الربيعي

عبدالرزاق الربيعي

حين قرأت المشهد الأوَّل من سيناريو فيلم «مرَّة في العمر» لكاتبه ومخرجه الفنان سالم بهوان والذي وصلني بمثل هذه الأيام من عام2012م، و نصُّه هو «سيارة ( فاخرة صالون) تتحرك بين الجبال لا نرى وجه السائق، مع وجود غيم وقطرات ندى دليل على نهاية موسم الخريف، والكاميرا تكون على المقعد الجانبي وفي المقعد الخلفي نرى ساكسفون وحقيبة السفر، لقطات مختلفة للسيارة وهي تعبر بين الجبال الخضراء، ومن ثم تتفاجأ بقطيع من البقر تمر أمام السيارة، والرجل يأخذ الكاميرا ويبدأ بالتصوير حتى مرور القطيع من أمام السيارة، ثم تتحرك السيارة مرة أخرى» لم أتخيَّل أن هذا المشهد سأراه على الشاشة بعد عام، فكم من الورق ظلَّ نائمًا في الأدراج! وكم من مشروع لم ير النور!

لكن عندما يمتلك الإنسان الإرادة والإصرار، والطموح فإنَّ من الطبيعي أن يصل إلى مبتغاه، وهذا ما يفعله الفنان سالم بهوان، الذي يعتمد في عمله على قدراته الذاتيَّة، دون الحصول على دعم من قطاع عام أو خاص.

كنت أتابع الفيلم في سينما المدينة بمجمع جاردنز مول في صلالة، وعلى يميني يجلس بطله الوجه الجديد «خميس البلوشي» وعلى يساري المخرج محمد المهندس، بعد أن أعطى معالي السيد محمد بن سلطان بن حمود البوسعيدي وزير الدولة ومحافظ ظفار للمخرج سالم بهوان إشارة بتدشين العرض الأول للفيلم.

في ذلك المشهد الذي ظهر بعد نزول أسماء صُنَّاع الفيلم الذي أنتجته شركة «صور» للإنتاج الفني، مفاتيح كثيرة لشخصية بطله «سهيل» رجل الأعمال الهاوي للتصوير، والعزف على آلة السكسفون القادم من «مسقط» إلى صلالة للاستجمام، وبدلاً من الاسترخاء والاستلقاء في أحضان الطبيعة الساحرة يقع في حبِّ ابنة الجبل «فاطمة» التي فقدت نعمة النطق، وابتليت بمرض مزمن، وقد يكون حبَّه لها بدأ بشعور بالشفقة، والعطف، لكنَّه أخذ طابع التحدِّي حين رفض أهلها تزويجه منها حسب العادات والتقاليد المُتَّبعة في الجبل.

هذه الثيمة ذكَّرتني بمسرحيَّة «الغجر» لبوشكين، حيث الشاب الذي يعجبه أسلوب حياة مجموعة من الناس يعيشون على أطراف المدينة، فينضم إليها ويحاول أن يصبح واحدًا منها، حتى يقع في حُب فتاة منها، ولم يمتثل لرفض أهلها، بحكم العادات والتقاليد التي من الصعب أن يتفهمها، وفي الأخير تنتهي علاقة الحب نهاية تراجيدية، وتموت الفتاة على يديه، فيقول له الأب «إن الأغراب مهما أقاموا يظلُّون ضيوفًا قلقين».

وهكذا يجد بطل «بوشكين» نفسه وسط صراع دخله مدفوعًا بالعاطفة لا العقل، فيخرج منه خائبًا، وهذا المصير نفسه يلقاه «سهيل» بطل فيلم سالم بهوان فيقفل عائدًا إلى مسقط بعد وفاة «فاطمة» ليلة زواجه منها بعد أن استفحل بها مرض «الربو» مشيرًا إلى خطورة آثار المناطق الصناعية المحيطة على السكَّان الذين يعيشون في انسجام تام مع البيئة ليقدِّم رسالة بشكل غير مباشر إلى خطورة المخلفات الصناعية على البيئة.

لقد جعل بهوان الفيلم المكان جزءًا من الحدث حيث استثمرته عين الكاميرا في تأثيث مشاهده التي جاءت على درجة من الجمال والإبهار والدقَّة في رسمها، ليجعل المكان بطلاً، مستفيدًا من الدورات التدريبيَّة التي التحق بها في «بوليوود» على أيدي مجموعة من المتخصصين، فاستنطق جماليات الحياة في جبال ظفار، وقد زخرف تلك المشاهد بالرقصات الجباليَّة الفولكلوريَّة والأزياء، وتفاصيل حياة الجبل، كالمشهد الذي يوثِّق عودة الإبل بعد فصل الخريف إلى الجبال حيث استعان المخرج في ذلك المشهد الذي صوَّره بكاميرا طائرة بأكثر مِن ألفي جمل!

