Humaid Hijri

حميد الحجري 

 أستاذ مساعد لغة عربية بقسم العلوم الإنسانية، كلية إدارة الأعمال – جامعة الشرقية.

تهدفُ الأنظمة التعليميَّة إلى بناء المواطن الصالح، ذي الشخصية المتوازنة المنسجمة مع محيطها الاجتماعي، والحريصة على مُنجزاته الحضارية التي اكتسبها بمرور التجارب والخبرات، والقادرة في الوقت نفسه على نقده وتطويره بما يجعله أقدر على مواجهة متطلبات العصر وتحقيق الرفاه والسعادة لأفراده.

ولا يختلف النظام التعليمي في سلطنة عُمان عن غيره من الأنظمة التعليمية في السعي إلى تحقيق هذا الهدف العام. إلا أنَّ مناهج التربية الإسلامية -هذه المادة بالغة الأهمية والخطورة- لا تخدم هذا الهدف العام؛ فهي على الرغم من صياغتها بعبارات فيها الكثير من اللطف والعناية. وعلى الرَّغم من الصورة الوردية الحالمة التي ترسمها للمجتمع المسلم، فإنها -عند النظرة الفاحصة- تؤسِّس لقطيعة روحية حادة بين الطالب العُماني والمجتمع الذي يعيش فيه، وبينه وبين القيم التي تتأسَّس عليها الدولة العُمانية الحديثة في مجالات عدة.

… إنَّ الفضاءَ المعرفيَّ الذي تتأسس عليه هذه المناهج فضاء قديم، فقد تقريبا كل صلاته بالفضاءات المعرفية الحديثة التي تتحرَّك فيها الدول المعاصرة وتتأسس عليها علاقاتها المعقدة: سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا. فلا غرو -والحال هذه- ألا نجد في هذه المناهج تأصيلا واضحا لمفهوم المواطنة العصري الذي تتأسس عليه جميع الدول المعاصرة بما فيها عُمان، ونجد -في المقابل- حضورا قويا لمفاهيم الهوية الإسلامية والأمة الإسلامية…وغيرها من المفاهيم التي تجعل الطالب يتعلَّق بأحلام وهمية تداعب مخيلته التي تجذَّرت فيها صورة الدولة الإسلامية مترامية الأطراف التي أخضعت نصف العالم القديم، والتي ربما تدفعه مستقبلا إلى تهديد مصالح وطنه القريب (عُمان) لصالح الوطن الأكبر المنتظر (الأمة الإسلامية). وهذا المأخذ المتعلِّق بغياب تأصيل مفهوم المواطنة تأصيلا فلسفيا عميقا مشتقا من المعارف الحديثة، وبما يستجيب لحاجات الدول -ومن بينها عُمان- سياسيا واجتماعيا لا يقتصر على مناهج التربية الإسلامية، وإنما يتعدَّاها إلى جميع المناهج؛ وعلى رأسها: مناهج الدراسات الاجتماعية التي يفترض بها أن تنهض بهذه المهمة بشكل جاد بعيدا عن مجرد التكرار الآلي الذي لا يخلق قناعة مجتمعية قادرة على الصمود في وجه الصعوبات الكثيرة الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الدول -ومن بينها عُمان- والتي ربما تسهم في إضعاف حس المواطنة في نفوس المواطنين.

إنَّ منهجية التكرار الآلي -الحاضرة بقوة في الكثير من مناهجنا- لا تعدو أن تصنع شعارات جوفاء ترددها الألسنة بحماس وتسقط عند أول اختبار.

وإذا كان تأصيل مفهوم المواطنة يُعاني كلَّ هذا الضعف في مناهجنا التعليمية؛ فمن الطبيعي أن تكون الحظوة في عقول أبنائنا ونفوسهم لمفهوم الأمة الإسلامية الذي تأسَّست عليه جميع حركات الإرهاب العالمي في نسخته الإسلامية، والتي تمكنت حتى الآن من تخريب خمس دول عربية وإسلامية، ولا يزال خطرها في أوج قوته. إنَّ تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش” لم تفعل أكثر من استثمار المعارف والمشاعر التي كرَّستها مناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية منذ الاستقلال حتى اليوم. إنَّ بناء الشخصية المسلمة المتوازنة لا يكون بمجرد تلطيف العبارة وتخفيف حدتها، وإظهار الجانب المشرق من التاريخ الإسلامي، وتمويه الجانب المظلم والتغطية عليه، وإنما يكون بصياغة مفاهيمية جديدة: تستبدل بالمفاهيم البائدة مفاهيم جديدة تلبي احتياجات الدولة الحالية والمستقبلية.

