفنية في المتاحف السابقة، باعثة على التفكير بقدرة الإنسان على الابداع اللامحدود في نواحي الفكر والفن، وكيف يمكن للمرء أن يكون خلاّقا ومُنتجا للجمال والسلام من خلال تحفيز الآخرين على السمو بأفكارهم ورؤية الجمال في هويتنا الخاصة، من غير أن نغفل عن الرسائل الاجتماعية والفكرية التي تجمع البشر جميعا. في مثل هذه المتاحف لا يمكن للمرء أن يلتفت إلى المقتنيات المعروضة من لوحات وأعمال فنية فقط، بل عليه أن يتأمل أيضا في الطرق الإبداعية والمشوقة التي تُعرض بها هذه الأعمال الفنية للزائرين. ومرة أخرى فكل ما سبق لا يشكل سوى أجزاءً من لوحة جمالية أكبر تتعلق بالتصميم المعماري لهذه المراكز الثقافية، قديمة كانت هذه الطُرز المعمارية أم حديثة. إلا أنها تدفعنا للتفكير بالألوان والخطوط والمساحات التي تم توظيفها، وكيف انسجمت هذه العناصر مع المقتنيات وهندسة المكان لتنتج فنا معماريا ذو طابع خاص، نجح فيه مصمموه في التمرد على الأشكال الهندسية المنتظمة، وكسر هذا الانتظام بأفكار غير مألوفة تثيرك بفرادتها.

وإلى جانب المسارح والمتاحف والمراكز الثقافية، تشكل مكتبة الدولة العامة أحد المعالم التاريخية البارزة في ملبورن. فقد تأسست هذه المكتبة عام 1845 وتُعد بذلك أقدم مكتبة عامة في استراليا، وواحدة من أوائل المكتبات المجانية في العالم. على مدخل المكتبة باحة واسعة تُمكنك من التقاط صورا تذكارية لهذا المبنى التاريخي، ومع حركة الشوارع والمقاهي والمواصلات المحيطة بهذا المبنى فإن هناك شطرنجا مصنوعا من الرخام يشغل حجمه جانبا من أرضية مدخل المكتبة، حيث انشغلا رجلان في لعبة الذكاء في الهواء الطلق وتحت زخات المطر التي كانت تتساقط في ظهيرة ذلك اليوم. تمتد هذه المكتبة على عدة طوابق تمنحها شكلا دائريا مميزا، يمكنك من خلاله مشاهدة طوابق المكتبة المتعددة، التي تضم معروضات مؤقتة، تتغير مقتنياتها ووعناوينها من فترة لأخرى. تقدم المكتبة خدمات متعددة لزائريها فهناك مساحات متسعة مخصصة لأغراض البحث أو الدراسة أو فقط الجلوس باسترخاء مع كتابك المفضل.

فن الجرافيتي:
تنقل ملبورن مفهوم الفن من المتاحف والمعارض المغلقة إلى الشارع، ففي هذه المدينة الواسعة بشوارعها، اللافتة بتصاميمها الهندسية المعمارية لا يمكن لأي محب للفن أن يغفل عن مسحة الجمال والفن في شوارعها ومبانيها القديمة والحديثة. فعلى بعض الأرصفة ستجد حتما مجموعة من المحترفين أو الهواة الذين يقومون بالرسم على رصيف الشارع، ومجموعة أخرى تعرض أعمالها الفنية، وعدد آخر يقوم بالعزف على الآلات المختلفة على نواصي الشوارع.

تشتهر مدينة ملبورن، ومعها أيضا مجموعة من المدن العالمية بتوجهها إلى التركيز على الفنون العامة، ومع أن هذا المصطلح Public Arts قد يتقاطع مع مصطلح آخر هو فنون الشارع Street Artsإلا أن المصطلحين معا لا يشيران في ترجمتهما العربية إلى مضمون ونوعية الأعمال المُدرجة تحت هذه الفنون وهي المجسمات والتماثيل والأعمال الإبداعية التكوينية المختلفة، التي يصنعها فنانون معروفون، ويجمعها أنها تُعرض بموافقة الجهات المختصة في الهواء الطلق والمساحات المفتوحة كالحدائق والشوارع والساحات العامة، وذلك بلا مقابل بهدف إضفاء الجمال على المنطقة ولتقريب الناس إلى الفن. وفي مقابل ذلك يبرز فن الشارع أو الجرافيتي أو الجداريات، الذي لا يوثق لاسم فنان محدد وقد لا يجد قبولا بين العامة والمهتمين، إلا أنه وللمفارقة أصبح أحد المعالم السياحية الجاذبة في مدينة ملبورن. فعددٌ من أزقة ملبورن أصبحت مقصدا للسياح بسبب فن الجرافيتي، الذي يزين جدران أزقة بأكملها، وكأنك تدخل عالما آخر بنكهة الشوارع الشعبية وذوقها رغم أنك في قلب المدينة الحديثة التي تحاول أن تسمو على العشوائيات، لتقابلك لوحات مدهشة متعددة الألوان، وتجذبك فوضاها المتقنة. هنا أنصحك بكل يقين أن ترتدي أزهى ما لديك في خزانة ملابسك وتقف أمام هذه الأزقة لتلتقط صورا فنية مميزة، ولتتماهى مع هذه المشاهد الجرافيتية المتغيرة.