ولعبت الموسيقى التصويرية للموسيقي صابر عيسى والأغاني الفلوكلوريَّة دورًا في تعميق المشاهد، وزيادة تأثيرها في المتلقي، فكانت مكمِّلة للصورة لا تابعة ومفسِّرة لها.

أظهر الفيلم من خلال خطوطه الدراميَّة الكثير من العادات المتوارثة، فجاء تدوينًا وتوثيقًا لها في تلك المناطق، التي لا نتذكَّرها إلا في موسم الخريف، بغية الحفاظ عليها، ولم تكن تلك المشاهد، مقحمة، بل وردت بطريقة انسيابيَّة وغير مقصودة، ووظَّفت توظيفًا دراميًّا، جميلاً، كمشهد العرس، الذي ظهرت به عادة اجتماعيَّة سائدة، عندنا في العراق، وهي من المشتركات بيننا، حيث يعطي الأقارب والأصدقاء والمعارف مبالغ مالية، يتم تسجيل أسماء أصحابها في دفتر خاص، يبقى في حوزة العريس، حتى إذا ما تزوج أحد الذين قاموا بمساعدته يقدم العريس مبلغًا مماثلاً، كنوع من التواصل والتكافل والتعاضد الاجتماعي.

أكثر من تجربة جريئة خاضها «بهوان» في الفيلم:

أوَّلها: حين استعان بوجه جديد «خميس البلوشي» الطالب الذي يواصل دراسته في الهندسة بجامعة السلطان قابوس بعد أن شاهده يقدِّم ابتهالات دينية خلال شهر رمضان الماضي، فقام بتدريبه لأيام قبل أن يبدأ تصوير الفيلم، وكذا الأمر بالنسبة لبقيَّة الممثلين الظفاريين الذين سبق لهم العمل في المسرح، إلى جانب الأردنيّة ورود الخزاعلة، التي عملت مساعدة مخرج في مسلسل «ود الذيب» ولجينة المنجية التي أدَّت دور «غزلان» في الجزء الثاني من «ود الذيب» ولم يتكئ على نجومية ممثليه، باستثناء ضيوف الشرف: سالم بهوان، وعبدالله مرعي، وصلاح عبيد، والمتسابق الدولي حمد الوهيبي وبذلك دخل في مغامرة مع «شبَّاك التذاكر» الذي يفتح على مصراعيه، كلَّما كانت سلّة الأفلام مثقلة بالنجوم.

ثانيها: عندما جعل حوالي سبعين بالمائة من لغة الفيلم بالجبالية الشحرية – ترجم الفيلم للغتين: العربيّة والإنجليزيّة – مستعينًا بخبراء لضبطها، وهذا ما لاحظته عندما دعاني قبل ثلاثة شهور لمشاهدة تصوير عدد من مشاهد الفيلم في جبال ظفار محتفيًا بالطبيعة، فقدَّم فيلمًا سياحيًّا بإطار درامي، مستعينًا بكاميرا طائرة لتقوم بتصوير مشاهد من الأعلى لاظهار هذه الجماليَّات.

ورغم النهاية التراجديَّة للفيلم، تخلَّلته العديد من المشاهد الكوميديّة التي أمتعت الجمهور، بخاصَّة أن الكثير من أبطاله هم نجوم الكوميديا في المسرح الظفاري كأشرف المشايخي، وسليم العمري ومبارك المعشني، وكمال قطن، وتونس.

ثالثها: عندما استعان بفريق تصوير احترافي جلبه من بوليوود يقوده، مدير التصوير أتيش بارمر، هذا الفريق يعمل على تقنيات كاميرات «ريد- فور كيه»، السينمائية الحديثة المتخصصة ذات العدسات المتطورة، وسبق أن عمل معه في «ود الذيب2»، والعاملون في حقل صناعة السينما يعرفون التكاليف الباهضة التي يتكبَّدها من يقدم على أمثال هذه التجارب، ولكن هذه الأمور صغرت في عين الفنان «سالم بهوان» حين جعل هدفه صناعة فيلم بمواصفات عالية، ليكون حاضرًا في المحافل السينمائية العالمية، والمهرجانات الدولية مثل «كان» و«فينيسيا» وأبوظبي وقطر وتونس والمغرب والجزائر، كما أكّد المخرج الذي واصل اجتهاداته في خطوته الثانية بعد فيلمه «بحث عن مستحيل» وهو يسير في طريق طويل.

5,176 total views, 8 views today