RMJ

رضا‭ ‬بن‭ ‬مهدي‭ ‬بن‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي

عَالَم‭ ‬كُرة‭ ‬القدم‭ ‬عالمٌ‭ ‬يختلفُ‭ ‬عن‭ ‬العوالِم‭ ‬الأخرَى؛‭ ‬لأنَّه‭ ‬العالمُ‭ ‬الذي‭ ‬تجتمع‭ ‬فِيه‭ ‬عَوَالِم‭ ‬التجارةِ‭ ‬والسياسةِ‭ ‬مع‭ ‬عَوَامل‭ ‬الترفيه،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬أُضيف‭ ‬إليها‭ ‬عالم‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬والتي‭ ‬دَخَلت‭ ‬إلى‭ ‬مَيدان‭ ‬المباريات‭ ‬خاصَّة‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬الحالية‭ ‬المُقامة‭ ‬في‭ ‬رُوسيا‭.‬

هَذِه‭ ‬التداخُلَات‭ ‬بَيْن‭ ‬العوالمِ‭ ‬المختلفةِ‭ ‬قد‭ ‬تَبْدُو‭ ‬فِي‭ ‬ظاهرها‭ ‬طبيعيةً،‭ ‬نشأتْ‭ ‬مِنْ‭ ‬جرَّاء‭ ‬التطور‭ ‬البشري،‭ ‬وتداخُل‭ ‬الميادين‭ ‬المختلفة؛‭ ‬حَيْث‭ ‬من‭ ‬شأنِ‭ ‬هذه‭ ‬التداخُلات‭ ‬أنْ‭ ‬تَنْتُج‭ ‬تناقُضَات‭ ‬أو‭ ‬تعقيدَات‭ ‬كثيرة،‭ ‬والتي‭ ‬نَحتَاج‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬بَذْل‭ ‬مزيدٍ‭ ‬منَ‭ ‬التحليلِ،‭ ‬وإيجاد‭ ‬قوانين‭ ‬تَخْتَلف‭ ‬عمَّا‭ ‬كان‭ ‬سائدًا‭ ‬عِنْدما‭ ‬كانتْ‭ ‬العَوَالِم‭ ‬أقلَّ‭ ‬تداخُلا‭ ‬وأقلَّ‭ ‬تعقيدا‭. ‬

ولِعَالم‭ ‬الأعمال‭ ‬قصَّة‭ ‬مُشَابهة‭ ‬لعَالم‭ ‬كُرة‭ ‬القدم؛‭ ‬حَيْث‭ ‬تجتمعُ‭ ‬فِيْهَ‭ ‬تداخلات،‭ ‬تنتج‭ ‬عنها‭ ‬تعقيداتٌ،‭ ‬خاصَّة‭ ‬عِندما‭ ‬تقتضِي‭ ‬مَصَالح‭ ‬الأطراف‭ ‬إغمَاض‭ ‬العَيْن‭ ‬عن‭ ‬أمورٍ‭ ‬بدهيةٍ‭ ‬حتَّى‭ ‬وإنْ‭ ‬أدَّى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الإضْرَار‭ ‬بمَصَالح‭ ‬المستهلكين،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬الأحيان‭ ‬المَصَالح‭ ‬الإستراتيجيَّة‭ ‬للشعوب‭. ‬كَمَا‭ ‬نَرى‭ ‬في‭ ‬واقعِنا‭ ‬المُعاش‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الاندماج‭ ‬العالمية‭ ‬بين‭ ‬شركات‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬وعابرة‭ ‬للقوانين‭ ‬المحلية،‭ ‬أو‭ ‬عِنْدَما‭ ‬تستولِي‭ ‬بعضُ‭ ‬المجموعات‭ ‬المحليَّة‭ ‬على‭ ‬عَصَب‭ ‬التجارةِ‭ ‬والاقتصادِ،‭ ‬والخدماتِ‭ ‬المالية‭ ‬والقطاعاتِ‭ ‬الإستراتيجيَّة‭ ‬في‭ ‬البلد‭.‬