ومن الجوانب المهمة في مناهج التربية الإسلامية، والتي تُسهم هي الأخرى في تأسيس القطيعة الروحية بين الطالب وقيم الدولة الحديثة: جانب المعاملات المالية؛ ذلك أنَّ القواعد الفقهية التي تساق في هذا الباب تتصادم على نحو صارخ مع كل المعاملات المالية التي تتبناها الدولة وتدير على أساسها منظومتها الاقتصادية. وهي معاملات دولية يتأسَّس عليها النظام الاقتصادي العالمي، ولا يمكن لأي دولة أن تنأى بنفسها عنها وإلا حكمت على نفسها بالموت المحتم. ولأننا ندرك تمام الإدراك أنَّ القواعد الفقهية التي تساق في أبواب المعاملات المالية لا يُمكن أن توفِّر بديلا حقيقيا للمعاملات المالية الحالية، ولا يُمكن أن يتأسَّس عليها أي نظام اقتصادي حي؛ فإنَّ ترسيخ هذه القواعد الفقهية المالية في مناهج التربية الإسلامية لا يُمكن أن يعمل سوى على ترسيخ الغربة الروحية بين الطالب ومجتمعه، وبينه وبين الدولة التي يعيش في كنف قوانينها. وتزداد خطورة هذا الأمر عندما يرافق عرض هذه القواعد الفقهية أحكام التكفير بنوعيه: النعمة والملة. نقرأ مثلا في كتاب التربية الإسلامية للصف الثاني عشر -طبعة 2014- درسا بعنوان “الوعيد الشديد في التعامل بالربا”، وفيه حكم صريح بأنَّ المتعامل بالربا كافر كُفر نعمة إن كان دائنا بتحريم الربا، وكفر شرك إن اعتقد حليته ولو لم يكن دائنا به. ومقتضى هذه العبارة أن الدولة التي تشرِّع للمعاملات البنكية التي تقتضي فوائد مقابل الأجل في السداد، وتصوغ القوانين المنظمة لها، كافرة كُفر نعمة على أقل تقدير، وإن كانت أقرب إلى كفر الشرك لأنها -على الأرجح- لن تشرع لهذه المعاملات ما لم يكن مسؤولوها يرون حليتها، وكذلك معظم أفراد المجتمع كفار كفر نعمة على أقل تقدير؛ لأنَّ غالبيتهم يتعاملون بهذه المعاملات المصرفية القائمة على فكرة الفوائد. بل حتى البنوك التي تتسمَّى بـ”الإسلامية” لا تنجو من حكم الربا؛ لأنَّ لديها شروطا على قروضها تبطل شرعية معاملاتها، ولديها أشكال من المعاملات الباطلة شرعًا تندرج في حكم الربا. وقد وضع الكتاب في درس آخر شروطا على بيوع التقسيط والصرف تُبطل معظم التعاملات المالية في هذين المجالين؛ سواء في المصارف الحكومية أو الخاصة. سيُجادل الكثيرون بأنَّ المبادئ الاقتصادية كما مورست في دولة الإسلام الأولى صالحة لهذا العصر. ولكنَّ النظرة الموضوعية لا تخطئ الحلول الترقيعية التي يُقدِّمها فقهاء زماننا، والقائمة على تغيير الأسماء والمصطلحات والشروط التفصيلية، مقابل المحافظة على العملية الأساسية؛ وهي: “المال مقابل الأجل”.

وبغضِّ النظر عمَّا سبق، وبدون الخوض في جدليات التحليل والتحريم، لا يمكن الخلاف على حقيقة أنَّ الطالب الذي يتلقى مثل هذه الدروس قد يتخرَّج بفكر مُتطرف يرى الدولة كيانا كافرا غير شرعي في سياساته المالية والاقتصادية…وغيرها. وهذه هي البذرة التي تستثمرها التنظيمات الإرهابية في تجنيد شباب المنطقة في حملاتها التخريبية الضارية.

وختاما -وإذا صعدنا إلى مستوى إستراتيجي- تكشف هذه القضية ضرورة تبنِّي الدولة فلسفة فكرية واضحة المعالم توجه سياساتها؛ بحيث تتفادى الإشكال القائم حاليا؛ إذ تعلن الدين مرجعية في جانب. وفي جانب آخر، تسن قوانين تتصادم مع تلك المرجعية في صورتها الفقهية التقليدية، وهو تزاوج أثمر تناقضات فجَّة بين المناهج التعليمية من جهة، والسياسات والنظم من جهة أخرى.

4,629 total views, 2 views today