ويعرّف المختصون فن الجرافيتي بأنه الرسم أو الكتابة بأي وسيلة أو أداة فنية على الممتلكات العامة أو الخاصة من غير إذن، ورغم أن البعض يرجع أصول هذا الفن إلى فترات تاريخية قديمة، إلا أنه أصبح وسيلة لإظهار الغضب أو الاحتجاج وبشكل عشوائي على جدران الشوارع، من أجل نقل آراء اجتماعية أو رؤى سياسية مهمشة. ويجيز القانون في ملبورن لفناني الجرافيتي بالرسم على الممتلكات الخاصة بعد موافقة أصحابها، كما يوفر أيضا خدمة إزالة الجرافيتي إذا لم يرغب بها أصحابها، إلا أن هذه الرسومات أصبحت تجذب الساكنين والسياح، ربما لأنها أصبحت تؤدى بأسلوب يمزج بين البعد العشوائي والألوان الصارخة والمتنافرة للجرافيتي وبين الجانب الجمالي الذي يجعلك تتوقف متأملا في تفاصيله، كما أن ما يميز هذه الجداريات أنها تتغير بين فترة وأخرى، وبذلك تمنح هذا الفن بعدا متجددا ومواكبا أحيانا للأحداث الراهنة. وتوفر مدينة ملبورن للسائحين جولات بعضها مجانية وبصحبة فنانين محليين للتعرف على الجوانب الفنية والابداعية التي يمكن مشاهدتها في شوارع المدينة وأزقتها المختلفة.

القهوة في كل مكان:
في قلب المدينة النابض يجري شريانا من الحياة يُسمى نهر يارا. وعلى جوانب هذا النهر تنتشر المقاهي والمطاعم والأماكن المخصصة لممارسة رياضة المشي أو ركوب الدراجات الهوائية، إلى جانب الحدائق الخضراء وأماكن للعائلات ومناسبات الشواء، وبعضا من أفضل الملاعب الرياضية ذات المستوى العالمي. هذا المزاج الرائق لجو المدينة يجعلك تستمتع بالتسوق في مراكزها وساحاتها المفتوحة، فحتى مراكز المدينة التجارية لا يمكن أن نطلق عليها أماكن مغلقة، فتصاميمها الأنيقة تجعلك تشعر وكأنك تنتقل في مساحات مفتوحة يحمل بعضها أسقفا مرتفعة ذات تصاميم مبتكرة قد يغلب عليها الطابع الحداثي وقد نجد بعضها محافظاً على الجانب التاريخي إلا أن ذوقها المعماري يجبرك على التوقف والتأمل في النور والحياة التي تتخلل منها، فتشعر بالانفصال عن حركة الشارع في الخارج من غير أن تفارقها !

ويمكنك أن تتمتع بلوحات بانورامية وبصور آخاذة لكل ما سبق من معالم، إلى جانب رؤية محطة قطارات فلندرز وملاعب الكريكت وبحيرة ألبرت، إذا قمت بزيارة الطابق الثامن والثمانين في برج يوريكا سكاي ديك Eureka Skydeck 88 الذي يقع في منطقة ساوث بنك السياحية ويرتفع هذا البرج مسافة 975 قدما. ورغم أنك تنظر في النهاية الى مدينة لا تهدأ، إلا أن اليوم في ملبورن لا يمكن أن يبدأ وينتهي إلا بالاسترخاء قليلا مع كوب من القهوة المسائية وبعض الحلويات المغرية المتوفرة في مقاهيها الكثيرة، وهي متعة لا يمكن تفويتها. وبإمكانك أن تتخيل وأنت تسير في شوارع المدينة في نهاية اليوم أن ساكنيها وزائريها لم يفعلوا شيئا أكثر من شرب القهوة باستمرار، حتى تلك العصافير الصغيرة وبعض الطيور الأكبر حجما لم تفتأ عن التوقف عند بقايا قهوتك العابرة أو ذلك الفتات المتناثر من قطعة خبز الموز الشهية التي بدأت بها يومك الحافل في أكثر المدن حياة وحيوية.

283 total views, 2 views today