وَهَذه‭ ‬التناقُضَات‭ ‬العملية‭ -‬وليستْ‭ ‬الفلسفية‭ ‬طبعاً‭- ‬وَلِيْدة‭ ‬التعقيداتِ‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬والسياسيَّة‭ ‬والاقتصاديَّة‭ ‬في‭ ‬الأنظمةِ،‭ ‬بما‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ “‬الأنظمة‭ ‬المعقدة‭” (‬Complex Systems‭). ‬وفِي‭ ‬العُقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬دخلَ‭ ‬في‭ ‬مُكوِّنات‭ ‬الأنظمةِ‭ ‬المعقَّدة‭ ‬عاملٌ‭ ‬إضافيٌّ‭ ‬آخر‭ ‬غيَّر‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬مُجريات‭ ‬الحَيَاة،‭ ‬ألا‭ ‬وهُو‭ ‬العلوم‭ ‬التكنولوجيَّة؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يُوجد‭ ‬قطاعٌ‭ ‬إلا‭ ‬وتأثَّر‭ ‬به؛‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بألعابِ‭ ‬القُمار،‭ ‬وما‭ ‬بَيْنَهما‭ ‬من‭: ‬الصحة،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والتجارة،‭ ‬والصيرفة،‭ ‬والتواصل‭ ‬الاجتماعي‭…‬وغَيْرها،‭ ‬ودُخول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬التعليمِ‭ ‬والتواصلِ‭ ‬الاجتماعيِّ‭ ‬التقليديِّ‭ ‬سيُؤدِّي‭ ‬فِي‭ ‬المستقبلِ‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬وتشكيل‭ ‬نَمَط‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬عَهِدناه‭ ‬فِي‭ ‬تاريخ‭ ‬البشريَّة،‭ ‬وفَرْض‭ ‬أخلاقيات‭ ‬خَارِجة‭ ‬عن‭ ‬السَّائد،‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬وأهدافِ‭ ‬ورغباتِ‭ ‬المَالِك‭ ‬الحقيقيِّ‭ ‬لتلك‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬المسألة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬سُرعة‭ ‬استيراد‭ ‬القيم‭ ‬وانتشارها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التقليدية،‭ ‬ستفوق‭ ‬بأميال‭ ‬العملَ‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬جزء‭ ‬يسير‭ ‬مما‭ ‬يتمُّ‭ ‬استيرادُه‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭.‬

إنَّ‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعقَّدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬تُستخدَم‭ ‬كسلاحٍ‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تطبيقاتها‭ ‬على‭ ‬الأسلحة‭ ‬التقليدية،‭ ‬وما‭ ‬تسبِّبه‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬للكيانات‭ ‬المادية،‭ ‬وإهلاك‭ ‬البشر‭ ‬جسديًّا،‭ ‬بل‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإعادة‭ ‬تأطير‭ ‬وهيكلة‭ ‬النُّظم‭ ‬السياسية،‭ ‬وإعادة‭ ‬بِناء‭ ‬أسس‭ ‬الكيانات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ “‬سيطرة‭” ‬الإنسان‭ ‬فكريًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭ ‬وسياسيًّا‭ ‬واقتصاديًّا؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُرَاد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬الناعمة‭ ‬الجَدِيدة‭ ‬الصَّاعدة‭ ‬هو‭ ‬السَّيْطرة‭ ‬الفعليَّة‭ ‬للإنسان‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ارتَأينَا‭ ‬الاستِعَانة‭ ‬بمصطلحات‭ ‬فوكو‭. ‬كلُّ‭ ‬هذهِ‭ ‬التغيُّرات‭ ‬تتطلب‭ ‬وعيًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬عِنْد‭ ‬صُنَّاع‭ ‬القرار،‭ ‬والعاملين‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬في‭ ‬بلداننا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ننجر‭ ‬إلى‭ ‬زوايا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬هيأنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬استيراد‭ ‬أنظمةٍ‭ ‬خارجيةٍ‭ ‬تُفرضُ‭ ‬علينا‭ ‬حينما‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬برنامجا‭ ‬فعليًّا‭ ‬يتناسب‭ ‬وتقاليدنا‭ ‬وتُراثنا‭ ‬الفكري‭.‬

وإِذْ‭ ‬نحتفلُ‭ ‬فِي‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬بيوم‭ ‬النهضة‭ ‬المباركة‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬يوليو،‭ ‬فإننا‭ ‬ندعو‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭  ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬يَمُنَّ‭ ‬على‭ ‬قائدنا‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬المعظم‭ ‬ـ‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬ـ‭ ‬بالصِّحة‭ ‬والسَّلامة‭ ‬والعُمر‭ ‬المديد،‭ ‬وأن‭ ‬يَجْعله‭ ‬تَحْت‭ ‬رعايتِهِ‭ ‬مُستبصِرًا‭ ‬في‭ ‬خُطاه،‭ ‬حكيمًا‭ ‬في‭ ‬سياستِه‭.. ‬إنَّه‭ ‬سميعٌ‭ ‬مُجِيْب‭ ‬الدعوات‭.‬

153 total views, 5 views today